هذا المقال للدكتور برهان غليون عن السياسة الخارجية السورية أحببت أن أنشره في هذه المدونة لأهميته وعلميته، وإن كنت لا أتفق شخصيا مع كل ما ذهب إليه الدكتور الذي أحببناه وأحببنا معارضته للنظام السوري فإلى المقال .....
نحو مراجعة جذرية لأسس سياسة سورية الخارجية
برهان غليون
حظيت السياسة السورية الخارجية، التي أرسى قواعدها الرئيس حافظ الاسد منذ أربعة عقود، بتقدير كبير من قبل كتاب ومحللين سياسيين عالميين وعرب. و قد اعتبرها أنصار الحكم البعثي باستمرار مركز الإنجاز السياسي لنظامهم الجديد، وجعلوا من إبراز نجاحاتها غطاءا لضحالة الانجازات الداخلية أو غيابها، كما جعلوا من الالتفاف حول صانعها نقطة إجماع وطني إلزامي لا يجوز المساس بها أو تجاوزها. وقد قامت هذه السياسة عموما خلال العقود الثلاث الأخيرة على توسيع دائرة النفوذ الإقليمي، وتأكيد القوة والهيمنة السورية، وفرض مواقفها وأفكارها من خلال التدخل القوي، السياسي والعسكري، في الشؤون الداخلية للبلدان او الحركات الوطنية العربية والإقليمية، بدءا من النزاع العراقي الايراني، إلى النزاع الكردي التركي، مرورا بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي، واللبناني الاسرائيلي، وغيرها.
لكن الاحباطات الكثيرة التي واجهتها دمشق في السنوات القليلة الماضية، زادت من التشكيك في حقيقة الفائدة التي جنتها سورية من هذه السياسة. ويسود شعور طاغ اليوم بان هذه السياسة ربما تكون قد وصلت إلى نهاية طريقها. فبعد أن كان للتدخل في نزاعات داخلية عربية وإقليمية عائدا ايجابيا يؤمن لدمشق مزايا متعددة، استراتيجية أو اقتصادية أو سياسية، أصبح هو نفسه اليوم، بعد تبدل وجهة السياسة الامريكية الشرق أوسطية، سببا في دفع سورية إلى بؤرة صراعات الشرق الأوسط جميعا، وجعلها هدفا رئيسيا للنزاع. هذا هو الحال في ما يتعلق بعلاقة دمشق الاستراتيجية مع طهران، وتحالفها مع أطراف المقاومة الفلسطينية الرديكالية، العلمانية والإسلامية، وتمسكها بنفوذها الاستثنائي في لبنان، ودعمها العلني للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي.
ففي نظر العديد من العواصم الدولية، وليس الإدارة الأمريكية الراهنة فقط، أصبحت دمشق محور سياسة شرق أوسطية حاملة لمخاطر كبيرة. فهي متهمة بسبب تدخليتها الواسعة هذه بدعم الإرهاب، أو على الأقل التلاعب به من أجل تأكيد نفوذها وتوسيع رقعة مصالحها الوطنية. وباستثناء بعض الكتاب اليساريين أو شبه اليساريين الغربيين الذين يدفعهم عداؤهم الايديولوجي والسياسي لسياسات واشنطن الهيمنية إلى إبداء تعاطف نسبي مع سياسة دمشق الخارجية، كما مع غيرها من العواصم التي تبدي تماسكا أكبر تجاه التسلطية الأمريكية[1] في نظرهم سياسة متهورة تفتقر للمعايير العقلانية والواقعية، أو أنها تسعى بالفعل إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها، في سبيل دفع الأذى المحتمل عنها أو تأكيد نفوذها بوسائل لا شرعية لدى جيرانها وعلى حساب مصالحهم الوطنية. ، يكاد جميع المسؤولين في الدبلوماسية الدولية ينظرون إلى السياسة السورية الإقليمية والدولية نظرة مليئة بالريبة. فهي إما أن تكون
1- بين القومية والمصلحة الوطنية
لكن الدبلوماسيات الغربية ليست الوحيدة التي بدأت تنظر بريبة إلى الخيارات السورية في السياسة الخارجية. فمثل هذه الريبة بدأت تغزو أيضا الرأي العام السوري ذاته، أو قطاعات واسعة منه، لا تقتصر على حلقات المعارضة الضيقة أبدا. ولا تعني الريبة إدراك خطورة هذه الخيارات فقط وإنما التساؤل، في ما وراء إعلان التأييد الظاهري لها، عما إذا كانت تقوم دائما على حسابات سليمة واعية. فعلى سبيل المثال، هل كان دعم المقاومة الكردية الماركسية، أعني حزب العمال الكردستاني، خلال سنوات حكم الرئيس حافظ الأسد الطويلة، ضد الحكومة التركية، مفيدا لسورية؟ وهل كان لتأييد جميع أشكال المقاومة المسلحة في العراق، بكل ما انطوت عليه من تناقضات، وبصرف النظر عن منطلقاتها الفكرية ووسائل عملها وتقنياتها العسكرية، نتائج ايجابية أيضا تخدم المصالح السورية العليا؟ وبالمثل ما هي الفائدة التي جنتها دمشق في النهاية من تشجيعها الانقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، واختيارها الوقوف إلى صف التيارات الرديكالية، ثم دعمها لحركة حماس الاسلامية منذ التسعينيات، ضد ياسر عرفات ومنظمة فتح المركزية التي كانت تمثل الأكثرية السياسية في الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وهل أعطى التحالف مع ايران وبالتالي مع حزب الله في لبنان، فوائد لدمشق تفوق تلك التي كان من الممكن أن تجنيها سورية لو اختارت توثيق الروابط مع المنظومة العربية؟
تتلخص إجابات أنصار دمشق بنظريتين متباينتين يشكلان في الوقت ذاته تأويلين لهذه السياسة نفسها. الأولى ذات سمة واقعية أو "ريل بوليتيك" تفيد بأن هذه السياسة هي التي ضمنت ولا تزال تضمن لسورية أوراقا إقليمية أساسية من أجل العمل والمبادرة على ساحة الشرق الأوسط. ومنها استمدت سورية نفوذا كبيرا في المنطقة، وتحولت إلى دولة فاعلة ومؤثرة يخشى جانبها، بعد أن كانت، في الخميسينيات والستينيات، موضوع نزاع بين الدول الأخرى العربية وغير العربية. وهذا يعني أن النفوذ الذي يؤمنه التدخل في قضايا الدول المجاورة والهمنة على مقدراتها او على جزء منها، هو السند للدفاع عن المصالح السورية الوطنية، وأن أي تراجع عنه يعني المغامرة بتعريض هذه المصالح للخطر. ومن هذا المنظور من الطبيعي ان لا تثير النزاعات التي تتفجر من حول سورية قلقا كبيرا لدى القيادة السورية، بل بالعكس. إنها تؤكد بالنسبة لها صحة خياراتها. فهي تعتقد اليوم أكثر من أي يوم مضى أن أفضل وسيلة لدفع الضغوط الخارجية ومنع الآطراف الأخرى من اللعب بالساحة الداخلية، هي تكثيف الضغوط عليهم، مباشرة أو من خلال حلفائهم المحليين، او ما ترى فيهم ذلك، واللعب في ملعبهم. وأن أفضل وسيلة لنيل السلام والهدوء والراحة في الداخل هو إنهاك الآخرين وحرمانهم من الاستقرار.
أما النظرية الثانية فهي من طبيعة عقائدية مناقضة تماما للأولى. فهي ترى في التدخلية السورية تجسيدا لوفاء دمشق لمبادئها القومية والوطنية التقدمية. ومن هذا المنظور ليست الجهود التي تبذلها سورية للبقاء في قلب الشؤون الداخلية العربية استثمارات سياسية تهدف إلى الحصول على مكاسب استراتيجية أو اقتصادية أكبر، وإنما هي تضحيات يقوم بها السوريون وفاءا للقيم الوطنية والقومية، ودفاعا عن استقلال العرب وحريتهم وكرامتهم. وفي هذه الحالة لا بأس في أن لا تكون لهذه السياسة عوائد حقيقية، من أي نوع كان. فهي ليست مقصودة لفوائدها وإنما هي واجب يقع على السوريين، ولا يمكنهم تركه أو تجاهله من دون أن يفقدوا مبرر وجودهم السياسي والعقائدي معا. ومن شواهد النظرية الأولى اعتقاد مراقبين كثر، بل ومسؤولين سوريين، أن التحالف مع طهران ضمن، ولا يزال يضمن، تصاعد قوة حزب الله كورقة للضغط على إسرائيل وإجبارها على إعادة الجولان إلى سورية. وينطبق الأمر نفسه على الدعم السوري السابق للحركة الانفصالية الكردية بقيادة عبد الله أوجلان في تركيا. فقد كان الرئيس حافظ الأسد يعتقد أنه سوف يتمكن عن طريق هذا التحالف من إجبار أنقرة على الاعتراف بحصة سورية الطبيعية من مياه الأنهار المشتركة، التي توجد منابعها في تركيا. أما التحالف مع حركات المعارضة الفلسطينية، مهما كان اتجاهها السياسي والعقائدي، علمانيا أم إسلاميا، فالهدف منه قطع الطريق على أي تسوية منفردة يمكن للحركة الفلسطينية، بقيادة منظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات، الأقرب في تحالفاته إلى مصر والمملكة السعودية، أن تعقدها مع إسرائيل قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سورية إسرائيلية تعيد الجولان المحتل.
لا يشعر أصحاب النظام بالحاجة إلى الاختيار بين التأويلين. فهم يستخدمون خطاب الواقعية السياسية عندما تكون لخياراتهم عوائد ايجابية واضحة، ويلجأوون إلى خطاب المثالية الايديولوجية القومية في الحالات الخاسرة أو عند انعدام النتائج الملموسة. لكن الخطاب القومي هو الذي أخذ يغلب على أحاديث وخطب المسؤولين في الحزب والدولة في السنوات الأخيرة. هكذا لا يكف هؤلاء، عندما يوجه لهم النقد بسبب نتائج تدخلهم في الشؤون العراقية أو اللبنانية أو الفلسطينية، عن تكرار الفكرة ذاتها التي تفيد بأنه لم يكن لدى سورية خيار أمام الهجمة الأمبريالية سوى الدفاع عن السياسات القومية. وهكذا ما كان من الممكن لها أن تترك الولايات المتحدة تسيطر من وراء أنصارها في لبنان ولا في العراق ولا في فلسطين. وكما أنها قبلت في سبيل الدفاع عن سياستها القومية تقديم تضحيات كبيرة في لبنان، فقد قبلت التضحية أيضا في سبيل تحرير العراق ومنع تقسيمه أو تغيير طبيعته القومية، وهي ترفض تصفية القضية الفلسطينية من قبل التيارات الانهزامية والاستسلامية. أما المعارضة فهي تستهين كثيرا بالحجة القومية التي يستخدمها المسؤولون السوريون، وترى فيها وسيلة للتغطية على المقاربة الأولى أو تبريرا لها. لكن المعارضة لا تناقش جديا نظرية الواقعية السياسية التي تنظر إلى النشاطية المفرطة على أنها الخيار الوحيد لسورية، إذا أرادت أن تحافظ على موقعها الإقليمي وتتملك أوراقا للفعل الاستراتيجي، تضمن مصالحها الوطنية، وتبعد عنها القوى والحركات الطامعة فيها، أو المهددة لاستقرارها ووحدتها الوطنية. فهي إما أنها تشارك في النظرة ذاتها إلى مسألة النفوذ الإقليمي، أو بعبارة أدق سياسة الهيمنة الإقليمية، أو أنها لا تأخذ مأخذ الجد ادعاءات النظام حول مبررات السياسات التدخلية الخارجية وتتهمه مسبقا بأنه لا يهدف منها إلا إلى خدمة النظام وتأمين دفاعاته ومصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية السورية. لكن هذا الموقف يقطع الطريق مسبقا على أي مناقشة جدية لأهداف السياسة الخارجية السورية وأساليب عملها. ويفقد المعارضة نفسها في هذه الحالة فرصة بلورة سياسة خارجية سورية وطنية بالفعل، أي لا تتوسل خدمة نظام أو عقيدة او رؤية خاصة ولا الدفاع عن مصالح فئوية.
ينبغي في اعتقادي، بالعكس من ذلك، أخذ ادعاءات النظام على محمل الجد حتى يمكن فحصها بطريقة منهجية تمكننا وحدها من بلورة رؤية لأهداف السياسة الوطنية السورية ومعرفة أفضل الأساليب لخدمتها والدفاع عنها. والسؤال الذي يطرح اليوم، ونحن على أعتاب حرب إقليمية وحروب طوائفية منظورة وغير منظورة، تشكل التدخلية السورية أحد ذرائعها ومبرراتها، هل كان الانخراط في النزاعات الداخلية للأقطار العربية، سواء جاء استجابة لمراكمة أوراق ضغط استراتيجية أو تحقيقا لعقيدة قومية، الخيار الوحيد الممكن لبناء استراتيجية سورية وطنية، أم كان من المحتمل الوصول إلى الأهداف المنشودة بالطرق الدبلوماسية وأساليب التفاوض السياسية؟ وهل ساعدت هذه التدخلات في النزاعات الداخلية العربية والإقليمية في تحقيق المصالح السورية أو تحقيق جزء منها، أم عملت بالعكس على ابعاد دمشق بشكل أكبر عن إمكانية ايجاد الحلول لمشاكلها الوطنية؟ والجواب على هذين السؤالين يفترض منطقيا طرح سؤال: ماذا تعني بالضبط المصالح الوطنية السورية، وتحديد في ما إذا كانت تتلخص في مصلحة نوعية واحدة أم هي مصالح متعددة ومتباينة في سلم الاهمية والأولوية.
2- حصاد ثلاثة عقود من السياسة الخارجية
لا يرى أنصار السياسة الخارجية السورية، التي راهنت على توسيع دائرة نفوذ سورية ودورها الإقليمي في المنطقة، على أمل مقايضته بمصالح استراتيجية حيوية تتعلق أساسا باسترجاع الجولان والتوصل إلى تسوية عربية إسرائيلية تنهي حالة الحرب الطويلة المستمرة منذ أكثر من قرن، ومن وراء ذلك انتزاع شرعية وشعبية للنظام، سوى إنجازات كبيرة لا تقارن بحجم الخسائر أو التضحيات أو الانتكاسات التي منيت بها. ففي ما يتعلق بأهم الجبهات التي فتحتها السياسة الخارجية السورية واستثمرتها، أعني جبهة العلاقات السورية اللبنانية، وفرت السيطرة على لبنان مسرحا جانبيا للحرب حل معضلة استراتيجية كبرى لسورية، بمنعه إسرائيل من النوم على قرار ضم الجولان (14/12/1981)، وفي الوقت نفسه تجنيبه دمشق المغامرة بالتورط في حرب شاملة مع الدولة العبرية، تكاد نتائجها تكون محسومة لصالح خصمها[2]. كما وفر التحالف مع حزب الله فيما بعد أداة ضغط قوية على تل أبيب، من أجل حثها على الدخول في مفاوضات أو في سبيل إجبارها على التعامل في هذه المفاوضات بطريقة جدية. وبالفعل، عمل حزب الله كجيش سوري مواز في لبنان، وخاض لصالح سورية حربا محدودة جعلت قضية النزاع السوري الاسرائيلي تبقى حية دبلوماسيا وأمنيا معا. وكانت هذه الحرب المحدودة أفضل رد ممكن على الوضع القائم، أعني حالة اللاحرب واللاسلام التي وجدت سورية نفسها مكرهة على تحملها. وقد أثمرت هذه الحرب المحدودة بالفعل مشروع تسوية كاد يتحقق تحت إشراف الرئيسي الامريكي بيل كلينتون في 26 آذار عام 2000[3].
ولا يختلف الوضع في فلسطين. فليس هناك أي شك في أن الاحتفاظ داخل الحركة الفلسطينية بمنظمات حليفة لسورية، سواء أكان ذلك لأسباب ايديولوجية، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وتيارات داخل فتح نفسها، أو مرتبطة بدمشق ومعتمدة عليها في بقائها، كالجبهة الشعبية القيادة العامة لأحمد جبريل، قد أعطى للسلطة السورية هامش مناورة كبير تجاه السياسة الفلسطينية والدبلوماسية العالمية، مكنتها من التدخل لضمان مصالحها، وقطع الطريق على احتمال أن تحاول الدول الكبرى وبعض الدول العربية الضغط على منظمة التحرير لدفعها إلى القبول باتفاق منفرد مع تل أبيب على حساب سورية، يترك دمشق وحيدة أمام إسرائيل ويكرس من ثم احتلال الجولان وضمه نهائيا.
لكن ربما كان العراق هو المثال الأفضل للتعبير عن النتائج المتناقضة لسياسة التدخل الإقليمي السورية. فقد أمكن لدمشق، وغيرها من العواصم العربية التي كانت تقف على الأرضية ذاتها لرفض الضغوط الأمريكية وغزو العراق، أن تضع حدا لغطرسة القوة الأمريكية، التي لم تخف منذ دخولها العراق رغبتها في أن تجعل من احتلاله منطلقا لتغيير شامل في النظم العربية. ونستطيع أن نقول اليوم أن نتائج هذا الدعم الذي رعته دمشق أكثر من أي عاصمة إقليمية كبرى، بما في ذلك ايران التي كانت تميل، بالعكس، إلى إعطاء فرصة أكبر للنظام العراقي الجديد كي ما تتمكن الأحزاب الشيعية التابعة لها من توطيد سيطرتها على العراق تحت مظلة الوصاية الأمريكية، تجاوزت كل ما كانت تتوقعه العاصمة السورية نفسها. فلم تفرض المقاومة العراقية على واشنطن التراجع عن شعاراتها السياسية ووضع مخططاتها الشرق أوسطية ومشاريعها التغييرية على الرف فحسب، ولكنها عملت أكثر من ذلك على وضع الإدارة الامريكية في مشكلة استراتيجية عويصة، عندما أغرقتها في مستنقع لا تعرف الخروج منه، وعرضت إدارة الرئيس بوش لانتقادات داخلية ودولية عنيفة. وهكذا بدل أن تقف سورية في موقف البلد المهدد الذي ينتظر، كما كان يوعد به قادة البيت الأبيض، دوره في المحاسبة والعقاب، وجدت نفسها بالعكس في موقف الطرف الذي يخطب وده، ويؤمل انخراطه للمساعدة في إخماد الحرائق المشتعلة في العراق، والسماح للولايات المتحدة بالخروج من دون خسائر استراتيجية كبيرة.
من زاوية النظر هذه، كانت سياسة التدخل النشيط في نزاعات الشرق الاوسط والبحث عن مرتكزات للهيمنة الإقليمة الخارجية مثمرة لدمشق من دون شك. فقد أمنت لها مزايا استراتيجية عديدة، ومكنتها من حيازة أدوات سمحت لها بمتابعة الصراع من أجل استعادة حقوقها المشروعة، وحولتها إلى قوة إقليمية فعلية. ونجم عن هذا النجاح، أو ما بدا في ذلك الوقت كذلك، في إدارة الأزمة الإقليمية والنزاعات المتعددة المرتبطة بها، والخروج منها بأقل خسائر ممكنة، مكاسب استراتيجية عظيمة، كما حصل بعد اتفاقية الطائف التي كفلت للنفوذ السوري شرعية عربية، ومن ثم دولية في لبنان[4]. وأعطت للقيادة السورية وللنظام أيضا رصيدا سياسيا كبيرا ايستخدمه بقوة في الداخل السوري والمحيط العربي والدولي. هكذا صار لدمشق كلمة أقوى إن لم تكن الأكثر وزنا في القرارات الإقليمية العربية، وتحولت كما اعتادت أجهزة الإعلام السورية على القول، إلى ممر إجباري لجميع الدبلوماسيات العربية والدولية الراغبة في لعب دور في المشرق، سلبيا كان أم ايجابيا. وساعد هذا الرصيد الكبير على توسيع هامش مبادرة دمشق ومناورتها الاستراتيجية، وقدرتها على تصدير مشاكلها وأزماتها الداخلية، الوطنية والاقتصادية والسياسية، أو تعظيم فرص ايجاد حل لها في الخارج وعلى حساب الآخرين. وهو ما انعكس على شكل مزيد من الاستقرار والتماسك للنظام القائم وتعزيز الثقة به.
لكن النظرة التاريخية لواقع الإنجازات السورية الخارجية في عهد الرئيس الراحل، تظهر تباينا كبيرا في النجاحات، أكثر بكثير مما تحاول أن تبرزه، أو ما تريد أن توحي به الدعاية الرسمية. فقد اختلفت نتائج هذه السياسات وفوائدها من فترة إلى أخرى، وحسب اختلاف القضايا المطروحة وتعددها. كما أن الإنجازات التي يتحدث عنها أنصار هذه السياسة لم تكن مكاسب صافية أو نهائية. وكان لبعضها كلف مادية وسياسية واستراتيجية عالية جدا، مما سيظهر في ما بعد. فقد ترافقت هذه السياسة بصراعات ونزاعات جانبية استنفدت جزءا كبيرا من الطاقة السورية والعربية معا، وأدخلت دمشق في طرق مسدودة ومخانق عديدة، وأنتجت تعقيدات سياسية واستراتيجية خطيرة تشكل اليوم جزءا من المشاكل المستعصية التي تعيشها المنطقة بأكملها، والتي تدفعها نحو الفوضى والعنف الأعمى من دون أن تترك لها أي آفاق. كما أن المردود الاستراتيجي لهذه الانجازات، أو ما يعتبر كذلك، بدأ يتضاءل بسرعة منذ الثمانينات.
فمنذ البداية واجهت هذه السياسة التدخلية السورية، على جبهة العلاقات السورية الفلسطينية، عقبة كأداء في شخص ياسر عرفات، "كركبت" حسابات الأسد وتحدت إرادته. فلم يرفض عرفات الانحناء للعبة السورية فحسب، ولكنه وضع في مواجهتها استراتيجية مضادة تماما لها، وهي استراتيجية تأكيد أولوية المصلحة الفلسطينية وأسبقيتها في الساحة العربية بأكملها. وبالرغم من أن عرفات لم ينجح كما نجح منافسة الأسد في ايجاد حلفاء أقوياء لسياسته داخل الصف السوري يعتمد عليهم في تأكيد أهدافه وأولويته، إلا أنه قلص كثيرا من مناورة غريمه على الساحة العربية الإقليمية، وأعطى لنفسه هامش مناورة كبيرة بتحالفه التاريخي والثابت مع العاصمتين الرئيسيتين الرياض والقاهرة، اللتين يصعب على الأسد الوقوف في وجههما أو التخلي عنهما. وربما كانت أكبر ضربه وجهها عرفات لاستراتيجية الأسد القائمة على تجميع أوراق اللعبة الإقليمية بيده للحصول على حل يضمن أولا المصالح السورية، وبالتالي مصالح النظام، كانت تتجسد في فتح عرفات مفاوضات سرية خاصة، على هامش المفاوضات العربية الاسرائيلية في مدريد، أدت إلى التوقيع على اتفاقات أوسلو (1993). فقد حرر بذلك يديه من جميع القيود التي تحد من حركته في المناورة الدبلوماسية، ومثل أكبر عملية التفاف على الاستراتيجية السورية وإضعاف لصدقيتها. وجاء الاختراق الفلسطيني الرئيسي المتمثل في عودة ياسر عرفات ومنظمة التحرير إلى فلسطين المحتلة (اتفاقية القاهرة غزة-أريحا 1994، ثم اتفاقية طابة 1996) وإقامة السلطة الفلسطينية، ليضيق إلى أدنى حد قدرة دمشق على التدخل في الشؤون الفلسطينية وإخضاعها لحاجات الأجندة السورية.
هذا الصراع على مركز الأسبقية هو الذي يفسر العلاقات المتوترة والصعبة والعداء المرضي الذي وسم علاقة حافظ الأسد وياسر عرفات خلال عقود ثلاثة متتالية، عبر عنها أفضل تعبير تواصل الحروب الدموية في لبنان بين الطرفين، من دون أن ننسى أن عرفات كان أول رئيس عربي يمنع من دخول دمشق ويطرد منها طردا[5]. وبالرغم من أن دمشق لم تفقد قدرتها على التأثير على السياسة الفلسطينية، سواء عبر تحالفها مع المعارضة السياسية أو من خلال احتفاظها بالسيطرة على قوى فلسطينية داخل مخيمات اللاجئين اللبنانية والسورية، إلا أن الضربة التي تلقتها من جراء ذلك كانت قوية بما فيه الكفاية حتى تجعل العداء مستحكما بين سورية ومنظمة التحرير حتى زمن طويل. وهو الأمر الذي لا يزال قائما في تبني دمشق منظمات المعارضة الفلسطينية ثم منظمة حماس. ولم تنجح محاولة تطبيع العلاقات السورية الفلسطينية بعد ذلك أبدا، بالرغم من تخلي تل أبيب عن التزاماتها تجاه الفلسطينيين ووفاة الأسد الأب ودخول مشروع الدولة الفلسطينية المستند على اتفاقات أوسلو في طريق مسدود.
لا تختلف النتائج كثيرا على جبهة العلاقات السورية اللبنانية أيضا. فكما كان متوقعا،أدى إخفاق مفاوضات التسوية السياسية السورية الاسرائيلية في جنيف عام 2000، إلى دفع تل أبيب إلى اتخاذ قرارها بالانسحاب العسكري من جنوب لبنان المحتل من دون تفاهم سياسي. وبقدر ما أضعف زوال الاحتلال قضية الاستمرار في المقاومة، أحدث إرباكا في الاستراتيجية السورية التي وجدت نفسها فجأة أمام تحدي الافتقار إلى أوراق للضغط على إسرائيل، وهو ما يعني فقدان أي أمل في فتح مفاوضات جدية حول الجولان أو استعادة هذا التراب السليب. وهذا ما سعت القيادة السورية إلى الالتفاف عليه بإثارة قضية مزارع شبعا. إلا أنها لم تنجح في جعل النزاع الجديد بديلا لجبهة المقاومة السابقة. وجاءت حرب ايلول 2006 لتفرض على حزب الله، بمساعدة المنظومة الدولية، الانكفاء إلى الداخل ووقف هجماته على شمال إسرائيل، بالرغم من الأداء الاستثنائي لهذا الحزب، وتكبد قوات الاحتلال الاسرائيلي هزيمة حقيقية في الحرب.
وبصرف النظر عن الملابسات والوقائع العديدة التي شهدتها الحقبة التالية، يشكل انقسام لبنان والانخراط السوري الراهن في الصراع الدامي على السيطرة عليه، بشكل او آخر، امتدادا لنتائج هذه الحرب، والسعي اللبناني والعربي والدولي، في إطار تطبيع الوضع المشرقي في الفترة التي تلتها، إلى تحييد لبنان وإخراجه من الصراع. وهو ما يعني أن دمشق لم تنجح في ايجاد حل لمواجهة الوضع الجديد الذي خلقه انسحاب تل أبيب من جنوب لبنان. وقادها إخفاقها هذا إلى التورط أكثر فأكثر في مواجهة مع لبنان، أو مع أطراف لبنانية لم تقنعها قضية تحرير مزارع شبعا لتبرير فتح جبهة الجنوب على إسرائيل، حتى لو أن هذه القضية تساهم في تبرير احتفاظ حزب الله بسلاحه، وتترك لسورية بالتالي أداة للضغط الاحتياطي في المستقبل. لكن الخطير في الأمر أن المعركة قد غيرت من غرضها. فلم يعد الهدف من الدفاع عن سلاح حزب الله فتح جبهة الجنوب للضغط على إسرائيل، كما كان عليه الحال في السابق، ولكن ضمان السيطرة على الوضع اللبناني، وبالتالي مواجهة أطراف لبنانية أخرى تقف ضد عودة النفوذ السوري إليه. مما يعني تورطا أكبر لسورية في حرب لبنانية لبنانية تشكل بديلا للحرب اللبنانية الاسرائيلية والسورية الاسرائيلية وتعويضا عنهما. وهو ما يعبر عن تدهور الموقف الاستراتيجي السوري المستمر وتراجع فرص استعادة الجولان بالطرق التفاوضية[6].
وكان مآل التدخل السوري في النزاع التركي الكردي مثالا رائدا في الكشف عن حدود هذه السياسة ومخاطرها معا. فقد اضطرت دمشق، تحت تهديد أنقرة بالاجتياح العسكري للشمال السوري، إلى توقيع اتفاقية أضنة التي تنازلت فيها عن كل مطالبها، وقبلت بأن تضع حدا لنشاط حزب العمال الكردستاني على أراضيها، وأن توقف كل أشكال الدعم للقضية الكردية التركية في سوريا ولبنان[7]. بل إن تركيا قد حصلت أكثر من ذلك، على جائزة ترضية استثنائية هي تكريس الاعتراف بضمها لواء اسكندرون الذي ما انفكت سورية تطالب بعودته إلى الوطن الأم، منذ استقلالها عام [8]1946.
لكن ليس هناك أفضل من مثال العراق لإعطاء صورة عن النتائج المتناقضة لسياسة التدخل السورية. ففي عراق ما بعد الاحتلال وصلت هذه السياسة إلى قمة إنجازاتها وفي الوقت نفسه إلى نهايتها أيضا. فبعد أن أملت أن تحصد، نتيجة دعمها للمقاومة العراقية، تعويما شاملا لاستراتيجيتها القائمة على بسط النفوذ خارج الحدود، والتي تتعرض للتفتت في لبنان وللتهميش على الجبهة الفلسطينية، وجدت نفسها مورطة في مواجهة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعليها أن تتحمل فضلا عن ذلك الانعكاسات السلبية الخطيرة، المادية والسياسية والاجتماعية، لحرب أهلية ملتهبة لا يمكن لأحد التنبؤ بمآلها[9].
وليس من المبالغة القول إن السياسة السورية لم تحقق أيا من أهدافها التي سعت إليها. فلم تنجح في استعادة الجولان عبر الضغط من جنوب لبنان. وبالمقابل عليها أن تتحمل اليوم أعباء إدارة وضع لبناني متفجر وخطير النتائج، عليها وعلى خصومها. ولم تردع السلطة الفلسطينية ومن قبل منظمة التحرير عن اتباع سياسة مستقلة عن دمشق، ولكنها تواجه خطر الانقسام النهائي في الصف الفلسطيني وتزايد الاحتمال بأن تدخل السلطة الفلسطينية المنكفئة على الضفة الغربية في الفلك الأمريكي المعادي لها. أما في العراق، فلم يبق من وحدة البلاد وهويتها العربية شيئا أمام تفجر النزاعات الطائفية والتوجه المتزايد لإدارة بوش إلى تبني اقتراح تقسيم العراق إلى ثلاث دول لضمان ضبط الأوضاع الامنية، ومن وراء ذلك استمرار السيطرة على بلاد الرافدين. النتيجة الوحيدة في جميع هذه الحالات انقلاب الوضع من تعبئة القوى العربية في مواجهة إسرائيل والإمبريالية إلى تعميق الشروخ والانقسامات وتعميم الحروب الأهلية داخل المجتمعات العربية، ومن وراء ذلك زيادة الطلب في المنطقة، بالرغم من الهزيمة العسكرية الامريكية، على التدخلات الأجنبية، العسكرية والسياسية.
وأمام الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها من قبل الدول الغربية والولايات المتحدة ومجلس الأمن في العراق ولبنان بشكل خاص، وتفاقم مشاكل عدم الاستقرار والعمليات الإرهابية التي تشير إلى تراجع سيطرتها الكلية على عناصر الأسلاموية الجهادية، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تدهور الأوضاع المعيشية وعبور أكثر من مليون عراقي ونصف من اللاجئين الحدود السورية، كان من الطبيعي والمنتظر أن لا تجد دمشق خيارا آخر سوى الارتماء على الجمهورية الاسلامية الايرانية التي تبدو اليوم وكأنها القوة الإقليمية الرئيسية العازمة على مواجهة الضغوط الغربية[10].
هنا أيضا، قد تبدو هذه الخطوة من النظرة الأولى مخرجا ممكنا لدمشق من الطرق المسدودة التي وجدت نفسها فيها على جميع جبهات العمل الإقليمية والدولية. فالتحالف الاستراتيجي مع ايران يؤمن لها الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي والمالي الذي تحتاج إليه لتحمل عواقب ما يشبه الحصار أو التهميش الدولي، ويمكنها من مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والاسرائيلية[11].
بيد أن هذا الخيار سيف ذو حدين. فهو يعزز من دون شك المركز الاستراتيجي لسورية، لكنه يدفع بالعلاقات السورية الغربية إلى مستوى أعلى من المواجهة الاستراتيجية، ويخلق ظروف حرب باردة إقليمية تدفع إلى المزيد من الاستقطاب، وربما تقود إلى حرب شاملة يكون العرب، على اختلاف اتجاهاتهم، حلفاء أمريكا وحلفاء ايران، وقودها وضحيتها الرئيسية. فقد حولت سورية نفسها بهذه الخطوة إلى خصم حقيقي للغرب الذي لن يقبل بأي حال سيطرة ايران على تقنية إنتاج القنبلة النووية. هكذا يشكل التحالف مع ايران مصدر مخاطر وتهديدات جديدة تضاف إلى المخاطر والتهديدات الناجمة عن إخفاق السياسات التدخلية بدل أن يقدم لها مخرجا من أزمة العلاقات الإقليمية التي كانت تواجهها. وكان بإمكانها بسهولة، ولقاء بعض التنازلات الشكلية، أن تستعيد علاقاتها الدولية والعربية، دون الحاجة إلى التورط في مواجهة لا تخدم مصالحها وتحرمها من فرص التفاوض على استعادة أراضيها المحتلة. فلن يستطيع التحالف الاستراتيجي مع طهران أن يضمن لسورية استعادة أراضيها المحتلة بالحرب، ولكنه يقطع عليها كليا فرص التوصل إلى تسوية مع الكتلة الغربية والمجموعة العربية، هي أملها الوحيد من أجل استعادة الجولان بطرق التفاوض الدبلوماسية.
كيف حصل ذلك وما الذي يفسر المثابرة على هذا الطريق الذي يدفع سورية إلى السير على حافة الهاوية، وربما قاد في المستقبل إلى مواجهة إقليمية كارثية؟
3 – في أصل النزوع إلى الهيمنة الخارجية
في أحد تصريحاته المعروفة، ذكر وزير الإعلام السوري السابق مهدي دخل الله ما معناه أن محاوريه الروس قالوا له أن هناك معجزة سورية. فدمشق تطبق سياسة دولة عظمى، بالرغم من حجمها ومواردها المحدودة، وهو ما لا تقدر عليه روسيا نفسها. وليس هناك شك في أن شعورا استثنائيا بالقوة والعظمة ومقارعة الدول الكبرى قد خامر جيل القيادة السورية الجديدة التي لم تعش حقبة السبعينيات والثمانينيات، ولا تعرف توازنات الوضع الذي سمح لدمشق بحسم النزاع على النفوذ في لبنان ضد الولايات المتحدة وفرنسا لصالحها. وهذا ما جعلها تشعر أن هامش المبادرة الاستراتيجية الواسع الذي ورثته يضعها على الدرجة ذاتها من الصدقية الاستراتيجية، ويؤهلها لمشاركة الدول الكبرى، التي ورثت مواقعها، العديد من تصرفاتها المرتبطة بسياسة القوة وممارسة الضغوط على الدول الأصغر المحيطة، ومعاملتها بمنطق الدولة العظمى أو الشقيقة الكبرى[12]. والواقع أن سورية دولة مستقلة تتمتع، أو كانت تتمتع لفترة قريبة، بهامش كبير للحركة والمناورة، تجعلها أقل تبعية لإرادة الدول الكبرى، لكنها ليست دولة كبرى. وربما كان الخلط بين الوضعيتين هو المسؤول عن خطأ الحسابات السورية وتشوشها، وعن توريط دمشق في مواقف ما كان من الممكن لها أن تخرج منها من دون خسائر.
وليس لإرادة الهيمنة الخارجية التي تسمى السياسة الإمبريالية، مهما كانت الدولة المهيمنة، صغيرة أم كبيرة، رأسمالية أم إشتراكية، قومية أم ليبرالية، معنى آخر سوى السعي إلى حل التناقضات الذاتية التي لا يجد لها النظام الاقتصادي والسياسي مخرجا من الداخل، في الساحة الخارجية، وإذا أمكن على حساب الأطراف الأجنبية. وتكاد تكون الرأسمالية بالتكوين إمبريالية، كما لا حظ ذلك بعض المنظرين الماركسيين مثل روزا لوكسمبورغ، لأنها لا أمل لها في حل تناقضاتها الذاتية إلا بالتوسع نحو الخارج، سواء أكان ذلك في سبيل ترويج سلعها التي تضيق عليها السوق الداخلية، بسبب محدودية الطاقة الشرائية بالمقارنة مع حجم الانتاج، كما كان عليه الحال في الحقبة الرأسمالية الأولى التي أنتجت الاستعمار، حيث كانت الطبقة الوسطى لا تزال ضعيفة ومحدودة، أو في سبيل تخفيض تكاليف الانتاج عن طريق السيطرة على الموارد الخارجية أو نهبها أو تخفيض قيمتها، كما هو الحال بالنسبة لأمبريالية اليوم التي تواجه خطر الانخفاض الدائم لعوائد استثمار رأس المال.
لكن السياسة الامبريالية لا تقتصر على الرأسمالية وليست بالضرورة لصيقة حتمية بها أو آخر أطوارها كما نظر لينين. إنها سمة جميع الدول القوية التي نشأت في الحقبة الكلاسيكية، وكانت قوتها وازدهارها يعتمدان بشكل رئيسي على توسيع رقعتها الجغرافية. ومن هنا ارتبط مصير الدول الامبرطورية وعظمتها بكثرة فتوحاتها الجغرافية وسعتها. وبالمثل، قامت قوة الامبرطوريات التجارية التي أعقبت العصور الوسطى في هولندا وبريطانيا والبرتغال وإسبانيا بالدرجة الاولى على السيطرة على طرق التجارة الدولية، أو مصادر الثروة التي توفر لها الموارد الضرورية للاحتفاظ بجيوشها وقدراتها العسكرية. وبالعكس يمكن للاقتصاد الرأسمالي المكتمل الذي يعتمد فيه الازدهار على التوسع الداخلي والعمودي، أي على تطوير إنتاجية العمل والفتوح التقنية والإدارية والتنظيمية، أن يقدم مخرجا نهائيا من الأمبريالية، التي تسم بالمقابل وبشكل أساسي جميع أشكال الرأسمالية البدائية أو المعاقة أو المتأخرة التي لا تستطيع تطوير آليات توسيع السوق الداخلية، سواء أكان ذلك لأسباب اقتصادية أو اجتماعية او سياسية. وهو ما يفسر ارتباط الرأسمالية الأولى بالاستعمار كما يفسر الانتقال في جميع الرأسماليات المكتملة نحو الديمقراطية، وإعادة بناء حقل العلاقات الدولية على أسس قانونية أو شبه قانونية.
هذا هو منشأ الامبريالية السوفييتية التي نمت على هامش السياسات الاشتراكية او بالأحرى سياسات رأسمالية الدولة السوفييتية. فقد كان التوسع في الخارج، وعلى حساب البلدان والمجتمعات الصغيرة الخاضعة المحيطة، هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على نظام اقتصادي ضعيف الانتاجية، وتعويض الهدر الحتمي في الموارد والطاقات الانتاجية الذي لا يمكن أن ينجو منه نظام سياسي يقدم قاعدة الولاء الزبائني والقبلي على قاعدة الكفاءة وروح المسؤولية.
لكن التناقضات التي يمكن أن تدفع نظاما اجتماعيا سياسيا إلى التطلع نحو سياسات امبريالية ليست بالضرورة ودائما من طبيعة اقتصادية، بل هي في الغالب من طبيعة سياسية. وبالنسبة للنظام السوري الذي ولد من رحم انقلاب 1963 البعثي، كانت المشكلة الرئيسية تتجسد في ايجاد مخرج للتناقض العميق الذي كان يعيشه النظام بين عقيدته وفلسفته وشعاراته الشعبوية وافتقاره في الوقت نفسه لأي قاعدة شعبية. وهذا يعني أزمة شرعية خطيرة لم يستطع النظام تجاوزها في فترة أولى إلا بالهرب خارج السياسة نفسها، نحو تعبئة العصبية الطبيعية، العشائرية أو العائلية أو الطائفية. وقد مكن هذا الحل، من خارج السياسة والمجتمع السياسي، وعلى حسابه، النظام من البقاء والاستمرار بقدر ما أمن له قاعدة مجتمعية متماسكة يمكنه المراهنة عليها لبناء قدرات قمع قوية والاحتفاظ بالسيطرة العسكرية السياسية على المجتمع.
لكن لم يكن هذا اللجوء إلى منطق العصبية البدائية حلا بقدر ما كان هربا إلى الأمام فاقم، بالرغم من تأمينه وسائل حماية أفضل للنظام، من اغتراب السلطة، وأضعف صدقيتها السياسية. كما أن توسيع القاعدة الزبائنية الذي مثلها هذا الهرب سيشكل حافزا إضافيا للبحث عن حلول جديدة. ومع تزايد التحديات والضغوط الداخلية والخارجية، سيزداد ميل النظام إلى استخدام التوسع الخارجي، بما يمثله من نجاح لسورية وتأكيد لعظمة قيادتها، كمصدر لشرعية بديلة، تعوض النظام عن ضياع شرعيته الثورية الناجم عن إخفاق برامج التحويل الاجتماعي والاقتصادي الطموحة التي وعد بتطبيقها.
من هنا سيأخذ الدور الهيمني الذي تلعبه سورية على الساحة الإقليمية قيمة جديدة، تتجاوز نطاق السياسة الخارجية لتصب في مشروع أكبر لبناء الشرعية وتجاوز التناقضات التكوينية. وبقدر ما ستصبح السياسة الخارجية مصدرا لإنجازات تؤمن التأييد والعطف الشعبيين، سيتحول صانعها وملهمها إلى مركز استقطاب لولاء وتقدير متزايدين. وستولد جدلية تعزيز متبادل تجعل الإشادة الدائمة والمبالغ فيها بإنجازات السياسة الخارجية تعزيزا لمركز الرئيس ومكانته، وبالعكس، تجعل التركيز على مواهبه الاستثنائية وقدراته الخارقة تأكيدا لصواب الخيارات السياسية الخارجية، مهما كانت تكاليفها ومخاطرها. وبقدر ما ستنسب النجاحات الخارجية إلى الرئيس، سوف تعاد محورة العقيدة السياسية الجديدة من حول شخصيته، كما ستتحول هذه الشخصية إلى الكافل الوحيد للنظام، وسياساته جميعا. فمن حول شخصية الأسد الكاريزمية سوف تبنى شرعية النظام، بعد تهافت ايديولوجية البعث التقليدية التي تقوم علىمباديء الوحدة والحرية والاشتراكية. ومن حول هذا الدور الإقليمي المتميز لسورية الأسد سوف تبنى أسطورة الرئيس نفسه، ويعاد صوغ صورته كقائد ملهم، قادر علىكفالة النظام وضمان صلاحة ونجاعته، في مواجهة الإخفاقات الداخلية المتعاقبة، وبالرغم من كل صنوف الفساد التي تحيط به. وهكذا سيغطي الأسد، بأسطورية ذكائه وحداقته على ركاكة رجال النظام وأركانه، وبنشاطيته وحضوره الدائم على غياب الدولة وعطالة المؤسسات، وبحسه بالمسؤولية على استقالة الطبقة السياسية الحاكمة وتهتكها. وهذا ما يفسر القدسية التي سيوليها النظام لأقوال الرئيس وأفعاله، والحساسية المفرطة التي سيظهرها أنصاره إزاء أي تشكيك بخياراته[13]. كما يفسر الشراسة التي ستدافع بها دمشق عن ما سيسميه خلفاء الأسد أوراق سورية الإقليمية، أي عناصر وادوات وطرق تدخلها ونفوذها في القضايا العربية والإقليمية.
والواقع، لم تكن سياسة الأسد الخارجية أساسية لتأمين شرعية بديلة قائمة على التعبئة حول الانجازات الخارجية بعد الفشل الداخلي، ولا للحفاظ على توازن النظام ومساعدته على تجاوز تناقضاته، وبشكل أساسي، تمكينه من ضبط الحركة الاجتماعية وضرب حصار على الحياة السياسية، والإمساك بكل خيوط الممارسة الداخلية فحسب. لقد كانت لا غنى عنها أيضا في إعادة إنتاج الطبقة التي يعتمد عليها في وجوده. فبقدر ما عمل ارتهان البلاد لخيارات السياسة الخارجية على حرمان المجتمع وفئاته المختلفة من التفكير في الخيارات الداخلية، وبالتالي من السعي إلى تطور البنية الانتاجية للاقتصاد، عمل التوسع الخارجي على تعظيم العوائد الريعية، وتبرير منطق التوزيع الذي تقوم عليه أرستقراطية الدولة والحزب، والرد على حاجات توسعهما وتنامي كلف الحفاظ على النظام وضمان استقراره. وكانت المساعدات المالية الكبيرة التي قدمتها دول الخليج النفطي في إطار حرب عام 1973 وما بعدها، قد أطلقت شهية رجالات النظام في دمشق في نيل حصة أكبر من فوائض المنطقة الريعية. وفي موازاة المهمة السياسية التي نفذها الجيش السوري في لبنان، وبالتمفصل معها، سوف تتطور شبكات مصالح مالية أساسية استفاد منه آلاف المسؤولين السوريين من عسكرين ورجال أمن وعاملين أيضا، من الذين شاركوا في مشروع وقف الحرب الأهلية في لبنان[14].
سيحدث تدفق العوائد الريعية، الخارجية، وفي ما بعد الداخلية، الناجمة عن نمو صادرات النفط السوري وازدياد حجم تحويلات السوريين العاملين في الخليج والخارج عموما، تغييرا جذريا على اقتصاد المجتمع نفسه، سيتضاءل بسببه وزن الاقتصاد الداخلي الطبيعي وحجمه داخل الاقتصاد الريعي القوي الناشيء على هامش السياسات الإقليمية. وأكثر فأكثر، ستصبح السيطرة الخارجية شرطا لتأمين العوائد التي لا بديل عنها لإنتاج الطبقة أو الطبقات السائدة وممارسة سياسة توزيعية على قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الملحقة، أو المطلوب إلحاقها لضمان استقرار النظام وبقائه.
هكذا سترتبط سياسة التوسع السياسي والعسكري بنشوء طبقة ريعية لا تعيش على استغلال الاقتصاد الداخلي وفوائضه الاقتصاديه بالدرجة الأولى، وإنما على فوائض الاقتصاد الإقليمي الريعي، التي تتجاوز بما لا يقاس ما ينجم عن فرص الاستغلال الداخلية. لذلك لن يتردد المسؤولون السوريون، عندما كان الآخرون يذكرونهم بتبدل أوضاعهم المعيشية من النقيض إلى النقيض، وانتقالهم من حالة الفقر إلى الإثراء، في القول إن ثرواتهم وثروات أقاربهم الطائلة ليست منتزعة من الداخل وإنما ذات مصادر خارجية. فهي بالفعل ثمرة العلاقات الزبائنية التي أقامتها فئات عديدة من النخبة مع بلدان الخليج وشيوخه الأغنياء، كما هي ثمرة توسيع دائرة التجارة الدولية بالسلاح والمخدرات، وعوائد المشاركة في الحروب، ووضع اليد على بعض ثروات ومصالح النخب القديمة. ومن هنا لن يخامر هؤلاء الذين انتزعوا السلطة باسم الفقراء والعمال والفلاحين، وضد الاستغلال، ولم يتركوا صفة سلبية لم يلحقوها بالبرجوازية القديمة، أي تأنيب ضمير من جراء انخراطهم في سياسات الإثراء الشخصي على نطاق لم تعرفه أي نخبة سابقة. بل لقد نشأ لديهم بدل ذلك شعور قوي بالرضى عن النفس وربما بالعظمة أيضا. فهم لم يبنوا ثرواتهم عن طريق استغلال العمال والفلاحين، وإنما قاموا بإدخال مزيد من الثروات إلى البلاد، بصرف النظر عن طبيعة هذه الثروات ومصادرها والمستفيدين منها. وبسبب ذلك، نما لدى هؤلاء من دون شك شعور بأن لديهم الحق الكامل في التصرف بها كما يشاؤون. وكان هذا هو المدخل لسياسات التبذير والتساهل مع إنفاق الموارد العامة، وكذلك لتبرير سياسات التوزيع الواسع على أصحاب الولاء، من الأقارب والمحاسيب والازلام، مما يبدو في المعايير الدولية ونظر الرأي العام، بمثابة تعميم للفساد وهدر المال العام وتبذير الثروة الوطنية على مشاريع غير منتجة ولا قيمة اقتصادية أو اجتماعية لها[15].
. وشيئا فشيئا سوف يتحول الشعور بالانجاز الكبير إلى ما يشبه حق الفتح في الامبرطوريات التاريخية، ويصبح مصدرا لتميز اجتماعي وطبقي شبه ارستقراطي، ومن ثم لتبرير سياسات احتكار السلطة وتأبيدها.
لكن سرعان ما ستنتقل أساليب التسلطية الخارجية الحبلى بالعوائد، وكذلك أشكال اقتسامها مع مافيات المال والأعمال الحليفة هنا وهناك، إلى الداخل لتطبق على العلاقة مع المنتجين المحليين، فتولد السيطرة الخارجية علاقة سيطرة داخلية من نوع جديد يتحول فيها السكان بالفعل إلى رعايا في سلطنة لها كل سمات السياسات الامبرطورية، منالسلطة الاتوقراطية الشخصية، إلى تعميم علاقات الولاء لها في ماوراء مؤسسات الدولة، وجعل الفتوحات الخارجية الأجندة السياسية الوحيدة للدولة والنظام، وتحويل العمل إلى سخرة والأجور والمرتبات إلى مكرمات. وهذا ما سيدشن أسلوبا جديدا أيضا في تعبير الشعب عن الولاء والخضوع للأب القائد والملهم، ستتجلى من خلال حفلات الرقص والدبك والتغني بخصائصه وإنجازاته وأفضاله ونعمه في كل مناسبة. وستتحول هذه الاحتفاءات الذاتية بالعيش في ظل رئيس استثنائي لا مثيل له ولا قرين، إلى أعراس جماعية تحل محل الأعياد والاحتفالات الوطنية وتقضي عليها.
4- ثمن الامبرطورية
لا يمكن فصل هذا التطور عن سياق الصراع الطويل الذي طبع العلاقات داخل المنطقة بين الحركات الوطنية والقومية العربية عموما وإرادة السيطرة الاستعمارية، وفي الحقبة الأخيرة الأمريكية الاسرائيلية بشكل خاص. والواقع أن ما حصل في سورية لا يختلف كثيرا عما حصل في العراق. وهو ما يشكل سمة خاصة بتطور النظامين البعثيين في البلدين المتجاورين. فقد عمل الصراع الطويل من دون نتيجة واضحة بين النظم القومية التي نشأت في المنطقة المشرقية والإمبريالية الأمريكية والاسرائيلية على إجهاض الوطنية المحلية ووضعها في طريق مسدود، وولد عند النخب الحاكمة، كرد فعل وكتعويض عن الإنجازات الوطنية معا، ميولا إمبريالية داخل هذه النظم نفسها، تمثل، في الوقت نفسه، ترجيعا لأصداء الإمبريالية الأم وتمثلا لأساليب عملها وأنماط تصرفها، ومنافسة لها على احتلال موقع الوصاية الاستراتيجية الإقليمية.
كما لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الإقليمي والمحلي أيضا. فلم يكن من الممكن بالتأكيد، ولا كان من المتاح تكوين طبقة شبه ارستقراطية، أو بالأحرى ريعية – تنقصها تقاليد وقيم النبالة الكلاسيكية - وإعادة إنتاجها، من دون توفر ظروف اقتصادية واستراتيجية وسياسية استثنائية، في مقدمها ترنح الامبرطورية السوفييتية في نهاية عصر الحرب الباردة وزيادة اعتمادها لتأكيد نفوذها على توابعها، وانهيار الحركة الناصرية القوية التي سيطرت على المشرق العربي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، والازدهار الملفت للاقتصاد الريعي في عموم المنطقة بعد الارتفاع الذي طرأ على أسعار النفط منذ عام 1973، وأخيرا فشل نظم الأبوية العشائرية الغنية في الخليج في الخروج من شرنقتها وتطوير سياسات تنمية إقليمية تساعد على ملء الفراغ الذي تركه انحسار الحركة القومية الشعبية والشعبوية معا، واعتمادها بالمقابل، في سبيل الحفاظ على الاستقرار والأوضاع القائمة، على رشوة النخب العربية المحيطة، ومشاركتها في النهب العائلي للعوائد النفطية.
ومن هذه الظروف أيضا الفراغ الايديولوجي الذي تركه انحسار العقيدة القومية العربية، وسهولة مصادرتها، بعد انفصالها عن قاعدتها الشعبية، من قبل النظام لغايات بناء الامبرطورية. فلم يساعده استملاك هذه الموارد الرمزية على إبراز سياسات التدخل في شؤون الأطراف العربية الأخرى على أنها تهدف إلى تحقيق مصالح الأمة العربية بأكملها فحسب، وإنما، أكثر من ذلك، على اكتسابه شرعية إضافية، كونه النظام العربي الوحيد الذي لا يزال ينطلق في سياساته من عقيدة قومية. فلم يعد التدخل في الشؤون الداخلية للأطراف العربية حقا لأصحاب النظرة الوطنية، ولكنه أصبح أيضا واجبا للدفاع عن المصالح العربية وتأكيدا على قومية السياسة السورية وبرهانا عليها. ولذلك لن يتردد النظام في الدخول في نزاعات عنيفة مع اطراف عربية لصالح أطراف أخرى، ولا في شن الحرب الطويلة على العرفاتية داخل منظمة التحرير وخارجها[16]، في نطاق الكفاح المستمر ضد الأمبريالية.
وقد ظهرت النتيجة الرئيسية لهذه السياسة الامبرطوية أو السلطانية في التبدل العميق الذي طرأ على مفهوم المصلحة الوطنية وإعادة تعريفها في اتجاهين: اختزالها إلى أجندة ذات بند واحد هو تأمين شروط المواجهة الاستراتيجية، كما برز من خلال تركيز خطاب السلطة الدائم على "الهجمة الأمبريالية" وتركيز محور الجهد على العلاقات الخارجية. ثم مطابقتها الشكلية مع المصالح العربية القومية. والواقع بقدر ما تصبح الوطنية مساوية لمعاداة الاستعمار والصهيونية أو لمقاومة قوى الرجعية والاستسلام العربية، سيكون من الصعب التمييز بين الأجندة الوطنية السورية والأجندة العربية، أي الأجندة الوطنية لشعوب لبنان وفلسطين والأردن والعراق إلخ.
وما كان من الممكن للتركيز المستمر على مسألة الصراع الإقليمي والدولي إلا أن يقود إلى إخضاع جميع المصالح الاجتماعية والوطنية العديدة، بل التضحية بها، لصالح مصلحة واحدة وحيدة هي التي تنسجم مع ضمان استمرار النفوذ الخارجي وما يرتبط به من عوائد سياسية واقتصادية ورمزية تضمن سيطرة النخبة الحاكمة وإعادة إنتاجها. من هنا ستفقد السياسة الداخلية معناها وقيمتها، ولن تعود هناك أي أهمية لتحقيق تنمية إقتصادية تعمل على تحسين شروط حياة السكان، او على خلق فرص عمل أو تحديث الدولة والإدارة، أو تطوير الخدمات الاجتماعية الضرورية، من صحة ونقل وتعليم وتأهيل مهني. ولن يبقى هناك وقت كي تعنى الدولة بتطبيق القانون أو بضمان تمتع الأفراد بأمنهم وسلامتهم، وممارسة الحد الادنى من حقوقهم المدنية والسياسية. فجميع ذلك لم يعد يدخل في دائرة المصالح الوطنية، ولكنه أصبح تجسيدا في نظر المسؤولين لمصالح خاصة وثانوية، تعنى بشروط حياة الأفراد اليومية، ولا تفيد في تحديد مصائر الدول والأمم والشعوب التاريخية، ولا في زيادة فرص التفوق والسيادة والندية ومقارعة القوى العالمية. هكذا تغير معنى الوطنية ومقياسها، وامكن تجريد شعب كامل من حقوقه السياسية والمدنية. فصار كل ما لا يخدم المواجهة مع الإمبريالية وحلفائها العرب، ليس مصلحة وطنية، وربما ادى الاهتمام به إلى الانشغال عن بناء الاستراتيجية الكبرى التي تحتاج إلى مراكمة كل ما يمكن من اوراق داخلية وخارجية لبناء أوضاع إقليمية جديدة وسمت في وقتها باسم التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل. وفي هذا التساهل الكامل مع حاجات المجتمع الأساسية يكمن سر الجمود والتأخر، والوصول إلى الحالة المزرية التي وصلت إليها البلاد على الأصعدة الاقتصادية والتقنية والإجتماعية والعلمية، بالمقارنة حتى مع المناطق التي تمارس فيها سيطرتها ونفوذها[17].
وقد شكلت هذه السياسة الخارجية من دون شك قناعا اختفت وراءه التحولات العميقة التي كانت تحدث في صلب النظام البعثي نفسه، وتدفع به بعيدا عن منطلقاته الاجتماعية، الاشتراكية والقومية، في اتجاه بناء بنية اقتصادية وسياسية وايديولوجية ملكية أو سلطانية، وتكوين الإقطاعات الخاصة المرتبطة بها، وتأمينها ضد أي شكل من أشكال المراقبة او المحاسبة أو النقد. فبينما كان الرئيس منشغلا بقضايا الحرب والسلام وبناء التحالفات الخارجية، التي أصبحت مشروعه الخاص والشخصي، لم يبق لدى أتباعه ومساعديه ومريديه الأوفياء الذين اختارهم من بين المقربين والأقارب ما يشغلهم عن بناء امبرطورياتهم الخاصة ولا ما يحد من قدرتهم على وضع اليد على موارد البلاد ومصالحها. وسرعان ما تحول هؤلاء، في ظروف تمديد حالة الطواريء والقوانين العرفية وغياب الحياة السياسية وسيطرة الأجهزة الأمنية، إلى مراكز استقطاب للولاءات الشخصية، ونجحوا في تكوين إمارات حقيقية قائمة بذاتها، وكونوا لأنفسهم، من القوات العسكرية أو خارجها، ميليشياتهم الخاصة والضاربة، المجهزة بسجونها وأدوات سيطرتها التابعة لها[18]. وقد أدرك هؤلاء جميعا الفائدة الكبيرة التي يمكنهم جنيها من وراء تعميم صورة الرئيس القائد والزعيم الملهم القائم بنفسه ولوحده على شؤون البلاد والعباد جميعا، وتخليد فكرة المواجهة الخارجية، وفي ما بعد فكرة المقاومة والممانعة، في سبيل تأبيد الأوضاع الاستثنائية وتكريس أنفسهم أوصياء على المجتمع، في فكره ومشاعره وأحلامه وآماله، التي طمحوا إلى أن يصوغوها له بأنفسهم. كما سعوا، بجميع ما يملكونه من وسائل، إلى منع أي تغيير أو إعادة نظر في السياسات والقوانين واللوائح التي ارتبطت بنشأة النظام، وحفظت لهم مواقعهم والمناصب التي يحتلونها ويطمحون إلى توريثها لأبنائهم ومن والاهم أو تبعهم.
ومع مرور الزمن، وترسخ قوة النظام، سينتقل هذا المفهوم الجديد للوطنية الذي يقوم على التعبير الدائم والواضح عن الولاء للنظام ورئيسه وخياراته، بصرف النظر عن سلوك الفرد الاجتماعي والقانوني ومواقفه الأخلاقية وأعماله، إلى قطاعات واسعة من أصحاب المناصب والإدارات العمومية. فيقضي لديهم على أي شعور بمسؤوليتهم العامة، أي تجاه المواطنين الآخرين والدولة معا، ويحررهم من أي التزام أو اهتمام بمصير هؤلاء ومستقبلهم. فقد غاب الناس تماما عن أعين المسؤولين صغيرهم وكبيرهم، وأصبح واجب الجميع الرئيسي طاعة أولى الأمر، وترداد شعاراتهم والسير في مسيراتهم. ولأنه لم يعد للمصالح المجتمعية المختلفة أي ذكر ممكن في أجندة الوطنية وسجلها، لم يعد لها مكان أيضا وبالضرورة في أجندة النظام "الوطني".
وشيئا فشيئا سيفقد الشعب نفسه حسه السياسي الحديث، الذي ينظر إلى الدولة بوصفها أداة التنظيم الجماعي، وإلى السياسة كمجموعة من الصلاحيات والمسؤوليات. وسينكص نحو مفاهيم قرسطوية تختزل الدولة في القوة والسلطان، ولا يرى لنفسه دورا في تغيير الأحوال سوى الدعاء للحاكم بمزيد من القوة والتأييد الإلهي. ولم يعد الجمهور يرى في تدهور شروط المعيشة وزيادة الفقر والبطالة، وتفاقم الفساد وسوء الإدارة، وتسيب اجهزة الدولة، واحتكار ضباط الجيش والأمن القرارلت السياسية، وتحكمهم بتوزيع موارد البلاد، ثمرة لسياسة الدولة ولا نتيجة لتخليها عن مسؤولياتها، وإنما كارثة طبيعية، وفي أحسن الأحوال مصاعب مؤقتة سببها الضغوط الخارجية.
والنتيجة تحييد المجتمع والرأي العام وإخراجهما نهائيا من الصورة السياسية. ومن ثم استفراد النخب الحاكمة بالسيطرة على موارد البلاد ومطابقة حكمها ومصالحها مع المصالح الوطنية، وتجاهل مصالح الفئات الأخرى أو اعتبارها ثانوية، من الممكن تأجيلها، وبالتالي إلحاقها مؤقتا بمصالح العاملين لاسترجاع الكرامة والأرض المحتلة. ومع تراجع الامل في تحقيق هذا الهدف ومرور عقود طويلة عليه، زاد ميل المكلفين بتسيير الدولة والاقتصاد، من إداريين وعسكريين ورجال أمن ومسؤولين حزبيين ونقابيين بيرقراطيين، إلى استثمار الوضع الاستثنائي وقانون الطواريء، وما تبعه من استبعاد كامل للمجتمع والشعب من الحياة العامة، لخدمة مصالحهم الشخصية وتعزيز إمبرطورياتهم العسكرية والسياسية والمالية والجنسية أيضا. وشيئا فشيئا تحول هؤلاء إلى أمراء حرب في حلة جديدة، ومن دون حرب، سوى عبر الإذاعات والتلفزيونات والخطابات العامة. وصاروا يسلكون في علاقتهم مع الدولة والمجتمع كإقطاعيين يتحكمون بإداراتهم ومواردها، ويتصرفون بها كما لو كانت من أملاكهم الشخصية[19]. هكذا انفلتت السلطة من أي قيد، وفقد المسؤولون أية معايير معروفة وواضحة للتعامل مع السلطة والتصرف بالمؤسسات ودوائر الدولة وتنظيم شؤونها. واختلطت المصالح الشخصية والرسمية، والسياسة بالقرابة، والقانون بالاستثناء، والوطنية بالخيانة الاجتماعية. ولم يبق أثر للقواعد والقيم والمعايير التي لا تقوم من دونها جماعة مدنية أو سياسية.
لقد أنتج نشوء شبه الامبرطورية، مهما كانت مواردها وإمكاناتها، عالما جديدا مختلفا كليا عن عالم الثورة الاجتماعية الذي ساد في حقبة البعث الأولى، التي تستحق بحق أن تسمى حقبة البعث الساذجة. وفي العالم الجديد الذي ولد من رحم السياسة الامبرطورية، انقلبت الأفكار والقيم رأسا على عقب، وأصبح الإثراء هو القيمة العليا، بينما صار التمسك بالمباديء السياسية أو الأخلاقية رديفا، في نظر الطبقة الجديدة، للغباء والبلادة[20]. ولم تتردد بسبب ذلك في ايداع أصحاب هذه المباديء السجون حتى وفاتهم أو خروجهم على مشارف الموت. وبعد أن كان الوصول إلى الحكم وسيلة لتطوير الدولة والمجتمع والارتقاء بهما نحو عالم الحرية والعدالة والمساواة الإنسانية، كما تشير إليه أدبيات الحزب الحاكم وعقيدته، أصبح الاحتفاظ بالسلطة هدفا قائما بذاته لما يضمنه من الأمن والاستقرار، أي لضبط المجتمع ومواجهة مخاطر تمرده.
5 – في أسباب فشل سياسة الهيمنة الإقليمية
لكن لن يطول الوقت قبل أن تدخل السياسة الامبرطورية وتدخل سورية معها في مازق عميق. فلا موارد البلاد كافية لمتابعة مثل هذه السياسة، ولا النفوذ الخارجي الكبير الذي تحقق في العقود الماضية قائم على قوة ذاتية حقيقية. ومع تغير الظروف سوف تصبح هذه السياسة أكثر فأكثر عبئا على أصحابها. وهكذا، بعد أن كانت الأوراق الإقليمية، أي أدوات الضغط والنفوذ والتحالفات الخارجية وسائل لتحقيق أهداف قومية ووطنية عليا، تحولت هي نفسها إلى هدف وغاية في ذاتها. وصارت مصدرا للخلافات والانقسامات وتفتيت الجهد الوطني والقومي وإثارة الفتن والنزاعات والحروب. فقد تغيرت شروط الصراع ولم تعد الأساليب القديمة صالحة لتحقيق الاهداف ذاتها. وهذا ما يفسر لماذا تتخذ السياسة بشكل أكبر صورة المغامرة والمقامرة المستمرة، وتدفع سورية إلى التورط في مزيد من النزاعات مع أشقائها وأصدقائها، بينما لا تتوقع المخرج إلا في السلام الموهوم مع أعدائها.
كانت سياسة الهيمنة الإقليمية السورية مقبولة طالما لم تكن تهدد مصالح استراتيجية حقيقية للدول الكبرى أو لإسرائيل. وكان المعسكر الاسرائيلي الأمريكي الأوروبي ينظر إليها كما لو كانت نوعا من التعويض لسورية عن غياب آفاق تسوية سياسية تمكنها من استعادة الجولان، بعد توقيع القاهرة على اتفاقات كمب ديفيد (17 سبتمبر 1978)، وفي الوقت نفسه غياب أي مشروع لإعادة تنظيم الشرق الأوسط أو التفاهم عليه من قبل الدول الكبرى. بل إن هذه الدول قد وجدت، في النزوع السوري إلى الهيمنة الإقليمية دورا ايجابيا كبيرا في سياق الافتقار لهذا التفاهم وغياب السلام. وحاولت أن تستوعبه في سعيها إلى دعم الاستقرار على أرضية الحفاظ على الأمر القائم. وهكذا أقر لدمشق بدور ايجابي في لبنان بالرغم من دعمها لحزب الله ونشاطاته المعادية لاسرائيل. كما تم التساهل معها في تحالفها مع الأطراف الرديكالية في المقاومة الفلسطينية، طالما كان ذلك يتم من حساب الأطراف العربية الأخرى وليس على حسابها.
بيد أن الامر تغير تماما منذ أن أقرت الإدارة الامريكية مشروعا جديدا لتحقيق الاستقرار الذي تنشده ويضمن مصالحها في الشرق الأوسط، وتفاهمت مع تل أبيب على حسم مسائل النزاع العربي الاسرائيلي، والخروج من حالة اللاحرب واللاسلام التي سادت في العقود الماضية، لصالح دعم الخيارات الاسرائيلية والقضاء النهائي على آمال تحرير الأراضي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي ربطتها بوجود القومية العربية. وسوف يحصل هنا ما حصل مع تركيا من قبل، أعني العمل على انتزاع الأوراق الإقليمية من يدي سورية بالتهديد والضغط، وإجبار دمشق على الإنكفاء على حدودها الوطنية. كان هذا الهدف واضحا منذ بداية الهجوم الأمريكي في مطلع العقد الأول من هذا القرن، ثم تحول إلى هدف للسياسة الغربية بل الدولية، بعد أن انضمت باريس إلى واشنطن في رعاية قرار مجلس الأمن القاضي بانسحاب الجيش السوري من لبنان 1557. وتحول هذا الهدف إلى واقع عند تحقيق الانسحاب عمليا، بعد مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري عام 2005. وفي سياق القضاء على أي أمل يراود دمشق في الاستمرار في استخدام لبنان كورقة مناورة استراتيجية في الصراع من أجل الجولان، جاءت حرب يوليو الاسرائيلية على حزب الله عام 2006. وبالرغم من أن هذه الحرب لم تأت بنتائج حاسمة بالنسبة لاسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها نجحت في جعل المسألة أكثر صعوبة بالنسبة لدمشق، مع تصويت مجلس الامن على القرار 1757 الذي يقضي بوضع قوات دولية على الحدود الاسرائيلية اللبنانية ويطالب بنزع سلاح المقاومة وتأكيد استقلال لبنان.
ولا يختلف مصير هذه السياسة التدخلية في فلسطين. فقد استخدمت دمشق المعارضة الفلسطينية خلال عقود طويلة لتضيق من هامش المبادرة السياسية لدى منظمة التحرير الفلسطينية، ثم لدى السلطة الفلسطينية النابعة من اتفاقات أوسلو. وقد نجحت في أن تمنع هذه السلطة من السير بعيدا عنها أو من التوصل إلى تسوية تضر بمصالح سورية. غير أن الانقسام العميق الذي حصل داخل الصف الفلسطيني وقاد حماس إلى السيطرة على غزة وطرد عناصر فتح وتكوين ما يشبه السلطتين المستقلتين في غزة والضفة الغربية، قد غير معالم اللعبة السياسية كلها لغير صالح دمشق، واضطرها إلى تأكيد نفيها لسياسة استقلال حماس بالسيطرة على القطاع.
ومن الواضح إذن أن هذه السياسة القائمة على استخدام النفوذ داخل الأطراف العربية لمنع تسويات محتملة لا تراعي أسبقية المصالح السورية قد وصلت إلى طريق مسدود. وما كان من الممكن أن تقود إلى طريق آخر. والسبب أنها قامت على خيارات سلبية، تراهن على الاستفادة من نقاط ضعف الخصم لزيادة نفوذها وقدرتها على المبادرة، بدل أن تراهن على بناء سورية قوية من الداخل، أي أن تقوم على مراكمة القوة الذاتية. وهي لم تعش طويلا في الواقع إلا لأن القوى الدولية الفاعلة قد غضت النظر عنها، طالما كانت لا تتعارض مع استراتيجيتها الإقليمية والدولية، بل تنسجم في الكثير من الأحيان معها. ولهذا السبب أيضا ما كان من الممكن لها أن تحقق الغاية المنشودة منها، أي تقريب سورية بشكل أكبر من احتمال تحقيق أهدافها الوطنية، وفي مقدمها استعادة الجولان، وإنما أبعدتها بشكل أكبر عنها. فلم تكن غايتها بالنسبة للدول الكبرى التي تعاملت معها تحقيق مثل هذه الأهداف، وإنما التعويض عن ذلك بمظاهر العظمة والنفوذ والقوة الفارغة التي تسمح للنظام، الباحث عن مصدر للشرعية والشعبية معا، أن يعزز مواقعه الداخلية، ويكرس سلطته السياسية. وهذا ما حصل بالفعل. فلم تساهم هذه الاوراق الإقليمية، بالرغم مما أنفق في سبيل مراكمتها وصيانتها من تضحيات بشرية ومادية ومعنوية، في إحراز أي تقدم في تحقيق الأهداف الوطنية.
وقد قاد السعي إلى الاحتفاظ بها منذ السنوات الأولى من هذا العقد، والرهان على استعادة ما فقد منها، سورية إلى نزاع وحرب مفتوحة مع قوى وأطراف عربية وإقليمية ودولية عديدة، كما دفع بها ولا يزال إلى تبني خيارات استراتيجية جديدة للدفاع عن سياستها تضر بمصالحها العميقة وتهدد مستقبلها. وكان من الواضح، بعد خروج القوات السورية من لبنان، أن على دمشق أن تعيد النظر في فكرتها عن الأوراق الإقليمية التي يستهدفها المذهب الاستراتيجي الأمريكي الجديد الذي لا يريد لواشنطن شركاء في الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل، وإلا فإنها سوف تغرق في معركة الدفاع عنها وتجعل منها عبئا عليها بدل أن تكون رصيدا لها. فبدل أن تعزز هذه السياسة موقع سورية وتزيد من قوتها في إقليمها، أصبحت مصدر المخاطر الأكبر عليها، بقدر ما رهنت مصير سورية ومستقبلها لمعركة الدفاع عن أوراق ليس فيها أي فائدة استراتيجية، بل لم تعد موجودة أصلا، وتحولت إلى ذرائع لفرض العزلة العربية وتبرير التدخلات الأجنبية.
6 – إعادة تعريف المصالح الوطنية السورية
لكن ما كان من الممكن لمثل هذه السياسة أن تستمر وتتجنب النقد والمراجعة، لولا نجاحها في تسويد مفهومها المختزل للمصالح الوطنية السورية. فقد تلخصت هذه المصالح في نظرها في تأمين دور فاعل للنظام في المحيط الإقليمي والدولي، على أمل أن يساهم ذلك في خلق شروط استعادة الأرض المحتلة. وانتهت في آخر المطاف في المحافظة على مظاهر القوة والعظمة الشكلية. والحال أن لسورية مصالح وطنية متعددة ومتنوعة لا يشكل توسيع النفوذ الإقليمي ولا حتى استعادة الأرض المحتلة وتأكيد السيادة الوطنية، أي ما يمكن أن نجمله تحت اسم المصالح الاستراتيجية. والتضحية ببقية المصالح، او تجاهلها لحساب نوع واحد منها، حتى لو كان أساسيا وذا أسبقية، لا يضر بسورية وشعبها فحسب ولكن بالمصالح الاستراتيجية ذاتها. فالبلد الذي يفقد فرص التنمية الاقتصادية وتترهل مؤسساته الإدارية والقانونية والعلمية والتقنية، وتتفاقم فيه التوترات والتناقضات والانقسامات الطائفية والسياسية والمذهبية، وتتراجع إرادة أبنائه في الحياة المشتركة، وتغيب روح المسؤولية عنهم، وتتخبط قواه وتتنازع في ما بينها بسبب غياب قواعد واضحة ومقبولة للعمل والتنافس على السلطة وعلى مناصب المسؤولية والوظيفة، وتنهار قدراته على خلق فرص العمل واستيعاب الأجيال الجديدة وتأهيلها وتقديم إطار مقبول للحياة الإنسانية لها في وطنها، وتزيد فيه مظاهر الفقر والبؤس والبطالة، وتنحط ثقافة سكانه ومعارفهم وسلوكهم، وتسوء علاقاته مع جيرانه والمنظومة الدولية، ويصبح مثالا للفشل في تأمين شروط الحياة الكريمة لأبنائه، يفقد بالضرورة أي أمل في الاحتفاظ بقدراته الاستراتيجية ونفوذه الإقليمي والدولي.
هذا يعني أن مصالح سورية الاستراتيجية، سواء نظر إليها من زاوية المقاربة الواقعية السياسية أو من زاوية المثالية القومية، لا ينبغي أن تطمس المصالح الوطنية الاخرى التي لا تقل أهمية عنها، ولا أن تكون ذريعة للتضحية بها. وهو ما حصل للأسف خلال العقود الطويلة الماضية التي تحكمت فيها فكرة استعادة الأرض المحتلة ومواجهة التحدي الاسرائيلي، اعتقادا بأن كل المصالح الأخرى تستطيع وينبغي أن تنتظر حتى تتحق المصلحة الأكبر والأبدى. وقد كان لهذا الخيار الذي طبع حكم الرئيس السابق حافظ الأسد بأكمله منطقه في مرحلة تفجر فيها النزاع العربي الاسرائيلي، على شكل حروب متواصلة، وساد فيها، بعد توقيع اتفاقيات كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل، في نهاية السبعينات، الاعتقاد بأن المنطقة تعيش لحظة الحل النهائي للنزاع العربي الاسرائيلي الطويل، وفي موازاته انفجار حرب التسوية بين الأطراف العربية التي تريد انقاذ نفسها بحلول منفردة على الطريقة المصرية، وتلك التي تسعى إلى إحباطها لصالح تسوية شاملة.
لكن الوضع تغير الآن. فلم يعد نوع التسوية، منذ انهيار أسسها في جنيف
كتبها الصحافي أحمد موفق زيدان في 04:53 صباحاً ::
تعليقان
في26,أيلول,2007 - 07:54 صباحاً, أحمدخفاجي كتبها ...
اعتقد ان جزءا كبيرا من المشكله السوريههو تخلي مصر عن دورها القومي العربي
وتحالفها الاستراتيجي مع سوريا الذي ترك سوريا تواجه موقفا صعبا وحيدة دون مساند
فاذا اضفنا الي ذلك ان النظام السوري مازال نظاما ديكتاتوريا لديه مشاكل عميقه مع الشعب السوري نفسه فان هذا يجعل سوريا مكشوفة تماما
أدعوكم للإطلاع علي قصيدتي زفة شهيد
في26,أيلول,2007 - 01:35 مساءً, khadijeh kilani كتبها ...
صديقي العزيز
تجولت في مدونتك انها حقا رائعة
لكن عليك ان تعذرني هذه المرة لاني لن اعلق على ادراجاتك
انما انا ادعوك للمشاركة في مدونتي الموضوع التالي
طرحت صحيفة اوروبية استفتاء حول اكثر شخصية مؤثرة في العالم ومن بينهم رسولنا الكريم وعلى ذلك فانني ادعوكم بان تصوتوا نصرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
ودمت ايها الغالي بصفاء
صديقتك المخلصة
خديجة كيلاني
الاسم: الصحافي أحمد موفق زيدان
