– 13 رمضان 1428 –

وهل أتاك نبأ من صاروا أحاديث !

إن في حياتنا اليومية مشاهد ذات دلالات عميقة حقا ، غير أننا نغفل عنها .

ربما بحكم حبي للتاريخ يأتي على رأس هذه المشاهد آثار الأقدمين . إنها تقف كدليل بلاغته تتدفق من صمته ، درس قائم للعين منساب إلى الوجدان محاور للعقل .. كل هذا في آن واحد .

الإحساس بأن تلك المباني والمعابد والمنارات والقصور والبيوت والمساجد بناها أقوام منهم من مات قبل مائة سنة ، ومنهم من انتهى قبل سبعة آلاف سنة ، إحساس يصعق الإنسان فيرده كثيرا عن شعوره بأهميته ، إذ هو – بكل حياته – شئ غير ذي بال في عمر الأمم والحضارات .

إن الإحساس بأن البشر يتدفقون على هذه الأرض منذ آلاف السنين ، وسيستمرون في التوالد والتكاثر ثم الموت والانتهاء والنسيان .. يجعل الإدراك بفردية الإنسان وضآلة عمره وتفاهة شأنه بالنظر لتاريخ الأرض قويا حيا نابضا .

شعور يدفع نحو السجود للإله الذي يعلو على الزمان ، الإله الذي كان قبل أن يكون شئ ، وخلق كل شئ ، وملايين البشر على طول السنين كانوا تحت عينه وفي قبضته ولا يخرجون عن قدرته ومشيئته .

بعد إدراك حقيقة الفرد لنفسه بالنسبة لهذا الكون ولهذا التاريخ المديد ، لابد له أن يتهيب أمر الحياة وقضية الوجود ، فإن الدنيا ليست هي يومه المحدود وعمره القصير ، ولا قضايا الوجود هي قضية عمله وبيته ورزقه .. إن الأمر أكبر من هذا وأعظم .

وتلك هي عبرة التاريخ ، وبلاغة الآثار ..

مبان تقف شاهدة تخبر عمن بناها ، ذلك الذي قد انتهت حياته على الأرض وانتهت حياة أحفاد أحفاده ، وأحفاد أحفادهم ، وما عاد لهم ذكر ولا يسمع بهم أحد .. قد غابوا عن الدنيا ، وغابت عنهم الدنيا .. ولو لم يكن من أثر ما كان طيف ذكراهم قد مر على قلب أحد .

وتقف شاهدة على أزمان بُنيت فيها ، أزمان وعصور قد تلاشت واختفت .. بلاد وأمصار وأسواق وحكام ورعايا وطرائق عيش وعادات واعتقادات .. عصور غابت عن الدنيا ، وغابت عنها الدنيا ، ولو لم يكن من اثر ما كان طيف ذكراها قد مر على قلب أحد .

إن هذا يدفع نحو التفكر الحقيقي في شأن القوة التي تعلو على كل هذا ، وتسيطر على كل هذا .. القوة التي تفنى الأكوان والأزمان ، ولا يمسها ذلك بشئ .. تفكر يقذف في النفس رهبة الخلود ، وجلالة الزمان السرمدي .. رهبة وجلال تتصاغر أمام جلال الجليل جل جلاله .

لم يبق من أقوام العصور إلا آثارهم .. وبعض أقاصيص تنبئ عن أخبارهم ، أخبار الماضي الذي يغري قدمه باختلاق الأساطير ..

أحاديث عصور جديرة بأن تجعل النفس ترتد إلى حقيقتها ، تفكر في أمرها لتعرف قدرها وحجمها وقدرتها الحقيقية ، وسبحان ذي القدرة إذ يقول ( فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث ) .

كيف لمن كان ملء السمع والبصر ألا يبقى منه سوى ” أحاديث ” .. مجرد قصص تخبر عن حاله وعصره ، ولا أكثر ، تتلى على الأطفال أو في مجالس الأسمار .. ما تلك القوة التي صيرته إلى ( أحاديث ) .

تلك قوة الله .. جل شأن الله .

يجب أن يعرفها كل قوم لا يؤمنون بها .. أو قل : لا يشعرون بها ولا يفكرون فيها .

وذلك شعاع من نور قوله تعالى : (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ {42}‏ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ {43} ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ) سورة المؤمنون .