الإسم : مكتب حسيب للمحاماة والاستشارات القانونية البلد : مصر
(اعرض صفحتي)
عن المدونة:
مكتب حسيب للمحاماةوالاستشارات القانونية0المكتب متخصص فى القضايا المدنية والشرعية والتجارية وقضايا الموظفين والعمال مع نخبة من أفضل السادة المحامين والمستشارين أمام كافة المحاكم 0 ومستعدون لمباشرة كافة
آخر تحديث : الثلاثاء 29 شعبان 1428 هـ 11 سبتمبر 2007 - 10:14 مساء - السنة الأولى - العدد 102
بطولات منسية في حرب الاستنزاف ، وموقف مشرف للسادات من أحداث الطلبة
05 سبتمبر 2007 - 03:58 مساء
الملف الكامل لاغتيال السادات - الحلقة الثانية
خرجت مصر من هزيمة 1967 محطمة عسكريا وسياسيا ونفسيا ، ولكن العجيب أنها استطاعت خلال أقل من عام أن تبدأ عمليات عسكرية هجومية ضد إسرائيل فيما عرف بحرب الاستنزاف والتي امتدت من يونيو 1968 إلى أغسطس 1970 ، حين وافقت مصر وإسرائيل على وقف إطلاق النار بعد مبادرة من وزير الخارجية الأمريكية ويليام روجرز. لقد كانت حرب الاستنزاف ملحمة بطولية للقوات المصرية ، ومن المثير للدهشة أن تأتي بعد هزيمة 67 الثقيلة. إن ما حدث يحتاج لدراسة ورصد ، إذ كيف تستطيع دولة أن تنهض بعد هزيمة قاسية بهذه السرعة وبهذا التصميم وبهذه الروح العالية ؟ ما الذي تغير بالضبط حتى تستطيع مصر أن تقف مرة أخرى على أقدامها بعد الضربة القاضية التي تلقتها في 67 ؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال المهم ، سنعرج قليلا على حرب الاستنزاف لنعرف قيمتها وقدرها. لقد قرر عبد الناصر خوض تلك العمليات العسكرية لعدة أهداف يمكن حصرها في:
• إعادة الثقة للجنود في أنفسهم وفي قادتهم والحفاظ على الروح المعنوية للمقاتلين. • إبقاء مسألة إحتلال إسرائيل للأرض العربية فى قائمة المشاغل الدولية ضمانا لإستمرار الإتحاد السوفيتى فى الإمداد بالأسلحة والمعدات الأكثر تطورا. • وضع إسرائيل تحت الضغط المستمر بسبب الخسائر التي تتكبدها على جبهة قناة السويس. • رفع معنويات الشعوب المصرية والعربية وتهيئة الظروف المناسبة للإنتقال إلى مرحلة العمليات الهجومية. • الحفاظ على إرادة القتال وإكتساب الكفاءة القتالية الميدانية وتطوير الخطط الحربية تبعا لتغيير العوامل المؤثرة عليها ، والحصول على المعلومات عن العدو والأرض عن طريق الإستطلاع ، وهذه كلها يتعذر تنفيذها بغير القتال الفعلي . • الحصول على المعلومات الخاصة بتدابير الحرب الإلكترونية الإسرائيلية من خلال العمليات الاستطلاعية والأنشطة القتالية لتحسين وتطوير القدرات القتالية. • إتاحة الفرصة للقوات المصرية للاشتباك الفعلي بالعدو الإسرائيلي لكسر حاجز الجهل به ، وهو ما شكل إحدى الركائز الأساسية لنجاح حرب أكتوبر 1973 فيما بعد.
استعدادات وتكليفات حرب الاستنزاف
وقد حققت حرب الاستنزاف كل أهدافها ، فقد بقيت قضية الاحتلال الإسرائيلي ساخنة على المستوى الدولي مما دفع الولايات المتحدة لتقديم مبادرة روجرز في مايو 1970 ، ولو بقيت جبهة القناة جثة هامدة ما اهتمت الولايات المتحدة بالتدخل السياسي. وقد لجأت إسرائيل لأساليب جبانة لإيقاف هذه الحرب وذلك بقيامها بضرب أهداف مدنية في عمق مصر في المعادي وأبي زعبل والخانكة وغيرها ، وكان أشهرها ضرب مدرسة بحر البقر الابتدائية بمنطقة الصالحية بشرق الدلتا وأدت إلى مصرع 31 طفلا وإصابة العشرات. ولكن مصر استطاعت بسبب هذه الهجمات الوحشية أن تبني حائط الصواريخ الشهير بصواريخ سام 2 و 3 السوفيتية ، والذي أمن العمق المصري وأفقد إسرائيل جزءا كبيرا من تفوقها الجوي.
لقد نشر بعض السياسيين كلاما يتهمون فيه عبد الناصر بأنه أخطأ بدخوله حرب الاستنزاف ، وهو كلام من قبيل المزايدات السياسية المدفوعة بأهواء شخصية أو سياسية ولا يحمل أي إنصاف أو موضوعية أو حيادية. ويكفي أن نطالع على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على الإنترنت (بقلم/ نتانئِل لورْخ ) تقييمها لحرب الاستنزاف في التاريخ الإسرائيلي إذ تقول " ... بعد انتهاء حرب الأيام الستّة (1967) بوقت قصير، بدأ عبد الناصر بشن حرب دامية ومستمرّة غير شاملة: حرب الاستنزاف والتي شملت تبادلا لاطلاق نيران المدفعية على امتداد خط "بار ليف" على حافة قناة السويس، مما أدى إلى تصعيد الأوضاع بسرعة. ....وقد اتّفقت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي على العمل من أجل وضع حدّ للحرب وفقا لصيغة "وقف إطلاق نار" تبناها مجلس الأمن الدولي (يوليو 1970).وقتل خلال حرب الاستنزاف 1424 جنديًا إسرائيليًا في الفترة ما بين 15 من حزيران يونيو 1967 و8 من آب أغسطس 1970......... وفي هذه الفترة أجرت مصر بالتنسيق السرّي مع سوريا، استعداداتها لجولة أخرى من الحرب. وكانت إسرائيل على علم بهذه الاستعدادات ولكنّها تمسكت بالرؤية بأن الرئيس أنور السادات لن يخوض حربًا إلا إذا تأكد من تعادل القوة الجوية على الأقل بين مصر وإسرائيل إذا لم تحصل مصر على تفوق جوي. فتجاهلت إسرائيل الوضع الراهن الذي أنذر بما لا يُحمد عقباه...." اهـ.
ويكفي كذلك أن نقرأ للجنرال عيزر وايزمان نائب رئيس الأركان العامة الإسرائيلية إبان حرب الإستنزاف فى كتابه " على أجنحة النسور " ما نصه : " إن حرب الإستنزاف التى سالت فيها دماء كثيرة لأفضل جنودنا مكنت المصريين من إكتساب حريتهم على مدى ثلاث سنوات للتحضير لحرب أكتوبر العظمى عام 1973 . وعلى ذلك فإنه قد يكون من الغباء أن نزعم بأننا كسبنا حرب الإستنزاف ، فعلى العكس كان المصريون ـ رغم خسائرهم ـ هم الذين حصلوا على أفضل ما في تلك الحرب ، وفى الحساب الختامى فسوف تذكر حرب الإستنزاف على أنها أول حرب لم تكسبها إسرائيل ، وهى نفس الحقيقة التى مهدت الطريق أمام المصريين لشن حرب يوم كيبور " اهـ
إن حرب الاستنزاف لم تأخذ حقها في التاريخ ، وتحتاج إلى إعادة تسجيل لتعرف الأجيال الناشئة حجم البطولات والتضحيات التي تمت فيها في أحلك الظروف. إن الشعب المصري أحس لأول مرة بقرب قيادته السياسية والعسكرية منه ، خاصة بعد حادث استشهاد رئيس الأركان عبدالمنعم رياض على خط الجبهة الأمامي في مارس 1969. لقد كانت جنازته الشعبية والرمزية شاهدا على واقع جديد بدأ يتشكل في مصر.
جنازة عبدالمنعم رياض
والآن نرجع لسؤالنا: كيف استطاعت مصر أن تنهض من كبوتها وسقطتها الهائلة في 67 بهذه السرعة وبهذه الحيوية والتصميم على النصر ؟ إن هذه الظاهرة تحتاج لدراسة اجتماعية شاملة ، ولكننا هنا سنرصد سببا مباشرا كان له مفعوله المؤثر.
لقد ساهمت عدة أسباب في رفع الروح المعنوية للشعب المصري وللقيادة السياسية وللقوات المسلحة ، وكان من أهم هذه الأسباب المعارضة السياسية التي قام بها طلبة الجامعات في عام 1968 ، والتي كان لها تأثير بالغ على عبد الناصر ، وعلى المناخ السياسي بعد هزيمة 67. إنها كانت المرة الأولى التي تظهر فيها معارضة علنية شعبية تتحدث عن فساد النظام وعن ضرورة فتح باب الحريات السياسية ، وكانت المرة الأولى أيضا التي لم يقابل فيها عبد الناصر هذه المعارضة على أنها ثورة مضادة ، بل ورأى فيها أن الشباب الذين قاموا بها خرجوا من رحم الثورة.
بعد هزيمة 67 ، بدأ الطلبة في جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية في الكليات وفي الإسكان الجامعي مناقشات ساخنة ترفض الهزيمة وتبحث في الأسباب التي أدت إليها ، وكان من السهل عليها أن تصل لنتيجة سريعة بأن فسادا كبيرا في النظام السياسي كان وراء الهزيمة بالإضافة إلى قمع الحريات العامة. ولم يقتصر هذا الرفض على الطلبة فقط ، فلقد عصفت هزيمة 1967 بالمجتمع المصري كله وجاءت بتغييرات عميقة حتى في سياسة عبد الناصر وشخصيته ، والمجموعة المحيطة به ، والمفكرين والسياسيين القدماء والحركة الإسلامية والفنانين ... لقد مست الهزيمة قطاعات الشعب كله.
وكان أول هذه التغييرات التي طفت على السطح ما وقع من مظاهرات عمالية في منطقة حلوان في فبراير 1968 وذلك بعد صدور أحكام قضايا التحقيق في ما حدث في سلاح الطيران وسلاح المدرعات من إهمال وتقصير ، وقد جاءت الأحكام متساهلة ومخففة ولا تتناسب مع حجم الكارثة . وقد قضت تلك الأحكام الهزيلة بسجن قائد الطيران صدقي محمود 15 سنة، وبراءة كل من جمال عفيفي وعبد الحميد الدغيدي، وسجن اسماعيل لبيب 10 سنوات ، كما قضت بالسجن 15 سنة والطرد من الخدمه العسكريه للواء متقاعد صدقي الغول ، وكذلك بالأشغال الشاقه المؤبده لثلاثة ضباط ، اثنين منهما برتبة عقيد وواحد ملازم والحبس سنه مع الشغل لملازم والطرد من الخدمه لنقيب وملازم.
شعر الناس بالإهانة من هذه الأحكام ، فخرجت جماهير العمال من المصانع الحربية بحلوان ملؤها السخط ، وحاولت أن تصل إلى القاهرة وهي تهدر بهتافات غاضبة بما أحست به أنه تواطؤ مع رؤوس الهزيمة ، ولكن قوات الأمن تصدت لهذه المظاهرة ومنعتها من الوصول للقاهرة.
وقد وصلت أخبار هذه المظاهرات العمالية للطلاب في جامعتي القاهرة وعين شمس ، وكان ذلك اليوم 21 فبراير يصادف ما سمي بـ "يوم التضامن العالمي مع طلاب مصر" وذلك إحياء لذكرى المذبحة التي كانت القوات البريطانية المحتلة قد ارتكبتها ضد جموع الطلاب في 21 فبراير عام 1946. فما كان من الطلبة عند سماعهم أخبار المظاهرات العمالية إلا أن تجمعوا في الجامعتين حتى المساء ، وقد جاءهم بعض المسئولين بما فيهم وزير التعليم العالي من أجل احتواء الموقف ، إلا أن قوات الأمن تدخلت وألقت القبض على 60 من قيادات الطلاب ، مما دفع الطلبة إلى أن يخرجوا غاضبين في مظاهرات عارمة من الجامعتين ، وبعد أن كانت مطالبهم أولا محصورة في محاسبة المسئولين عن الهزيمة وإعادة محاكمتهم ، زادت مطالبهم وتركزت أكثر على المطالبة بالحريات العامة وبأن ترفع طلباتهم رأسا لرئيس الجمهورية الذي كانوا لا يثقون إلا به!.
أما طلبة جامعة عين شمس فقد تصدت لهم قوات الأمن بعنف وقسوة في ميدان العباسية ومنعتهم أن يصلوا إلى قلب القاهرة. وأما طلبة جامعة القاهرة فقد تصدت لهم قوات الأمن أيضا عند ميدان التحرير ، إلا أن بعضهم استطاع أن يصل إلى مبنى مجلس الأمة حيث تظاهروا أمامه وأصروا على تسليم مطالبهم.
كانت المفاجأة أن السادات – وكان آنذاك رئيسا لمجلس الأمة - سمح لقادة هذه المظاهرة بدخول مجلس الأمة والتقى بهم ، واستمع لمطالبهم ووعد برفعها لعبد الناصر. كانت مطالبهم تنادي بالحريات العامة ومحاسبة المسئولين عن الهزيمة وتعديل لائحة اتحادات الطلبة ورفع القيود عن أنشطتها. في نهاية الاجتماع أعرب بعض الطلبة عن مخاوفهم بأنهم لن يعودوا لبيوتهم وأن قوات الأمن ستلقي القبض عليهم على أبواب مجلس الأمة ، فطمأنهم السادات وأعطاهم "كلمة شرف" أن أحدا منهم لن يؤذى ، وأعطاهم رقم هاتفه وطلب الاتصال به إذا تعرض لهم أحد من قوات الأمن.
العجيب أن مطالبهم وصلت بالفعل لعبد الناصر ، ولم يقابلها بالعنف المعتاد الذي كان يواجه به أي معارضة ويعتبرها "ثورة مضادة" ، بل وأصدر بعد منتصف الليل عقب اجتماعه بمجلس الوزراء قرارا بإلغاء الأحكام التي صدرت في قضية الطيران، وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية عليا أخرى، وتمت الاستجابة لمطالب الطلبة الخاصة بإعطاء مزيد من الاستقلال والفاعلية وحرية الحركة لاتحاداتهم، والسماح للاتحادات بالعمل السياسي. وصدر قرار رئيس الجمهورية رقم 1523 لسنة 1968، بشان تنظيم الاتحادات الطلابية منفذا لهذه المطالب. وبدأت الجامعة تموج بالحركة وعاد الطلاب يعبرون عن آرائهم بحرية داخل الجامعة وارتفعت يد منظمة الشباب – التابعة للحكومة - عن الجامعة.
هل اتخذ السادات هذه الخطوة بلقاء زعماء الطلاب والتفاهم معهم ونقل مطالبهم لعبد الناصر بمبادرة منه ، أم كان هذا تنفيذا لتوجيهات عبد الناصر ؟
في ظاهر الأمر لم يكن أحد حول عبد الناصر له الاستقلالية بحيث يتخذ قرارا كهذا بلقاء معارضين لسياسة الدولة ، وفي نفس الوقت فإن بطء القرار السياسي في مصر لا ينسجم مع إصدار عبد الناصر لتوجيهات أثناء وصول المظاهرة لمجلس الأمة. فالذي يغلب على الظن أن السادات أخذ بنفسه هذه المبادرة على غير المعتاد ، وربما تحت تأثير رياح التغيير العاتية التي واكبت هزيمة 1967.
لقد كانت هذه المظاهرات الطلابية بالغة التأثير على فكر عبد الناصر بعد ذلك ، لأنه رأى شبابا من داخل النظام –كان أكثرهم أعضاء في منظمة الشباب التابعة للاتحاد الإشتراكي – يثورون على الممارسات الخاطئة وإن كانوا ما يزالون يثقون في شخص عبد الناصر. كما استمع لمطالبهم ضد الأجهزة الأمنية وضرورة توفير الحريات العامة.
وهنا وقفة مع دور أحداث الطلبة في المناخ السياسي في مصر بعد 1967. لقد كان لتلك الحركة الرائدة دورا عميق التأثير حتى قال المؤرخ والفيلسوف الفرنسى والتر لاكير "لم يلعب الطلبة دوراً فى الحركة الوطنية مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر". وحتى اعتبر بعض المراقبين الغربيين أن الحركة الطلابية كانت أهم أسباب ارتفاع معنويات الشعب المصري وقيادته بعد وطأة الهزيمة.
ومن الواضح أن عبد الناصر قد أثرت فيه الحركة إلى أبعد حد ، حتى تعامل معها بالترحيب الشديد الذي لا يقارن مع أي سياسة قمعية مارسها نظامه قبل ذلك. ويكفي أن نطالع عناوين صحف القاهرة – والتي كانت الحكومة تسيطر عليها سيطرة تامة وكان من المستحيل عليها أن تنشر أي وجهة نظر معارضة للسلطة – نطالع عناوينها في تلك الأيام لنرى هذا التغير الهائل:
٢٤ فبراير ١٩٦٨
طلبة جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية يتظاهرون احتجاجاً على الأحكام التى صدرت ضد قادة السلاح الجوى والتى يرون أنها لا تتفق مع جسامة مسئوليتهم عن النكسة.
٢٤ فبراير ١٩٦٨
السيد الليثى عبد الناصر أمين الاتحاد الاشتراكى بالإسكندرية يتحدث مع طلبة جامعة الإسكندرية فى الاجتماع الذى عقد فى مقر الاتحاد الاشتراكى بالإسكندرية.
٢٥ فبراير ١٩٦٨
الرئيس جمال عبد الناصر يرأس اجتماع مجلس الوزراء؛ حيث تم بحث إمكانية إعادة محاكمة قادة الطيران.
٢٥ فبراير ١٩٦٨
الطلبة يتظاهرون لليوم الثانى على التوالى احتجاجاً على الأحكام التى صدرت ضد قادة الطيران والتى لا تتناسب مع حجم مسئوليتهم عن النكسة.
٢٧ فبراير ١٩٦٨
مجلس الأمة يبدأ مناقشة الموقف الداخلى، وحوادث المظاهرات الأخيرة.
٢٧ فبراير ١٩٦٨
وزير الحربية يرسل قرار إلغاء أحكام الطيران إلى المدعى العسكرى، والنيابة تأمر بالإفراج عن الطلبة الذين انتهى التحقيق معهم.
ولقد أدت هذه الحركة إلى إصدار عبد الناصر لبيان 30 مارس 1968 وفيه أعلن التصدي لمراكز القوة ولإتاحة قدر كبير من الحريات العامة. لقد كانت البلاد مهيئة في ذلك الحين لنقلة كبيرة نحو التطور السياسي ، ويبدو أن عبد الناصر أصبح متحمسا لهذا ، ولكن الدوائر المحيطة به والتي أدمنت الحياة في ظل الاستبداد السياسي هي التي رفضت وهبت بعد قليل لتعلن رفضها لهذا الجو الجديد من الحريات ، والتي ربما رأت فيه ضياع مصالحها ومواقعها الشخصية.
بيان 30 مارس
لقد حدث بعد الحركة الطلابية بأشهر قليلة في نوفمبر من نفس العام أن خرجت مظاهرات في المنصورة لطلاب المدارس الثانوية والأزهرية يعترضون بها على قانون جديد للتعليم كان قد أصدره وزير التعليم آنذاك محمد حلمي مراد ، وفي هذه المرة تصدت قوات الأمن بوحشية لهؤلاء الصبية وأردت أربعة منهم قتلى بالرصاص الحي ، فاندلعت مظاهرات في اليوم التالي في الإسكندرية والقاهرة. ولكن في هذه المرة ، وبعد نقاشات مطولة جدا في اللجنة المركزية للاتحاد الإشتراكي ، تقرر مواجهة هذه المظاهرات بأقصى درجات العنف ، وتقرر إغلاق الجامعات إلى أجل غير مسمى. وبمتابعة ما دار من مناقشات موسعة ، يظهر بوضوح ارتداد القيادة السياسية عن الخطوات الإيجابية التي اتخذتها في فبراير 1968. وقد كان ضغط المسئولين السياسيين والأمنيين شديدا خاصة بعد أن قام الطلبة في الإسكندرية بتوزيع بياناتهم ومنشوراتهم في الطرق العامة ووسائل المواصلات وعلى القنصليات الأجنبية ، مما أدى إلى ظهور مطالبهم في بعض الصحف العربية والأجنبية بعناوين مثيرة مثل "الطلبة ينددون بدولة الشعارات ". وقد كان عبد الناصر مترددا بعض الشيئ ولكنه مال أخيرا لهذا الاتجاه الداعي لكبت الحريات مرة أخرى.
ولقد ذهب السادات إلى موقع تلك الأحداث في المنصورة والإسكندرية ، وعاين بنفسه الجو العام ، وفي اجتماعات اللجنة المركزية التالية ، ربما كان الوحيد الذي لم يهاجم الطلبة بذلك الشكل القاسي ، ولم يشارك الجوقة التي أخذت تعزف ألحان الشوق إلى الماضي الذي لم تكن فيه أصوات النشاز من المعارضة.
مرة أخرى عناوين الصحف المصرية تعكس حالة القلق الشديدة التي انتابت البلاد من تلك المظاهرات المحدودة:
٢١نوفمبر ١٩٦٨
وزارة الداخلية تصدر بياناً عن مظاهرة طلاب المدارس الثانوية والاعتداء علىمديرية الأمن فى المنصورة، اعتراضاً على قانون التعليم الجديد.
٢٣نوفمبر ١٩٦٨
صدور قرار بتعطيل الدراسة بجامعات عين شمس، والإسكندرية، وأسيوط، والأزهر.
٢٤نوفمبر ١٩٦٨
الرئيس جمال عبد الناصر يرأس اجتماع مجلس الوزراء؛ لبحث موضوع الطلبةوالجامعات.
٢٥نوفمبر ١٩٦٨
طلبة كلية الهندسة جامعة الإسكندرية يعتصمون داخل الحرم الجامعى، ووقوع حوادثشغب فى الإسكندرية إثر مظاهرات طلبة تلاميذ المدارس الثانوية وتصادمهم مع رجالالشرطة.
٢٥نوفمبر ١٩٦٨
الرئيس جمال عبد الناصر يرأس اجتماع اللجنة التنفيذية العليا؛ لبحث عدد منالموضوعات الهامة من بينها المسائل المتعلقة بالطلبة والجامعات.
٢٦نوفمبر ١٩٦٨
السيد مصطفى عبد الوهاب المحامى العام يشرف على التحقيق فى الأحداث التى وقعتفى الإسكندرية، ويعاونه خمسة وثلاثون من رجال النيابة.
٢٦نوفمبر ١٩٦٨
الرئيس جمال عبد الناصر يقرر عقد دورة طارئة للمؤتمر القومى؛ لمناقشة الحركةالطلابية وأحداث المنصورة والإسكندرية.
٢٧نوفمبر ١٩٦٨
اللجنة المركزية تعقد اجتماعاًَ لمناقشة موضوع الطلبة والجامعة، والتى يمكناستغلالها خارجياً.
٢٨نوفمبر ١٩٦٨
الرئيس جمال عبد الناصر يرأس اجتماع اللجنة المركزية؛ حيث استمع إلى آراءمسئولي الجامعات بشأن أحداث الطلبة الأخيرة
02 ديسمبر 1968
الرئيس جمال عبد الناصر يلقى كلمة فى افتتاحه للدورة الطارئة للمؤتمر القومىللاتحاد الاشتراكى؛ والتى عقدت لبحث موضوع الطلبة والجامعات وتطوراتهوآثاره.ة.
02 ديسمبر 1968
السيد شعراوى جمعة وزير الداخلية يدلى ببيان عن الخسائر التى نتجت عن مظاهراتالإسكندرية والمنصورة، ووزير العدل يقدم تقريراً إلى المؤتمر القومى عن وقائعالتحقيق الذى أجرته النيابة العامة بإشراف النائب العام حول مظاهرات الطلبة الأخيرةبالإسكندرية.
03 ديسمبر 1968
الرئيس جمال عبد الناصر يحضر جلستي المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى؛ اللتانتناولتا بالبحث أحداث الطلبة الأخيرة فى ميدنتى المنصورة والإسكندرية
٠٤ديسمبر ١٩٦٨
نيابة المنصورة توجه تهمة الاشتراك فى التجمهر والاشتراك فى المظاهرات إلىأربعة عشر طالباً؛ بقصد ارتكاب جرائم القتل، والاتلاف، ومقاومة السلطات، مما أدىإلى قتل أربع أشخاص واتلاف بعض المبانى والمدارس.
٠٧يناير ١٩٦٩
الرئيس جمال عبد الناصر يقرر عدم توقيع القرار الخاص بتشكيل محكمة أمن الدولةالعليا لمحاكمة الطلبة الذين أقامت عليهم النيابة العامة دعوى الإخلال بالأمن فىحوادث مظاهرات الإسكندرية
لقد كان تحولا مؤسفا أن يرتد النظام عن هامش الحريات التي أنبتت جوا جديدا من التفاؤل والأمل. ومن الملاحظ على المناقشات المطولة جدا التي دارت في اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية للاتحاد الإشتراكي ، أن عبد الناصر كان شغوفا لتغيير منهج الحكم ، وكان يضرب أمثلة عملية ومنهجية ببعض الأحزاب الغربية ، وكان يحث أعضاء اللجنتين حثا أن يتكلموا بصراحة وأن يفكروا معه ، وكان يتعامل بلطف مع كل رأي مخالف داخل اللجنتين ، ولكن تيارا شديدا تربى على نظام شمولي شعر بالخطر ولم يستطع أن يتكيف مع التوجه الجديد الذي أفاق عليه عبد الناصر. ولذلك فإن رجلا بذكاء وحنكة عبد الناصر لابد وأنه قد لاحظ موقف السادات المختلف عن الباقين ، الذين كان هجومهم على الحركة الطلابية الثانية كاسحا . ونورد هنا مثالا فجا لتلك الآراء المدمرة التي صرخ بها بعض المحيطين بعبد الناصر في اللجنة المركزية للاتحاد الإشتراكي لإثنائه عن أي تعاطف مع الطلبة. وهناك أمثلة أخرى أكثر تطرفا وعدوانية ، ولكننا نورد كلام فريد عبد الكريم ( أمين محافظة الجيزة ) ، لأنه كان يتدثر بالتحليل العلمي ويضع السم في العسل ، ويمثل كلامه نموذجا للبطانة السيئة. قال في جلسة عاصفة في 26 نوفمبر 1968:
" .... السيد الرئيس .. الإخـوة أعضاء اللجنـة المركزيـة، لن أتحـدث فى وقائع ، فالوقائع معروفة ومنشورة، ولكنى سوف أتحدث عن بعض الحقائـق والظواهر المستخلصة من هذه التحركات المشبوهة .. الضارة والمضرة . هذه الحقائق باختصار شديد تكمن فى أربع : الأولى منها : أن جيلنا الجديد فى الجامعات والمدارس، لا يحكمه منطق واع فى تحـركه .. فـى انفعاله .. أو فى سكونه، حتى أنه ليصعب التنبؤ بمتى يتحرك، وإلى أى مدى سوف يكون تحركه. هذه حقيقة واضحة تماماً . أما الحقيقة الثانية : أنه ليس هناك اتجاه واحد لدى طلبة الجامعة - حتى ولو كان اتجاهاً خاطئاً - لأن هناك اتجاهات متعددة بالنسبة لهذه التحركات الخاطئة، حتى أنه ليصعب أيضاً أن نواجه هذه الاتجاهات الخاطئة بمنطق واحد، أو بمعالجة واحدة . الحقيقة الثالثة : أن الذين أثاروا هذا الشغب .. وأثاروا هذه التحركات، هم فئة قليلة فى كلية واحدة ، ولابد لنا من أن نحلل لماذا تحركت هذه الفئة القليلة؟ ولماذا فى هذه الكلية بالذات ؟ سواء فى القاهرة أو فى الإسكندرية . الحقيقة الرابعة، أو الظاهرة الرابعة : أن هناك تغييرا كاملاً لدور الشرطة .. سلوكاً، ودوراً، وعلاقة .
ولتسمحوا لى - أيها الزملاء - أن أتحدث عن بعض الأسباب التى أدت إلى هذه الحقائق :
أولاً : أنه ليس هناك نضج سياسى مطلقاً بين طلاب الجامعة، وذلك يرجع إلى ما يلى :
السبب الأول : أن طلاب الجامعة قـد حُرِموا من العمل السياسى لفترة طويلة مضت، ومن هنا فلن تتأكد ولن ترسخ تقاليد سياسية جديدة لمناقشات واعية، وفعالة، وموضوعية ، فليست هناك أُطُر على الإطلاق للمناقشات السياسية لقضايانا المصيرية داخل الجامعات . السبب الثانى : أن أساتذة الجامعة - السمة الظاهرة على الأغلبية الكبرى منهم، مع احترامى الشديد لدورهم، ولعلمهم، ولتخصصهم - ليس لديهم على الإطلاق وعى عام بقضايانا المصيرية، وليس لديهم حدس سياسى على الإطلاق، وإن ثقافاتهم المتعددة - من مصادر متعددة - هى فى الأغلب غربية ، وإن تأثرهم ببعض الفكر الليبرالى .. وإن تشبههم وتأثرهم بالمجتمعات التى وردوا إلينا منها، قد أثَّرت فى مصب واحد .. هو قاعدة الطلاب لدينا .. تأثروا بها إما بالصراحة، وإما بالدلالة، وإما بالإشارة .
السبب الثـالث : أن القلة القليلة الباغيـة، فى هذه الكلية الـواحدة - فى القاهرة أو الإسكندرية - استطاعت أن تتحـرك .. وأن تتحكم فى جماهير الطلاب، فى غيبة من العمل السياسى .. فى غيبة من قـاعدة طلابية موضوعية تقوم بالعمل السياسى .. فى وضع ضُربت فيه القيادات الموضوعيـة لمنظمات الشباب .. أو أحست أنها مضروبة، ومن هنا فقد خلا الجو تماماً لفئة قليلة – سوف يرد إليها التحليل فيما بعد – لكى تتحكم .. ولكى تتزعم أيضاً . ولأن منظمة الشباب وقواعدها الموضوعية المدربة على منهج سليم .. وعلى حوار موضوعى سليم ، أحست أنها مضروبة ، وأنها ينبغى أن تُظْهِر للتنظيم أنه كان خطأً كبيراً وفادحاً أن تُضرب منظمـات الشباب فى الجامعات، فوقفت موقفاً سلبياً - لا هى معنا، ولا هـى ضدنا - لكى تثبت فى خطـأ شديد، أن هذا الضرب لم يكن له ما يبرره، وأن ضـرب القاعدة الملتزمة بقضايانا المصيرية .. وبنظامنا السياسى، قـد أتاح فراغاً وخواءً سياسياً كاملاً، لفئة قليلة ضالة فى كليات الهندسة - فى القاهرة والإسكندرية - لكى تتزعم .. ولكى تقود .
هذه الأسباب هى التى تدفعنا لكى نقول: إنه لا يمكن التنبؤ بأية حركة على الإطلاق، لأى سبب كان. سوف تقوم الحركات مرة أخرى بسبب قانون التعليم، أو لغيره من الأسباب ، ولأية حادثة أو لغيرها سوف تقوم هَبَّات مفاجئة للطلاب، لا نعرف مداها، ولا نستطيع إطلاقاً أن نتبين أثرها .
هناك سبب رابع بالغ الخطر .. وبالغ الأهمية : إن الهبَّة التى قام بها الطلاب فى فبراير من العام الماضى، كانت تحركاً منبت الجذور، ليس له أصول راسخة .. وليست له قواعد موضوعية فى ذات الطلاب . وبالرغم من ذلك فقد أحس الطلاب .. الذين تحركوا فى شهر فبراير، أنهم مالكو التعبير، وأنهم واضعوه ، وأنه قد أصبح لهم كيان مستقل لابد أن يَنْفُذوا به إلى كل حدث .. وفى كل وقت، وأنهم لابد أن يفرضوا أنفسهم حكومة فوق الحكومة، وسلطة فوق السلطة، وقيادة للشعب - غير شرعية- رغم أنفه، بحجة وبدعوى أنهم أسباب بيان 30مارس، وأنهم واضعوه. ومن أجل هذا الخواء السياسى، كانت هناك عقدة التميز .. وعقدة الزعامة .. وعقدة الفرد التى تسلطت على هذه الفئة القليلة، سواء فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، أو بجامعة الإسكندرية .
هـذه أسباب أكدت لنا أنـه ليس هناك نضج سياسى، بل فراغ سياسى كامل ، سواء بضرب القيادات الموضوعية داخل الجامعة، أو بعدم قيام الاتحاد الاشتراكى بدوره كما ينبغى له .
وأود أن أؤكد فى هذه النقطة بالذات، أنه لا يمكن أن تُحكم الجامعة حكماً سليماً موضوعياً، تدور من خلاله ديموقراطية سليمة للتنظيم، ومؤدية لنتائج إيجابية، إلاّ إذا كانت هناك قواعد حزبية صحيحة ملتزمة .. مرتبطة بنظامنا وتنظيمنا. عند ذلك سوف تفكر هـذه الفئة القليلة الباغية أكثر من مرّة .. قبل أن تقوم بأى تحرك غير واع، ولكنه بعيد الأثر .. وبعيد الخطر معاً .
بعد هذه النقطة انتقل لنقطة أهم : لماذا كلية الهندسة بالـذات؟ .. أعتقـد أن هناك أسـبابـاً موضوعية كثيرة، لأنه من غير هذه الأسباب لا يمكن أن نأتى إلى علاج .
من الواضح - المؤسف - فى كلية الهندسة أن أكبر نسبة من القادرين استطاعت أن تصل إلى هذه الكلية، لأنهم هم القادرون على أن يهيئوا لأبنائهم حياة خاصة، وإشرافاً خاصاً ، ومدارس خاصة، ودروساً خاصة، ورعاية صحية وإشرافية خاصة، لابد أن تنتهى إلى أن أكبر نسبة من القادرين - المغرورين - هم الذين يستطيعون أن يحصلوا على أعلى الدرجات .
ومن ثم فإن أكبر نسبة من أبناء القادرين دخلوا هـذه الكلية بالذات .. كلية الهندسة – سواء فى جامعة القاهرة ، أو فى جامعة الإسكندرية – وكلية الطب، وكلية الصيدلة أيضـاً. والتحرك لابد أن ينتهى من كليات الهندسة .. إلى كليات الطب .. إلى كليات الصيدلة، والدليل على ذلك البيانات الصابئة، الغادرة، والخائنة، التى صدرت من كلية الطب فى العام الماضى ، لأن أكبر نسبة - كما أقول لحضراتكم - من أبناء القادرين استطاعت أن تقتحم أبواب كلية الهندسة بالذات، لِمَ لهم من قدرة خاصة، ومميزات خاصة .
والدليل الظاهر الواضح على ذلك، أن من يذهب منكم إلى الجامعة، سوف يجد حول أسوار كلية الهندسة آلاف العربات الخاصة، وسوف لا يجد فى الكليات الأخرى مثل هذا المظهر . والدليل على ذلك أيضاً، أن تحركات فبراير الماضية - وقد كُلِّفت بأن أتصل ببعض الزعامات الخاوية الخائبة لتحركات فبراير - وجدت فيها مظاهر الثراء، ومظاهر الإنتماء إلى طبقة معينة تشيع بالنسبة لزعامات هؤلاء الطلاب. ذلك يؤكد أن فئة قليلة موجودة فى كلية الهندسة بالذات، وكلية الطب إنما تنتمى إلى طبقة معينة تتجرع الحقـد، والبغض، والنقمة فى بيوتهـا، لكى تنقله نقمة أيضاً وثورة داخل كلية الهندسة بالذات، وهذا سبب ثان .
أما السبب الثالث لتحرك طلبة كليـة الهندسة بالـذات : فهو أن هؤلاء الطلبة كانت لهم تطلعات معينة. تعلمون حضراتكم أن طلبة كلية الهندسة بالذات، وطلبة كلية الطب يرون أمثلة تطلعية عند دخولهم إلى الكلية.. وكما يقال فى المثل : إن كل شخص يدخل كلية الطب الآن يبحث عن (5 ع ) : عيادة، وعربية، وعمارة، وعزبة، وعروسة . أمـا بالنسبة لطلبة كلية الهندسة فإن هذه التطلعات كانت تنحصر فى أن من يتخرج فيها كان يتقاضى مائة جنيه، ومائة وخمسين جنيهاً، وهذه التطلعات أَصبَحـت فى نظامنا الاشتراكى - فى تطبيقـه وفى تطـوره - تطلعات مقطوعة . عندئذ أحس الطلبة .. والأمثلة موجـودة فى أساتذتهم .. أن هـذه التطلعات ليس لها الآن ما يبررها ، وأن المساواة فى تكافؤ الفرص، والمساواة فى الدخول، لا يمكن إطلاقاً أن تتيح لهم تطلعات جديدة .
إن طـالب الطب مثلاً، كان بعـد سنة أو سنتين يقتنى عـزبـة، وسيارة ، وعروسة ، كمـا يتطلع ، ولكنه الآن يجد نفسه فى وحدة مجمعة - فى أى مكان فى القرى لكى يخدم مجتمعه - يتقاضى 17.5 جنيهاً أو 20جنيهاً مثلاً، عند ذلك يحس هـؤلاء الطلبة بـأن تطلعاتهم السابقة، لم يعد لها فى نظامنا الجديد ما يبررها، ولا يمكن إطلاقاً أن تتاح لهم هذه التطلعات، هذا سبب ثالث .
السبب الرابع أيضاً : أن الطلبة من كلية الهندسة - بالذات فى جامعة القاهرة - الذين قادوا مظاهرات فبراير الماضى، تولوا القيادة فى اتحادات الطلاب، وانتخابات اتحاد طلاب جديد على الأبواب .. فى فبراير القادم، ولابد لهذه الزعامات الخاوية - الشخصية والذاتية - من أن تثبت وجودها، كيف تثبته، وليس لها إطلاقاً وعى سياسى عميق، ولا فهم كامل، فى إطار كامل لتحرك سياسى منتج ونافع لجماهير هذا الشعب؟.. انهم لابد أن ينتهزوا أى فـرصة لكى يثبتوا زعامة جديدة، حتى يحلوا محل الثوار الأبطال .. أبطال ثورة فبراير الماضى. ومن هنا كان ذلك سبباً جديداً .
يضاف إلى كل ذلك، عقدة التفوق لدى طلبة كلية الهندسة بالـذات، لأنهم الحاصلون على أعلى الدرجات، ولأنهم الذين يتلقون أقسى العلوم .. لابد لهذه العقدة من أن تتجسد فى زعامة ، ولا يمكن للزعامة أن تتجسد أيضاً فى واقـع – حتى لـو كان خاطئاً وخطيراً - إلاَّ إذا كان ذلك فى تحرك خاطئ أو مصيب .
هذه أسباب فى اعتقادى - وفى تحليلى - أنها هى التى تدفع طلبة كلية الهندسة بالذات فى القاهـرة والإسكندرية إلى التحرك فى أى وقت، وعند أى سبب مختلق أو طبيعى، وإلاَّ فلماذا تثور كلية الهندسة بالذات؟ لماذا يبدأ التحرك من هناك؟ هل طلبتهـا أكـثر وعياً من غيرهم، وهم لا يدرسون إطلاقاً ألف باء السياسة؟ مع أن الدراسات السياسية فى الكليات الأخرى تبدأ من خلال علومهم، هل هم أكثر وطنية أيضاً من زملائهم الطلاب الآخرين؟
إن التحليل الـذى أقـول بـه لحضراتكم، قـد لمسته لأننى كنت فى الموقع بـدمى وجسدى وفكـرى أيضاً. هـذه حقائق الموقف وظواهره، والأسباب التى أدت لكى يقوم طلبة هندسة القاهرة وهندسة الإسكندرية بهذا التحرك ...". اهــ
لقد أدت حملة من هذه الآراء إلى دفع عبد الناصر إلى العودة إلى سياسته القديم فبل هزيمة 1967 ، وقد عبر بنفسه عن مأزق السلطة في ذلك الوقت وبعد استماعه إلى كل ذلك النقاش ، وتوصل أخيرا إلى أن السلطة ليست لها القيادة على هؤلاء الشباب ، ولكن لكونها سلطة فيجب أن تحكم ، وتحكم فقط ... قال عبد الناصر في خلاصة تلك المناقشات:
"هو أنا برضه بالنسبة للكلام اللى حصل .. وبالنسبة لكلام الأخ من جامعة أسيوط ، فيه نقطة الحقيقة لازم نكون على بَيِّنة منها .. وأرى من الواجب عَلىَّ إيضاحها، هى عملية القيادة.. أنا فى رأيى إن احنا مش قادرين نَقُود الطلبة، ولازم نواجه الأمور بصراحة وبوضوح، إيه الأسباب؟.. الأسباب كثيرة .. قيادة الطلبة النهارده بقت فى إيـد الحقيقة مااحناش عارفينها ايه ؟ .. سواء كانت اتحادات، أو غير اتحادات. بل بالعكس .. انه بعد فبراير هذه الاتحادات لم تكن لها أى قيمة فى الجامعات، بل احنا جِيبنا الاتحادات .. وقلنا نقوى الاتحادات حتى تكون هى القيادات، ولهذا إدّينا الاتحادات هذه السلطات .. فاللى حصل ان الاتحادات شطت .. وسارت فى هذا الموقف. واللى تسبب فى عملية الإسكندرية كلها هو رئيس اتحاد طلبة الإسكندرية .. اللى اسمه الشاطر ، وفى الآخِر حب يِبَرّر موقفه .
فالحقيقة اللى بـدى اقوله الآن – ولوقت طويل – على اللى بنقول : حننـزل فى البلاد.. ونتكلم .. ونعمل .. بنحاول هذا – الحقيقة – من السنة اللى فاتت. لكن اللى بدى اقوله إن احنا حاولنا بهذا الموضوع أن تكون لنا القيادة، ولكن لم ننجح. وده وضع يجب إنى أنا اقوله كده بكل صراحة .. وبكل وضوح. إذاً ليست لنا القيادة فى الجامعات لعدة أسباب، زى ما باقول إن 99.5 % من الطلبة أنا باعتبر انهم كويسين وموالين للثورة … إلى آخره .. بل يمكن أكثر من هذا .. ودول غير منظمين، وفى نفس الوقت بيخافوا من الـ 5,. % اللى عاملين شلة وبلطجية، وقاعدين طول النهار فى الكافيتريا .. ويسقطوا .. سَقَطوا السنة اللى فاتت كلها .. وجـزء كبير منهم عامل زى البيتلز ، لابس جزمـة ببوز .. ومربى شعـره، هـو أنا شُفْت؟.. أنا ماشفتهمش .. أنا سمعت بهذا الكلام ، والعملية بقت عملية يعنى شلة .. وعلى طول ملمومين مع بعض . وأنا متتبع الموضوع ده من فبراير بالتفصيل .
قيادتنا احنا بقى ايه ؟.. احنا كانت قيادتنا ممثلة فى منظمة الشباب .. أو هكذا تصورنا. وانهارت منظمة الشباب .. إذاً أصبحنا فى وضع مالناش قيادة على الطلبة، يجب أن نعمل الآن على أن تكون هناك قيادة .. وهذا سيأخذ كثير من الـوقت، يمكن السنة دى كلها مانقدرش نصل إلى هذا . ده وضع لازم نحطه فى راسنا واحنا بنتكلم فى الموضوع ، لأن احنا لَمَّا بنقول حنجيب الأساتذة .. وحيتكلموا مع الطلبة .. ومش فاهم ايـه .. هل ده يوصلنا إلى القيادة السياسية؟.. أنا رأيى لأْ .. يمكن فى جامعة أسيوط أيـوه.. لأن جامعة أسيوط وضعها أيضاً بيختلف عن جامعة الإسكندرية من الأول .. من تنظيمها .. ومن إنشائها .. ومن ربطهـا .. إلى آخـر العمليات دى. ممكن الكلام فى اللائحة والحاجات دى .. ممكن يعـاد النظر فيها، أما القيادة فلا زالت غير موجودة بالنسبة للطلبة ، وستكون القيادة فى المستقبل غير موجودة .. وهى القيادة السياسية .
ده الحقيقة علشان نعرف موقفنا ازَّاى.... الهتافات الموجودة :" أين قانون الحريات .. يا أنور يا سادات؟ "مثلاً، ده هتاف اتقال ، مافيش حاجة اسمها : قانون الحريات .. الحقيقة احنا عَدِّلْنَا قوانين الطوارئ .. وعدِّلنا أكثر فى القوانين الموجودة .. بقى عندنا قوانين أخف من القوانين الموجودة فى لبنان. يعنى فى لبنان موجود المحكمة العدلية، والمحاكم العسكرية، والنيابة العسكرية .. موجود كل حاجة بهذا الشكل، وتستطيع أن تتدخل فى أى وقت. احنا خففنا وطَلَّعنا التعديلات اللى اتكلم عنها الأخ حافظ بدوى فى المؤتمر، وأنا وعدته ان احنا حنطلَّعها .. طلَّعنا كل هذا الموضوع . فإذاً العملية هى برضه إصرار، لأنى أقدر أفْضَلْ مائة سنة أقول : أين قانون الحريات؟.. مافيش قانون فى العالم اسمه : قانون الحريات .
وبعدين الحقيقة وأنا باتكلم فى هذا باقول - حتى الواحد وهو بيكّلم نفسه - إذا كنا مش قادرين نَقُود، فما هو البديل لهذا بالنسبة لنا؟ .. برضه باقول : أنا رأيى فى هذا .. إذا كنا مش قادرين نَقُود، إذاً يجب أن نحكم طالما احنا فى السلطة .. وطالما علينا مسئولية حماية مصالح قوى الشعب العاملة .. وحمايـة الثورة .. وحماية أهدافنا. ثم علينا أن نحمى ظهور قواتنا المسلحة الموجودة فى جبهة القتال، طالما احنا مش قادرين نَقُود سياسياً.
وحتى نَقُود سياسياً فليس أمامنا من سبيل إلاّ ان احنا نحكم ، وعلى هذا فأى إجراءات خاصة بعمل سِياسِى حتقترحوها .. باقول لكم : مش حاقدر أنفذها .. لن نستطيع، لأن احنا ماشيين فى هذا الموضوع، وحياخد وقت طويل . فليس أمامنا إلاَّ سبيل واحد . الحقيقة ماباقولش - أنا برضه - إن احنا نتساهل.. أو مانتساهلش، أو ناخد بالقوة .. أو بالشدة، لأ .. باقول :ليس أمامنا الخيار، إذا لم نكن نستطيع أن نَقُود .. فليس أمامنا إلاَّ أن نحكم. وده الـوضع باختصار .. وبكل بساطة، ونحن لا نستطيع أن نَقُود الآن، وحنعوز وقت طويل حتى نستطيع أن نَقُود ....".
انتظرونا في الحلقة القادمة وفيها: • لماذا اختار عبد الناصر على أنور السادات ليكون نائبه في ديسمبر 1969 خلافا لكل التوقعات ؟ • السادات ومذبحة القضاء
لو لم يفعل السادات طيلة حياتة اي شئ لصالح هذا البلد سوي حرب اكتوبر لكفاة ذلك وسيقول التاريخ -يوما ما - كلمة حق في هذا الرجل الذي عاش ومات من اجل هذا البلد مهما كانت خطاياة
أول مرة
September 6, 2007, 4:24 pm | محمود حامد هريدى
أول مرة أعرف كل ده عن حرب الاستنزاف ، يا ترى لماذا تم اخفاء هذه البطولات العظيمة ؟ ، وحتى الشهيد عبد المنعم رياض ضرورى نتعرف على هذه الشخصية الفذة وبالذات فى هذا الزمان الذى يتم فيه التشكيك فى كل شيئ عندنا