|
خواطر "عفوية" من وحي "الأحداث اليومية"(1) |
|
|
|
24/06/2007 |
مريم عيتاني – الجزيرة توك – بيروت
تبدأ كل الخواطر هكذا، هادئة، بديهية. تساؤلات. "لماذا يتقاتلون؟" .. "لماذا يغتال أحدهم الآخر؟" .. "لماذا هم دائماً في خلافات؟" ...
وتبدأ كل الأجوبة بطريقة مماثلة. اجابات. حتى لو لم تكن مقنعة لكنها اجابات. "بالطبع لديهم أسبابهم."
أما كيف تخلق الآلاف من الأسئلة الجديدة والتالية، فلعل ذلك من أسرار بديع خلق الله تعالى فينا. لكنه أيضاً، للأسف، من أهم أسباب الألم والهم في أيامنا هذه. عندما تصبح الأسئلة مثل، "كيف يقتل الانسان أخاه؟" و"كيف يجرؤ بعد أن قتله على التمثيل به؟" ..
صور كثيرة تطاردك وتعلق في ذهنك. صور الجنود اللبنانيين الذين غدر بهم قبيل أحداث نهر البارد، مذبوحين، وبعضهم قد اقتلعت عيونه. صور مما يجري في فلسطين. صور لمقاطع مسجلة تبثها بعض القنوات أو الانترنت عن العراق، لجماعات، (أسماؤها أكثر من أن تعد أو حتى تذكر، إذ كل يوم تكون جماعة جديدة) وفيها خلافة وحكم بالردة واعدام مصور، ذبح أو اعدام بالرصاص أو أو ...
وبعدها، أسئلة عن أولئك الذين يموتون ضحايا "بين ثنايا الاحداث". "يسقطون سهواً" وما أسهل قول الكلمات وما أصعب المشاعر إذ أنهم ليسوا كلمات، هم أنا وأنت وكل من حولنا. يمضون بصمت ولا يعرف برحيلهم أحد. حتى هم. تحضنهم رمال الأرض بقاياً متفحمة أو محترقة أو غضة، ودماءً تنزف ثم تجف، لتبقى حرقة في قلب من غادروهم بدون وداع.
ثم أسئلة عن أولئك الذين لا يموتون. يحاصرون. آباء وأمهات يذبل أطفالهم أمامهم وهم الذين كانوا يحلمون لهم بمستقبل أفضل، يجدون أنفسهم اليوم عاجزين عن تقديم الحاضر لهم، عن منعهم من الجوع والموت والفقر والقذائف. وأسئلة عن شيء آخر يموت فينا يوماً بعد يوم، عن إنسانية نفتقدها حتى لو حرصنا عليها، نراها تفلت منا يوماً بعد يوم، ومشاعر حزن وألم اعتدنا عليها فما عدنا نحسها عند رؤيتهم يموتون أو يجرحون.
وإذا ما حاولنا تجاوز كل ما سبق، أن نترك مشاعرنا ونكبر فوق احزاننا قليلا لنعرف بالضبط ماذا يحصل ومن وراءه، تختلط الصورة وتضيع الخيوط، ولا نعرف من وراء من، ولا من يحرك من. دول وأشخاص ورؤساء وعصابات وزعماء وأسلحة. ولا نعرف من العدو ومن الصديق، ومن الحق ومن الباطل، والكل في الجريمة شركاء، فنتمنى لو أنا لم نحاول تجاوز الصورة الدامية الانسانية الحزينة، ونتمنى لو أننا بقينا "على قد عقلاتنا" نصدق ما نرى ولا نسأل عمن وراءه، حين ندرك أن من وراءه قد يكونوا ممن تظهر عليهم البراءة أو ممن يبدون لنا من العقلاء أو الحكماء أو حتى ممن لا يتورعون عن التضحية بشركاءهم أو بأنفسهم كي يبدو أبرياء، أو حين ندرك ان من وراءه عالق فيه دون ارداة منه بل جر إليه جراً لكنه هناك معهم، يفعل كل ما يفعلونه من "جرائم" وآثام ...
ونحتار بين دموع تخفي كل شيء ولا ترينا أحد، ليبقى الكل في نظرنا طاهرين، أو دموع تجلو كل شيء فيصبح الكل في نظرنا مجرمين، أو صمت بين هذه وتلك، وألم ندفنه في نفوسنا يوماً بعد يوم، ونمنع فيه عيننا عن الدموع، ونواسي حالنا بأن لا حل إلا بـ "التطنيش" فالاهتمام لا يجلب إلا "وجع الراس" عملاً بنصيحة مقطع محبب إلي من مسرحية "ميس الريم"، إحدى مسرحيات فيروز (لا أذكره حرفياً لكن مفاده)، عندما تكون تسأل عن حقيقة ما يجري فطلب منها التطنيش:
"الشاويش، مطنش ..
المخفر، مطنش ..
المجوز، مطنش ..
بلد بامه و ابوه مطنش .. أيام تطنيش ..
لازم الواحد يظل *يشرب* لينسى الحقيقة .. الحقيقة بتموت يا زيّون."
|