طيارة ورق

Monday, October 08, 2007

علامة تعجب

منذ أعوام بعيدة توفى عمى الأكبر الذى كان يسكن وحيداً بعد وفاة زوجته و زواج أولاده ..توفى جالساً..واضعاً ساقاً فوق ساق..وممسكاً بجريدة الصباح ..أمامه فنجان قهوة لم يُمس.. وبايب مُلقى على الأرض الرخامية انطفأ بعد حين والحمد لله..وظل على حاله يوماً كاملاً حتى انتاب القلق ابنته لعدم رده على اتصالاتها فذهبت للاطمئنان عليه.. وتجرعت وحدها الصدمة الأولى.. هزنى وقتها الحدث ..ليست الوفاة فى حد ذاتها فلكل أجل كتاب ولكنها الملابسات التى ظلت عالقة بذهنى لوقت طويل.. ولم أستطع منع نفسى من التساؤل: ماذا لو ؟ ماذا لو لم تقلق ابنته عليه ونسيته فى غمرة انشغالها بحياتها ليومين أو أكثر؟ ماذا لو كانت ابنته مسافرة مثلاً؟
بعدها بسنوات قرأت فى بريد الأهرام تعليقاً على خبر من صفحة الحوادث..عن تلك السيدة التى عثروا على بقاياها فى شقتها بعد وفاتها بثلاث سنوات كاملة ..السيدة كانت تمتلك مكتب محاماة وتحيا وحيدة بدون زواج..وتوفيت على فراشها ..ومرت الأيام والشهور والسنين .."ولم ينتبه لغيابها أحد..لم يفتقدها مساعديها فى المكتب ولا موكليها ولا جيرانها ولا أصدقائها ولا شقيقها الوحيد الذى يحيا معها فى نفس البلد..لم يحاول أحد أن يبحث عنها أو يجاملها فى مناسبة..لم تهتز لغيابها ورقة شجر ولم ترتجف له دودة فى حجر" هكذا كان التعليق الذى آلمنى كثيراً ..لم أتألم للوفاة فلكل أجل كتاب ولكنها الملابسات التى جعلتنى أفكر ..كيف هم الناس..وكيف يدورون فى رحى مطحنة الحياة كل متكالب على نفسه وعلى دائرته الصغيرة لا يحيد عنها
ومنذ أيام..سمعت هذا الخبر..شاب يسقط مغشياً عليه فى أحد الشوارع بمدينة الأقصر ويظل على حاله ثلاثة أيام كاملة .. يمر عليه المارة فلا يتسائلون وكأن مرأى أحدهم مُلقى فى الشارع أمراً طبيعياً .. وكأن هؤلاء الراقدين على الأرصفة أمراً عادياً لا يسترعى انتباه.. والمحزن والمبكى فى الأمر أن النمل هو من أنقذه عندما بدأ يتجمع حوله فى جحافل كثيرة ويتخذ من جسده كهوفاً تأويه..ولعل هذا هو ما جعل أحد المارة"أخيراً" يقترب ليفحصه ويدرك أنه على قيد الحياة وبنقله للمستشفى تبين اصابته بجلطة فى المخ أدت إلى سقوطه
هذه المرة كان اندهاشى ضئيلاً ..فقد أصبح المعتاد أن نقرأ أو نسمع الغير معتاد..فقط أجد نفسى أتوقف عند السلوكيات التى لا أدرى أهى تتغير أم هى من الأصل كذلك ونحن من نروج لأنفسنا ما ليس فينا..ونصدقه.. هل نحن"كنا"كذلك و"أصبحنا" غير ذلك نتيجة لضغوط الحياة وتغيراتها..لا أدرى حقاً.. أظننى فى حاجة لمراجعة كتاب جمال حمدان عن شخصية مصر..لأعرف الوصف الصحيح والسمات الأصلية للكائن المصرى

Labels:


Posted by بثينــــــة :: 6:08 AM :: 15 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------