– 14 رمضان 1428 –

وهل أتاك نبأ الذي نسى !

يقال إن ذاكرة الشعوب ضعيفة ، وأنها قد تتعاطف مع من سحقها وأذلها وأهانها إذا انقلبت به الأيام من العزة إلى الذلة .

ربما كان أقرب مثال لهذا هو ما جرى لصدام حسين .. وما صدام إلا بشر لا يزيد شأنه عن أي فرد يسير في زاويا لحارة في العراق ، وما أصابه من ذل لا يُذكر بما أذاقه هو من ذل لشعب قهره ، وشعوب احتلها .

ولولا أن إعدامه كان في صبيحة يوم العيد لكانت فرحتي كاملة غير منقوصة ، وإن كان أُعدم على يد طغاة آخرين ، فلكل طاغية يوم ، والأيام دول .

وتلك قيمة التاريخ .. إن إذلال طاغية – أي طاغية – يثير التعاطف فقط لو أُخذ الحدث من مسار التاريخ وألقيت عليه الأضواء منفردا ، أما مشاهدة ما لحق به في مسار ما ألحقه هو بغيره ، فهو مشهد العدالة المتزنة وربما مشهد الفرح الكبير .

لكن الناس ينسون مبتدأ الأمر إذ يرون منتهاه !

ولا زلت أقرأ بألم ما كتبه بعض المؤرخين إذ اشتدوا على الأمير المسلم المجاهد العلم يوسف بن تاشفين لحبسه المعتمد بن عباد بعد استيلاء المرابطين على الأندلس ، إذ انتهى المعتمد بن عباد بعد ربع قرن من الحكم على أشبيليه ( أكبر طوائف الأندلس وقتها ) في الرفاهية والرخاء ، انتهى إلى أن مات في “أغمات” من أرض المغرب .

وتلك لحظة العاطفة لا ريب ، وما أشد احترامي لمؤرخ يوازن بين ما ألحقه ملوك الطوائف ( ومن بينهم المعتمد ) من نكبات بالشعب الأندلسي والتاريخ الأندلسي كله ، وكم من الدماء ذهبت في سبيل شهوة الحكم حتى كان موالاة العدو أقرب إليهم من دماء المسلمين  ، مع ما للمعتمد من حسنات لا تنكر ، ليس هذا محل تفصيلها .

لكن الناس ينسون مبتدأ الأمر إذ يرون منتهاه !

ثارت علىّ تلك الشجون إذ أقرأ قوله تعالى ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) .

لقد كان نسيان أبي بن خلف كيف كان مبدأ خلقه ونشأته هو الذي أعماه عن رؤية قدرة الله ، فأتى النبي وهو يحمل عظمة بليت وضعفت من ميت قد مات ، وفركها في حجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فصارت رميما ثم سأله : ( من يحيي هذه العظام ؟ ) .

ولو أنه لم ينس مبتدأ أمره لما سأل هكذا سؤال ..

كم من الناس يخطئون في النظر ، ويسرفون في الحكم ، ويظلمون الحقيقة إذ ينسون مبتدأ الأمر وهم يرون منتهاه .

وبقدر حجم الحقيقة المنسية ، بقدر ما يكون من خطأ وإسراف وظلم .. فإن كانت الحقيقة مما يتعلق بالله ، فقد يكون النسيان بحجم الكفر .

وتلك نصيحتي لنفسي ولكل إنسان .. لا تنسى .

ذلك شعاع من نور قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ {77} وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ {78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ {79} الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ {80} أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ {81} إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {82} فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .