بداية كل عام وانتم بخير بحلول شهر رمضان المبارك .. جعله الله شهر خير وبركة على المسلمين اجمعين … أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم …. وأن يتقبل من صيامنا وسائر طاعتنا … وأن يرزقنا إياكم الثبات والهداية … وعلو الهمة ..

مع بداية صلاة التروايح منذ أول ليلة في رمضان …منظر اعتدت رؤيته كل عام في المسجد .. ألا وهو امتلاء المسجد بالمصلين إلى آخره وحتى خارجه … صعوبة ابجاد موقف للسيارة من شدة الزحام … امور اخرى كثيرة تدل على كثرة المصلين وحرصهم على صلاة الجماعة وصلاة القيام ، لكن ….. إلى متى؟؟؟

للأسف فهذا المنظر الطيب لا يستمر اكثر من اسبوع فقط إن لم يكن أ قل …… ولا يقتصر الموضوع فقط على صلاة الجماعة أو صلاة التراويح … فالواحد منا مع قدوم الشهر يخطط وينوي ويبدا بالعمل … يقرأ او يراجع جزءا أو أكثر في اليوم … لاتفوته أي صلاة جماعة في المسجد … يغض بصره …. يقاطع التلفاز …. أمور اخرى كثيرة لم يكن يعملها قبل قدوم رمضان …. لكن ومع مرور أول أسبوع تبدأ هذه الأمور بالتلاشي …. مالسبب… لماذا لا نستمر؟؟؟

مضى علينا أكثر من رمضان والحال كما هو … لم يفكر أحدنا مالسبب في هذا …. لايكاد يمر عليه نصف شهر رمضان و ويختفي معه نصف هذه الأمور التي بدأ بها الشهر الكريم

صلاة التروايح اصبحت اربعة ركعات بعدما كانت ثمانية ، الجزء أصبح حزبا ، الصدقة اليومية أصبحت أسبوعية ، وقس على ذلك …

إنها الهمة أخوتي وأخواتي الكرام … هِممنا سريعة الفتور والذبول ، وأسباب ذلك كثيرة وعديدة، ومع الأسف قليل منا من ينتبه لهذا الأمر ….. و قليل منا من يولي همته اهتماما …

أولا يجب أن نعرف ما هي الهمة وما هو علو الهمة :
الهمٌ : ما هٌمّ من أمر ليٌفعل
الهمة : هي الباعث على الفعل ، وتوصف بعلو أو سفول

وقيل في علو الهمة :

  • هو استصغار ما دون النهاية في معالي الأمور

  • خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل

  • أن لا تقــ ف النفس دون الله ولا تتعــوض عنـها بشئ سواه ، ولا ترضى بغـيره بدلا منه ، ولا تبيــع حظها من الله و ربه والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به ، بشئ من الحظوظ الخسيسة الفانية.

  • الهمة نصف المروءة

الهمة محلها القلب فهي عمل قلبي

وأسباب انحطاط الهمم وسفولها كثيرة وعديدة وخاصة في زمننا هذا عافانا الله وإياكم …وأذكر منها :

  • الوهن .. كما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم : ( حب الدنيا، وكراهية الموت )
  • الفتور ..

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن لكل عمل شِرة، ولكل شِرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك ))

رواه الإمام أحمد

الشِرة هي : النشاط والقوة
الفترة هي : الضعف والفتور

  • إهدار الوقت الثمين في فضول المباحات .. قال صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )

  • العجز والكسل .. قال تعالى: ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين )

  • الغفلة .. وشجرة الغفلة تُسقى بماء الجهل الذي هو عدو الفضائل كلها
    قال ابن القيم رحمه الله: لابد من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم ..

  • التسويف والتمني .. وهما صفة بليد الحس، عديم المبالاة، الذي كلَّما همَّت نفسه بخير، إما يعيقها بسوف حتى يفجأه الموت، وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يدمن ركوبه مفاليس العالم .

  • ملاحظة سافل الهمة من طلاب الدنيا.. قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما مَثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك ، وإما أن تبتاع منه،وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة )

  • العشق .. لأن صاحبه يحسر همته في حصول معشوقه فيلهيه عن حب الله ورسوله.

  • الانحراف في فهم العقيدة .. لا سيما مسألة القضاء والقدر، عدم تحقيق التوكل على الله تعالى، بدعة الإرجاء.

  • الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد واستغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالبهم ..
    قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم )

  • المناهج التربوية والتعليمية الهدامة .. التي تثبط الهمم، وتخنق المواهب، وتكبت الطاقات، وتخرب العقول، وتنشىء الخنوع، وتزرع في الأجيال ازدراء النفس، وتعمق فيها احتقار الذات، والشعور بالدونية.

وكما أن لانحطاط الهمة أسبابا عديدة فإن لعلوها ورقيها أيضا وسائل و منها :

  • العلم والبصيرة .. العلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، ويُصفِّي النية.

  • إرادة الآخرة، وجعل الهموم همَّا واحداً.. قال تعالى: ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا )
    وقال صلى الله عليه وسلم: ( من كانت همّه الآخرة، جمع الله له شملَه، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همّه الدنيا، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له)

  • كثرة ذكر الموت .. عن عطاء قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون .

  • الدعاء.. لأنه سنة الأنبياء، وجالب كل خير، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( أعجز الناس من عجز عن الدعاء )

  • الاجتهاد في حصر الذهن، وتركيز الفكر في معالي الأمور.. قال الحسن: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

  • التحول عن البيئة المثبطة.. إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تُنَظَّف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها سهل تنظيفها بالقليل من الماء .

  • صحبة أولي الهمم العالية، ومطالعة أخبارهم..قال صلى الله عليه وسلم: ( إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر)

  • نصيحة المخلصين .. قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )

  • المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف..قال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )

بتصرف من كتاب علو الهمة لفضيلة الشيخ محمد بن اسماعيل المقدم

وحتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك .. أذكر نفسي وإياكم بالـــهــمة والحرص على علوها والارتقاء بها فهي السبيل الوحيد إلى التزام الطاعات واجتناب المنكرات في شهر رمضان وغيره من بقية أيام الله ….

المرة المقبلة سأعرض بإذن الله نماذج من علو الهمة في صحابة رسول الله صلى اللع عليه وسلم وفي سلفنا الصالح رضوان الله عليهم .. علنا نستقى منها العظات والعبر

هدانا الله وإياكم وثبتنا على الحق …

في أمان الله