طيارة ورق

Wednesday, October 10, 2007

العيد.. كحكـــة




كل عام وانتم بخير

وعيد سعيد لجميع المسلمين فى كل مكان


هذا العيد يرتبط فى الأذهان بأشياء كثيرة أولها وأهمها:ـ
كحك العيد.. اللعنة البيضاء التى تجعلنى كل عام وفى مثل هذا الموعد أزيد حوالى تلاتة أربعة كيلوجرام من غير مناسبة..وأظل شهوراً طويلة أعانى الحرمان لأعود لحجمى الطبيعى..غير أنى أفكر هذا العام فى سحق حبوب السكر الدايت ورشها على الكحك ..بعد تفريغه من سكره العادى..ولكنى لا أعرف طريقة لاستخلاص السمن بعد
الكحك فى حياتى مثل أى شىء.. يرتبط بأماكن وأشياء وبشر وعادات .. وقد أكون مبالغة فى تقييمى لأهمية الكحك فى حياتى لكنى لا أراها مبالغة بقدر ما هو ارتباط يرغمنى عن الحديث عن ذكرياتى مع الكحك..حقبة حقبة
:)
الحقبة الزمنية من صفر وحتى 12 عاماً من عمرى
فى بدايات معرفتى باللعنة البيضاء أذكر تلك الكراتين الممتلئة بالكحك والمنين(وفى قول آخر الفتوت وفى قول آخر القراقيش وفى قول تانى خالص القُرَص)وهى تأتى لنا مع أحد أخوالى من البلد مهداة إلى أمى من سيدات العائلة ساكنات الريف.. بينما تقوم أمى وخالتى رحمهما الله بصنع تلك الأصناف التى لا يعرفها أهل الريف من بتى فور وغريبة وكل أنواع البسكويت (قرفة ونشادر وبرتقال وعجوة وعسل ) والشكلمة واللانكشير(!!) وأقوم انا بمجرد اللعب بقطعة عجين صغيرة حتى تصبح فى لون سواد الأرض أثناء قيامهما بإعداد العجين حتى تلهيانى عنهما ..وعندما ازداد طولى قليلاً.. كانت أمى وخالتى تتركانى أقوم بلصق وحدات البتى فور معاً بعد نضجها بالمربى وغمسها فى الشيكولاته السائلة ثم رشها بالفستق المجروش وجوز الهند-نصيحة للصائمين بالتوقف عن القراءة

الحقبة الزمنية من 12 وحتى 16 عاماً من عمرى
حينما توفت "أمى الاولى" ساد الحزن الجميل المرتبط بالامتناع عن صنع الكحك فى بيتنا .. وبدأت خالتى"أمى الثانية" بعد سنوات قليلة فى "شراء" الكحك وهو ما كان يعد "عيبة كبيرة" فى حق سيدة أى بيت فى وقت من الاوقات البعيدة..لكنها كانت مختلفة قليلاً ..استجابت للعرف الذى يمنعها من "العجن" ولكنها كانت تصر على شراؤه لنا حتى نشعر بالعيد مثل كل الناس.. وكان أشهر من يصنّع الكحك هو شركة بسكو مصر وكانت على ما أظن شركة قطاع عام وقد تم مؤخراً خصخصتها على مراحل ..فقد كان الكحك متخشباً ويأتى لنا فى علب كرتونية قبيحة المظهر.. وانتبهنا بعد ذلك أنه لا داعى للتعذيب فبدأنا التعامل مع محلات الحلويات الكبرى فى بداياتها ..وكنا لا نقدم منه لزوارنا عادة لأنه كما قلت "عيبة كبيرة" ان نقدم شيئاً ليس صناعة منزلية بحتة..هذا بالإضافة للاعتقاد السائد وقتذاك بأن هذه العجائن كلها تُصنع بسمن "هولندى" .. وهولندى بالذات تعود لمعرفتنا المحدودة ان هولندا هى البلد الوحيد المصنع للسمن.. وهو الاعتقاد الذى أتفهمه الآن بعد خبراتى المطبخية العديدة..فقد كان السمن أحد نوعين :الأول زبد بلدى تأتى لنا به كل شهر الست "أم فوزى" من البلد وتقوم بتسييحه لنصل إلى منتج السمن البلدى الأصلى ومنتج آخر اسمه "المُرتة" وهو خلاصة الخلاصة ..حاجة كدة كفيلة بالقضاء على أتخن فيل بانسداد الشرايين..والنوع الثانى هو السمن الهولندى.. وهو أى سمن معبأ فى علب أياً كانت جودته وأياً كانت بلد منشؤه وأياً كان نوع البقرة التى أتى منها.. وغالباً ما تكون البقرة مرسومة على علب السمن وتكون هزيلة نحيفة ..على غير حالة أبقارنا البلدى الشامخة..مما ساهم فى كراهية ستات زمان لهذا النوع من السمن..و ظلت تلك العادات قائمة بشدة..شراء الكحك أمر ليس مصدر افتخار..وشراء السمن المعلب أيضاً مجال نقورة كل سيدات العائلة لو علمن أن واحدة منهن تفعله

الحقبة الزمنية من 16 وحتى 25 عاماً من عمرى
عندما ازددت طولاً وعقلاً بدأت مع أمى فى إعادة التراث مرة أخرى وذلك بعد توقف المدد من البلد منذ زمن بعيد.. وبدأت أقوم أنا وهى بإعداد كل تلك الاصناف السابق ذكرها وكان ذلك فيه متعة لا حد لها تتساوى مع المجهود الرهيب الذى كنا نقوم به وكان يجعلنى عادة أقضى اول أيام العيد مغمن عليا ..وكنت أتخذ كل عام قرار بإجبار أمى على الشراء فى العام التالى ..ولكنى أعود وأعدل عن رأيى عندما تقول لى : لما أموت ابقى اشترى..وكانت أمى تلتزم بطريقتها المعتادة ومقاديرها المحفوظة والتى لا تحيد عنها.. بينما انا أحاول على جنب اثبات ذاتى وإعداد اجندتى الخاصة التى ستصحبنى لبيتى فى مستقبل الأيام.. فكنت أسلّم أذنى لبرامج المرأة واجرب كيلو كحك على الطريقة الشنغاهاهية مثلاً .. ولكنى أصاب بصدمة للنتيجة المزرية فأعود مرغمة عن غيى..وكان من ضمن العادات التى نقوم بها إعداد تلك العلب التى تحوى تشكيلة مما صنعناه ليتم توزيعها على كل بيوت العائلة وعادة ما كنت أذهب فى جولات رمضانية ليلية محملة بالعلب مع أخى لنطوف عليهم بينما تظل أمى فى البيت لتستقبل بنات أقاربنا وهن يقمن بنفس الفعل.. وذلك لهدفين: هدف أول معلن وهو التراحم والتقارب والعيش والملح والسكر البودرة ..وهدف آخر خفى هو المقارنة المميتة التى كانت تتم لتقييم مجهود كل سيدة.. وكلام من نوعية كحك فلانة انعم من كحك علانة وكحك ترتانة لو يخبط فى الحيط يرد تانى و دى نَفَسها منيل ودى قدحتها للسمن مش تمام وكدة هيزنّخ..وهكذا وهكذا

الحقبة الزمنية من 25 وحتى يومنا هذا
فوجئت عند اقتراب موعد زواجى بأمى تعد العدة لصنع القناطير المُقنطرة من الكحك.. ليه يا أمى ؟ دى عادات يا بنتى ..إزاى تدخلى بيتك من غير كحك..دة حتى يبقى فال وحش.. وظللنا نعد فى الكحك والمنين أياماً وأياماً.. لمجرد..أن يكون فى استقبال زوارى وانا عروس طبق كحك لا يتناول أحد منه شيئاً فى العادة..لأنه بعد العيد ما يتفتلش كحك..هكذا يقول المثل ..ولكنى لا اأدرى المعنى الحرفى لكلمة ما يتفتلش رغم أن معناها الواضح ما يتعملش .. وما أذكره جيداً ..أن كحك زواجى ظل على حاله لفترة طويلة جداً فى مطبخى وعانيت عذاب الضمير وأنا أرميه فى نهاية الأمر..وأخفيت الأمر عن أمى حتى لا تصاب بصدمة
وبدأت رحلتى فى بيت الزوجية ..ومرت الأعوام الاولى وأنا أحيا مع أمى طقوس صنع الكحك وتوابعه كل عام ..حتى ترى ابنتى نفس الطقوس.. وتلعب بقطعة العجين حتى تصبح فى لون سواد الأرض.. ومع مرور الزمن أقتنعت أمى أخيراً وسلّمت بقرارى الذى اتخذته وكان نهائياً وطلبت منها فيه أن نكف تماماً عن هذا العذاب.. وخاصة أن هناك فى الأسواق أصنافاً لا حصر لها بجودة عالية.. وبدأت تقتنع قليلاً ولكنها كانت تصر على صنع القراقيش التى لا يمكن شراؤها-على حد قولها- من أى مكان
ومنذ ثلاثة أعوام ..أحسست أن أمى بحاجة للعيش فى تلك الطقوس مرة أخرى.. واشتريت الدقيق وكل لوازم السقوط فى بئر العذاب وظللت أنا وأولادى نعيث فساداً فى بيت أمى طوال نهارات رمضان الأخيرة حتى انتهينا من صنع الكحك وسط فرحتها الطاغية ودعواتها لنا جميعاً ..حيث اكتفت بالدعاء لمرضها الشديد
ومنذ عامين.. أى بعد وفاتها مباشرة.. أصررت على شراء الكحك فى عيد الفطر لأولادى.... حتى يشعروا بفرحة العيد رغم انهم لا يأكلونه أصلاً .. ولكن فقط ليرونه يزين المائدة .. بينما أنا من تظل تعانى من مجرد العبور أمام تلك المائدة ومقاومة اللعنة البيضاء

ويبقى الكحك
:)
شاهداً على عادات لا يمكن محوها تماماً.. لكنها فى النهاية تتحور بما يناسب الناس
فهو أمر لا يمكن الاستغناء عنه ..أشتريه لأتعذب به ..وربما تبرعت به لمحتاج فى نهاية الأمر لكنى أدرك أنى لن أكف عن شراؤه وتوابعه أبداً
ولم تعد السيدات يتفاخرن فقط بصنع أيديهن.. بل باسم المحل الذى اشترين منه..لأن المقياس بين السيدات لم يعد فقط الشطارة والقدرة على القيام بمجهود رهيب.. بل أصبح شراء أحسن شىء بأوفر ثمن مع القيام بأقل مجهود
ولم يعد شراء الزبد وتحويله لسمن محل فخر..بل سخرية كما ظهر فى إحدى الإعلانات .. وأصبح الطهى بمختلف أنواع السمن أصلاً من مظاهر التخلف عند بعض الناس المؤمنين بزيت الزيتون وبأن السمن سبب كل الجلطات والذبحات والانسدادات وذلك كما تفيد أغلب النشرات
وبما أن.. إذن.. لن تذهب تلك العلب من كل بيت إلى بيوت الأهل والمعارف فكل عائلة ستكتفى بما ستشتريه.. ولن يكون هناك تشارُك وتقاسُم..وأيضاً لن يكون هناك تلك المقارنات المميتة ..والمثيرة للضغائن فى نفوس السيدات

***********
هذا العام.. اشتريت الكحك وتوابعه..ولم أتمكن من تذوقه حتى الآن.. تمنعنى ابنتى كما منعت عنى المكسرات من قبل
تقول لى : لو تخنتى مش هافسحك..مش هتعرفى تجرى ورايا علشان تعاقبينى.. هاغيظك بإنى أرفع منك .. وكمان لأنى بافضّل الأم الرشيقة

:)

Posted by بثينــــــة :: 6:10 AM :: 17 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------