أُكتـــب بالرصـــــاص

Aug 30, 2007

أيام الزمن الجميل


أكتشفت خلال هذه الأيام أنه قد مر عشرون عاما ً على مرحلة الثانوية العامة ، ورغم كل هذه السنين ، اكتشفت أن هناك أحداث ومواقف كثيرة مازالت عالقة في ذهني ، واعتقد بعد مرور هذه المدة، من الصعب أن تنمحي ، لانها ذكريات الزمن الجميل .

في النصف الأول من الثمانينات كانت معظم المدارس الثانوية تدار عسكريا (أُلغي هذا النظام ونحن في الصف الثالث ) ، يكون هناك ضابط كبير من الجيش برتبة عميد منتفخ الجسم يحشر نفسه في سيارته السيات ، يعاونه ( في الإدارة وليس في الحشر ) ملازم أول من الضباط الاحتياط وسيم ممشوق خطوة عسكرية ، لا يبتسم أبدا يتصنع القسوة والحزم ، حتى انني كنت اتعجب كيف يتعامل مع مراته ، وأولاده ؟ ولكني ظبطه مرة يبتسم بل ويضحك مع بعض الطلبة .

الواد وأبوه

موسى عطا الله ناظر المدرسة ، غليظ أو يداري ضعفه في غلظته ، يخطب الجمعة في مسجد قرب بيته ، سريع الحركة مكتنز الجسم ، دائما يمشي بخطوات سريعة محتمياً بعصايته التي لا تقل عنه غلظه ، ومع هذا كله ..كنت أحبه ماعرفش ليه .
.
أبنه عطا كان طالب معنا في نفس الصف ، وبالطبع كان هو المتنفس الوحيد للطلاب للانتقام من أبيه في صورته ، لذلك كانت شخصيته ضعيفة،مهزوز دراسياً، أقرب إلى المريض النفسي .
.
إذا أمسك الناظر بالميكروفون في طابور الصباح ، يبقا عليه العوض في الحصة الاولى ، وإحدى المرات وقف يوبخ في بعض الطلبة الفاشلين أو مش متذكر كانوا عملوا ايه يمكن مادفعوش المصاريف أو خربوا شيء في المدرسة ، وصفهم بأنهم زبالين ولاد زبالين ، حثالة ، طفلة الحشرة ، عالة على المجتمع ، أهاليهم ماعرفوش يربوهم ، وأنهم مرفودين أسبوع إلى أن يحضروا أولياء أمورهم ، وبدأ يسرد في أساميهم من ورقة في يده ، فلان ابن علان ، ترتان بن خلفان ، زوربيح بن بطيخ، عطا موسى عطا الله ، وضج الطابور بالضحك .
.
سيدنا موسى
.
كان دائما بيضرب الطلبة اللي بيلاقيهم خارج الفصول ، حتى أنه في مرة كنت أنا ومجموعة من الطلبة في طريقنا لحجرة النشاط (خارجين من الفصل رسمي يعني) وقابلناه قادماً نحونا ممتطيا عصايته ، لاقيت زمايلي جريوا ، تذكرت موقف الطفل مع سيدنا عمر بن الخطاب ، عندما ظل واقفاً في مكانه وأعجب به سيدنا عمر لما سأله ماجريتش ليه يا حبيبي زي أقرانك ؟، فرد عليه ، انه لم يفعل ما يستحق أن يجري منه ، وقفت... وأقترب مني سيدنا موسى بخطى حثيثة ، و بنظرة حانية كلها أبوة ، سألني .. " خارج من فصلك ليه يا حيواااان " ، ولم ينتظر إجابة ، فقد هوت عصايته على مؤخرتي عدة مرات يمينا وشمالاً قبل ان استفيق من الصدمة ، ... رحم الله عمر بن الخطاب ، وربنا يسامح الواد اللي ماجريش ...مش كان جري أحسن وريحني .
.
لف وأرجع تاني
.
رغم اني كنت طالب منتظم ، إلا أنني أدمنت النط من على السور ، وأصبح من الطقوس اليومية التي لا غنى عنها ، و أصبحت أشعر بنشوة الرويني... قصدي ..بنشوة كبرى في النط من على السور ، ولكن النط بتاعي كان نط عكسي,, يعني من بره لجوه .
.
كان من يصل متأخراً عن الطابور ، يتم احتجازه خلف البوابة الصدئة تحت حراسة عم عاشور البواب حتى ينتهى الطابور ، ويصعد كل إلى غايته ..(الأطلال ) إلى فصله ، ثم يأتي العميد أو الملازم أو كلاهما ويقوم بحفلة تعذيب مصغرة للطلبة المتأخرين قد تستغرق من عشر إلى ربع ساعة (تعذيب تعذيب يعني مش أي كلام، ونقل أحد الطلبة في مرة إلى العيادة ليتعالج من كسور ) ثم يصعد إلى الفصل ، وهنا وابل أخر من التوبيخ من مدرس الحصة ، لذلك لتحاشي هذه الحفلة كان هناك مكان منخفض في سور المدرسة من الخلف تجد عليه الخبراء في النط والتزويغ . (والحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها)
.
والصورة البانورامية تبدوا كالآتي : الطابور يتحرك على قرع الطبول في تناغم رائع والصفوف تتوزع على المباني الأربعة ، و الطلبة المتأخرين قليلي الخبرة قابعين في حفلة التعذيب ، و الطلبة المحترفين عند الجانب الخلفي من المدرسة واقفين طابور على الفتحة في السور ، وكلها منظومة يومية محكمة ، إلى ان جاء يوم ، ونحن في إنتظار دورنا في النط ، وإذا بنا نفاجئ بهرج ومرج لخبط هذه المنظومة وإذا بالنط اصبح عكسي، ....من جوة لبرة وتتعالى الأصوات والصيحات : إجري يالااا... الناظر تحت السور ،وبعد الاستفسار عرفنا أن الناظر أكتشف مكان الفتحة وهرع إليها على رأس قوة و وقف تحت الفتحة في كمين إنتظاراً للقادمين من أعلى ، ولك ان تتخيل منظر الطلبة اللي نطوا عليه ، أو سقطت شنطتهم فوق رأسه (لأنه من البروتوكول ان الناط يحدف شنطته اولاً ثم يقفز هو)، فمنهم من أسرع بالنط مرة أخرى للخارج و منهم من انقفش عليه رحمة الله.
.
تكريم عبد الكريم
.
كان الناظر لا يهتم بشيء أكثر من النظام ، والانتظام في الحضور .. وكان يقدر الطلبة المنتظمين، و في يوم من النصف الثاني من العام الدراسي وفي الحصة الثانية،جاء على رأس لفيف من الإداريين والمدرسين إلى فصلنا العامر..وبدأ في إعطاء محاضرة عن اهمية النظام والحضور ، و بدأ يكيل الشكر إلى الطالب أيمن عبد الكريم ، اللي ما غبش ولا ويوم من اول السنة ، وأنه طالب مواظب ويستحق التقدير لانه عارف مصلحته ، مش زي الطلبة الفاشلة اللي بتغيب عمال على بطال، وانه يستحق تكريم الإدارة له لأنه فعلاً قدوة حسنة لنا نحن البهائم ، ... فين أيمن عبد الكريم ...؟
.
الفصل كله في نفس واحد : غايب النهاردة يا استاذ .
.
قم للمعلم وفه التنكيلا
.
ورد إلي مدرستنا مدرس فيزياء جديد منتقل حديثا من الفيوم ، وبدأ أول حصة يعرفنا على نفسه ويعطينا محاضرة في ان المدرس لازم يكون مؤدب مع الطلبة ، ولازم يعاملهم كأولاده ، ولازم العلاقة المحترمة بين الطالب والأستاذ ، ولا بأس من الشدة في أوقات معينة ، وكيف أنه كان موقف مدرسته اللي في الفيوم على رجل واحدة ، وكله بالاحترام،
.
ويقطع هذه المحاضرة القيمة صوت ياتينا من الطرقة (في الفصل عادة يكون هناك شباك بطول الفصل يطل على الطرقة ، بالعربي الكوريدور) وأصوات متداخلة ، أنا هأطلع مــ.... أمك ، يا خــ.... ، يا أبن الــو..... ، يا مـ.....يا أبن المـ.... ، وحياة أهلك ما هأسيبك ، قدامي على الناظر ..ويقترب الصوت ، ويسكت المدرس ، ويقترب من الشباك في خطوات حذرة غير مصدق أن ممكن مدرس يتلفظ بهذه الألفاظ في مدرسة ، ويقترب الصوت أكثر حتى يظهر في الكادر من خلال الشباك ، مدرس ممسكا بقفا طالب مجرجرا إياه تجاه غرفة الناظر ، والطالب يكيل له الشتائم والسباب ، يعني كل هذا الكم كان موجه للمعلم من الطالب ، وعند هذه النقطة ، يسقط صباع الطباشير من يده ، ويرجع خطوتين للخلف يكاد يلتصق بالسبورة، ويسود صمت ، وينظر إلينا كنظرة العذراء التي وقعت في كمين من الذئاب البشرية وكان ناقص يمسك البلوزة بتاعته ويقول لنا أستروا عليا إلهي يستر عليكم ، أو كالقطة التي أدخلوها في قفص للأسود ، أو كنظرة الموظف الجديد بعدما يرن التليفون " فهمي يا فهمي ..رد عليا يا فهمي ، تقلان كدا ليه ".
.
جدو طه
.
أستاذ طه قليل الجسم كبير السن أبيض الوجه ترك الزمن أثاره على ظهره في صورة أنحناءه بسيطة ، يرتدي بدلة سوداء لم يبدلها طوال الثلاث سنوات التي قضيناها في المدرسة ، وأكيد التلاتين سنة اللي قضاها هو فيها ، يتحرك و يتكلم باسلوب بطييييئ جداً ،يبدوا عليه انه من الطبقة الأرستقراطية لذلك كان بيعاملنا دائماً بقرف شديد.
.
يتكلم وهو يشاور بيده إلى الأعلى في حركة تمزج بين الشرح وبين رفع كم الجاكيت، وكنا نقابله يوميا في الطريق يمسك بيد حفيده موصلا إياه لمدرسته قبل ان يأتي إلى مدرستنا، وكانت مفاجأة هزت المدرسة عندما علمنا أن هذا الولد هو أبنه وليس حفيده ،
.
كان جدو طه ( كما كان يحلو لنا ان نسميه ) يتكلم بكاريزما معينة ببطئ ومن كلماته - وهو يشاور رافعاً كم الجاكيت- ( لازم تحس بالكلمة....نفس عميق وسكوت ، لازم تسمع الانجليزي بوجدانك.. استراحة وتنهيدة ، الجاموسة، استراحة قصيرة ، لما تسمعها موسيقي ، تأمل واستراحة ، تحس ، فهمتوا يا بهايم .؟
.
شاااطر يا تامر ، ، ، ، مش زي الحمااار اللي جنبك (اعز أصدقائي)
.
وفي السنة اللي بعدها ، يبدوا مع عامل السن لم يعد جدو طه يفرق بيني و بين الحمار اللي جنبي، وكانت كل الشتائم من نصيبي أنا ..!!
.
السح الدح أمبو
.
لم ننسى ذلك المدرس الشاب الذي اعتقدنا انه طالب جديد ، جاء ليدرسنا اللغة العربية بطريقة مختلفة عما عاهدناها ، فقد كان محمد إبراهيم مرزوق خريج جديد من مدارس المعلمين نظام الخمس سنوات ، وفي يوم أختار إحدى القصائد ليستخرج منها الصور الجمالية، واللمحات الفنية ، وقصيدة النهاردة يا ولاد..هي السح الدح امبو
السح الدح امبو ..... لقد بدأ الشاعر قصيدته بكلمات مبهمة حتى يجذب إنتباه السامع
إدي الواد لابوه .... أسلوب أمر بلهجة حادة مش فاكر الهدف منه ايه
يا عيني الواد بيعيط ...... أسلوب استعطافي ...بعد ما لاقى انه مافيش فايدة
شيل الواد من الأرض... مش عارف ايه....
.

ومن الاستعارات المكنية جملة " ياااه ..اما أنا شفت النهاردة حتة صاروخ أو أباجورة...كناية عن المزة"
.
استاذ ابراهيم كان دايما لازق في مكتب شئون الطلبة عند أبلة دلال بيرسم على جواز بقا الله أعلم ،
ودلوقت .....ياترى انت فين يا مرزوووووق
.
شرارة
.
في فترة غريبة لم تدم أكثر من شهر أو شهرين ، ورد إلينا مدرس جديد غريب الاطوار أسمه حنفي ، أسم غريب كشخصيته ، فهو في العشرينات أو أوائل الثلاثينات ، نصف أصلع ، يرتدي نظارة غليظة نطلق عليها "قعر الكوباية" جاحظ العينين ، هيئته دائما تدل على انه ماعندهوش وقت ينظر في مرأة ،يحمل شنطة جلد رخيصة مثل محضر المحكمة، شخص بكل ما في الكلمة من معنى "غريب "، يصلح لأن يكون لحام أكسجين ..أو بالكثير منجد إفرنجي مش مدرس إنجليزي .
.
طريقة نطق استاذ شرارة للإنجليزي كانت غريبة جداً، وكان دائم الشكوى من النحس الملازم له ، أو الحسد اللي دايما جايبه ورا ،ولولا الحسد كان زمانه بقا قنصل في الخارجية مش حتة مدرس ثانوي، وكان يطيل الحديث عن حياته الشخصية ، وعن علاقته الحميمة مع خطيبته " وإحنا غلابة يا بيه" كنا دايما نحسده " يابن المحظوظة " ، وكمان خاطب ..
.
شخصية غريبة كهذه لابد وأن تكون نهايتها غريبة أيضاً ..
.
بعد انقطاعه عن المدرسة لفترة ، عرفنا أنه أثناء سيره في الشارع سقطت عليه بلكونه هو وخطيبته... أكيد فيه حد حسده .....! عليك رحمة الله يا استاذ حنفي .

.
أعتذر عن الإطالة فالموضوع لا يتحمل الإختصار ، وكل شخوص وأسماء هذه المقطتفات حقيقية ، واتمنى أن أجد من القراء من يعرف شيئاً عنهم ، لأعرف إلى اين وصل بهم الزمان ، مع خالص تحياتي وإحترامي لهم .

.
وكل عام وانتم بخير مناسبة حلول أول الشهر .

Posted by أُكتب بالرصاص :: 9:09 AM :: 69 Comments:

Post / Read Comments

---------------oOo---------------