|
حميدة بن أحمد – الجزيرة توك - تونس

خمس و أربعون دقيقة و ساعة و نصف الساعة يوميا و ما بين اثني عشرة و أربع و عشرين ساعة أسبوعيا معدلات زمنية يقضيها أطفال تتراوح أعمارهم ما بين الثلاث سنوات و الاثني عشرة سنة في متابعة ما يبثه "الأب الثالث" فالشاشة الصغيرة أصبحت تلقب ب"الأب الثالث": أب بعد الأبوين الحقيقيين.
فـ"الأب الثالث" أصبح مساهما و مساعدا في تربية الطفل و بناء شخصيته. ف"الأب الثالث" عبر العديد من الفضائيات يبث مواد إعلامية كالمسابقات الثقافية والمنوعات للإجابة عن مجموعة من الأسئلة عادة ما يبحث الطفل عن إجابات بخصوصها. و هو دور مماثل تماما لما يقوم به الولدان.
دور يلعبه الأب كما تقوم به الأم خاصة وأن الطفل في مرحلة الاكتشاف والإطلاع أو ما يسمى بمرحلة اللمس أي مابين الثلاث و الست سنوات الأولى من عمره يبحث عن معرفة أشياء كثيرة تبدو له غريبة عبر تساؤلات تثير حيرة الوالدين. وعادة ما يشقى الأبوان كل من طرفه للإجابة عن هذه الأسئلة الغريبة و الغير منتظرة.

و إن بدا "الأب الثالث" جادا في لعب دور توجيهي و تربوي إلا أن متابعة ما تبثه بعض القنوات من صور و رسائل أمر في غاية الأهمية.
فالطفل" المتقبل البريء" لا يدرك معنى الرسائل الإعلامية ومن السهل أن يكون ضحية" الأب الثالث".
آخر الدراسات تشير إلى أن كمية المعلومات التي تقدمها أجهزة الإعلام تعطل القدرات التأملية لدى الطفل بمعنى أن الطفل لم يعد قادرا على التفكير حسب ما يتناسب مع سنه.
كما أن حشو مخيلة الطفل بمثل هذه المواد قد تتعارض مع المعلومات التي يتلقاها في المؤسسات التربوية مما يؤدي في غالب الأحيان إلى كراهية الطفل للمدرسة والكتاب لشعوره بعجز هذه الوسائل وصعوبة تعويضها ل"لأب الثالث".

ذلك أن" الأب الثالث" لا يستدعي من الطفل مجهودا و تركيزا كبيرين و لا حتى حركة، بل على العكس يلبي له مختلف احتياجاته دون شروط فقط متابعة الشاشة الصغيرة و اختيار كل ما يحلو له.
وفي أحيانا كثيرة، لا تقدم الفضائيات الوجه المتفائل للحياة بل تقدم الخيالات والأوهام المتناقضة مما تجعل الطفل يعيش كائنا غريبا في عالمه.
كما أن أجندا فضائيات" الأب الثالث" لا تختلف عن بعضها البعض فبرامجه الترفيهية تنحصر في تعليم الطفل الرقص و الغناء وكأنها المواهب الوحيدة لكل الأطفال في حين أن للطفل مواهب كثيرة قادر على صقلها و تنميتها.
إجمالا أصبح الطفل يعيش بين قطبين متصارعين: قطب أول يمثله الأب الثالث فرض وجوده و افتك مكانه داخل الأسرة ليفتك الطفل من أحضان والديه.
و قطب ثان يمثله الأبوان الحقيقيان المطالبان بحماية ابنهما حتى لا يكون ضحية "الأب الثالث".
|
من قال لك يا أخت حميدة إن الأطفال في مثل هذا السن يقضون فقط ساعة أو ساعة ونصف أمام التلفاز أو ما أسميته بـ "الأب الثالث"؟! الحقيقة هم يقضون مع الأب الثالث ساعات وساعات في اليوم الواحد. ثم لماذا أطلقت عليه اسم الأب الثالث، فربما ينطبق عليه اسم الأب الثاني أو ربما حتى الأب الأول، ففي أحايين كثيرة، نجد الأطفال مع أبيهم الثالث دون حسيب أو موجه أو مشرف أو رقيب.
ثم إذا كنت أطلقت اسم الأب الثالث على التلفاز، فبما ستصفين الكمبيوتر أو جهاز الحاسب أو الحاسوب في البيت، وخاصة إذا كان موصولا بشبكة الإنترنت على مدار 24 ساعة في اليوم الواحد؟!
على جميع الأحوال، وجهة نظري أن لا مانع من لقاء الأطفال بالأب الثالث أو الرابع أو الخامس. شريطة أن يكون ذلك بإشراف وتوجيه من طرف أحد الأبوين الأول أو الثاني.
فلا يمكننا أبدا فصل أولادنا أو إبعادهم عن التلفاز أو الإنترنت، لما فيهما من فوائد ترتجى، بالرغم من المساوئ التي ينبغي علينا تنبيه أطفالنا إليها ليأخذوا حذرهم تجاهها.