بدأت العلاقة الطلابية بين المغرب ونابلس في السنة الدراسية 1927/1928، ويرجع الفضل في ذلك الى المناضل العربي المسلم المؤمن المرحوم الحاج عبدالسلام بنونة، من مدينة تطوان عاصمة الريف المغربي، الذي شارك في مقارعة الاستعمار الإسباني في العشرينات من القرن العشرين في المغرب العربي، مع المجاهد البطل قائد ثورة الريف الأمير محمد عبدالكريم الخطابي، فبعد اعتقاله ونفيه ورفاقه الى احدى جزر مدغشقر في 1926، انتهجت فَرْنَسَة سياسة فرنسة التعليم في المغرب، فبات هم الحاج بنونة العمل على إبعاد أبنائه عن هذا الجو التعليمي الفاسد، غير العربي وغير الاسلامي، وبدأ يبحث عن بلد عربي الثقافة إسلامي التوجه يبعث اليه أبناءه وأقرباءه، ليتثقفوا في أجواء ثقافية عربية وطنية اسلامية، وكان يخشى عليهم مؤثرات القاهرة وإغراءاتها، كما يخشى السطوة الإفرنسية في بيروت ودمشق، الى أن كان في رحلة الى باريس، زار خلالها كلية الزراعة فيها، حيث جمعته الصدفة فيها، بطالب عربي من نابلس (فلسطين) هو السيد صابر الشنار، ودار بينهما حديث عن فلسطين والتعليم فيها وفي مدارسها الأهلية، وبرامجها، ومستواها العلمي والوطني والأخلاقي، فذكر له مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، فهو أحد خريجها 1923/1924 وأنها مدرسة إعدادية داخلية يرأسها ويديرها الأستاذ محمد عزة دروزة وأن الجامعة الأمريكية في بيروت اعتمدت في 1923/1924 قبول خريجيها (الصف الاستعدادي الخامس) في الصف العلمي الأول (فرشمن) دون امتحان قبول، وكذلك كليات الحقوق وطب الأسنان والصيدلة في الجامعة السورية في دمشق، وأنها مدرسة داخلية، كما زوده بمعلومات مفصلة عن مدينة نابلس والحياة فيها وأهلها وعروبتها ووطنيتها وإسلاميتها. وكتب السيد صابر بكل ما دار بينه وبين الزعيم المغربي، الى أستاذه مدير المدرسة محمد عزة دروزة الذي ورده منه كتاب حول ذلك، فَزَوّد الحاج بنونة بكل المعلومات عن المدرسة ومستواها العلمي والثقافي … الخ ونتيجة لكل ذلك قرر الحاج بنونة إلحاق ابنه البكر (الطيب) وابن لصديق له (محمد مصطفى أفيلال) بمدرسة النجاح للعام الدراسي 1927/1928 فكانا الطليعة الأولى من الطلبة المغاربة، الذين اصطلح على تسميتهم (بعثة الطلاب المغاربة) الى مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، ثم تبعهما أربعة أفواج أخرى، وكانت أعمار أفرادها تتراوح بين 12-16 سنة ومنهم عبدالسلام بن جلول ومحمد عبد السلام بن جلول، وأحمد عبدالوهاب، وأحمد مدينة، وأحمد بن عبود، ومحمد بن حسين احمد الحسين، وعبدالكريم بنونة وإدريس بنونة (شقيقا الطيب) والحسن بوهلال، وعبدالكريم الفاسي، وجميعهم من تطوان.
وقد أحاطتهم المدرسة من مديرين وأساتذة وطلاب وكذلك أهالي نابلس بكل الترحاب والرعاية والمحبة والاهتمام والاحترام، وكانوا حقاً أهلاً لذلك لما كانوا يتمتعون به من أدب واخلاق عالية، ودماثة وروح وطنية عارمة، وأصبحت لهم صداقات وعلاقات صميمة وحميمة مع زملائهم في النجاح من شباب نابلس، وآخرين من زملائهم من قرى فلسطين ومدنها، الذين كانوا يدرسون في النجاح او مدارس المدن الأخرى.
وتعاقب على المدرسة في أثناء وجودهم مديرون وأساتذة عدة فمن المديرين (بعد أن أصبح محمد عزة دروزة مديراً عاماً للأوقاف الإسلامية مع استمرار إشرافه على سير المدرسة ومناهجها) جودة حيدر (من بعلبك) عبداللطيف حبَّال (من بيروت) دكتور فريد زين الدين (من عتية(جبل الدروز) جلال زريق (من اللاذقية)، ثم أديب مهيار وقدري طوقان (نابلس) ومن الأساتذة محمد على دروزه، عادل تفاحة، الشيخ عبدالحميد السائح، قدري طوقان، أكرم زعيتر، ومصطفى كمال ممدوح السخن، محمد خورشيد العدناني، عمر فروخ (بيروت) الشيخ أسعد شرف، الشيخ زكي ابوالهوى، أحمد بدوي (القاهرة) منير نجا (بيروت)، عبدالرحمن بامية (يافا) على صبري (طولكرم) أكرم كمال، خليل الخماش، رستم الماضي، عبدالرحيم محمود (الشهيد الشاعر أبوالطيب، الذي كان زميل دراسة في النجاح وصديقاً حميماً للطيب بنونة، واذكر أنه تكنى منذئذ بأبي الطيب توثيقاً لصداقتها) وإبراهيم طوقان (الشاعر) الذي نظم آنئذ نشيداً وطنياً مجَّد فيه ثورة الريف المغربي، كنا نردده معهم ضمن أناشيد الصباح، قال فيه:
في ثنايا العجــاج والتحام السيـوف
بينما الجــو راج والمنايـا تطـوف
يتهـادي نسيــم فيه أزكى ســلام
نحــو عبدالكريم الأميـر الهمــام
ريفنـا كالعـرين ريفنـا نحميــه
طالمـا استعبـدوا واذلـوا الرقـاب
أيهـا الأميـــر جـاء يوم الحساب
فليذوقـوا الرعاف بالظبـى والأسـل
ولنعـلِّ الهتــاف للأميـر البطــل
ريفنــا كالعرين نحن فيه الأســود
ريفنــا نحميــه
وقد كانوا ينفعلون ويتفاعلون مع أحداث نابلس وفلسطين، الخاصة والمحلية والوطنية ويشاركون في التحركات الوطنية من مظاهرات ومسيرات واحتفالات واجتماعات وحركات كشفية، وفي أثناء العطل المدرسية كانوا يتنقلون ويتجولون بين المدن والقرى الفلسطينية يتعرفون إلى طبيعتها وحياتها ومشاعر أهلها، إذ لم يكونوا يغادرون فلسسطين الى المغرب أثناء العطل المدرسية خشية أن يحرمهم الإفرنسيون من العودة لمتابعة دراستهم، وكان يرعاهم ويهتم بهم في كل الظروف الأستاذ قدري طوقان. وقد عادوا الى تطوان 1935 وتوقفت بعثاتهم الى مدرسة النجاح، وتابع بعضهم دراساته العالية والجامعية في القاهرة وأوروبة.
وفي تطوان شاركوا في المسيرة الوطنية والتحركات السياسية، وانضموا الى الأحزاب الوطنية السياسية، وفي بدء الحكم الوطني بعد الحرب العالمية الثانية شاركوا في المسيرة ودعم الحكم، وبلغوا فيه منزلة مرموقة، وشأناً هاما في الخارجية والقضاء والتعليم وهيئة الأمم. وقد اعتُمد (المرحوم) ادريس بنونة سفيراً للمغرب في عمان، ثم في الجمهورية العربية السورية في دمشق، وكان في دمشق لا ينقطع عن زيارة الأستاذ محمد عزة دروزة (المرحوم) كما كان يفعل إخوانه الذين ترددوا على دمشق حيث كانوا يلقون عنده كل المحبة والترحاب، ويستعيدون معه ذكرياتهم في نابلس وما نهلوه فيها من روح وطنية، ويتذاكرون أحوال الأمة العربية وقضية فلسطين، وقد تردد بعضهم على نابلس قبل 1967 وكانوا يلقون فيها ما اعتادوه من محبة وترحاب واهتمام، ويستنشقون عبيرها وذكرياتها فهم ما زالوا يحملون للمدينة في حناياهم كل محبة وذكرى جميلة عطره فهي عندهم "مسقط رأسهم الثاني" و "بلدهم الثاني" ويقول الصديق عبدالله الخطيب "إن كل خير بالنسبة لنا مبعثه من تلك المدينة الأسيرة الصامدة، فلم يختلف عطاؤها عن عطاء الأم الرؤوم، فبين أحضانها تعلمنا وتسلحنا بالمثل العليا والوطنية الصادقة … إني مصاب بحب نابلس التي تزورني في أحلامي فليس غريباً أن أقول إني أعيش لحظات في خضم الوسط النابلسي في أفراحه وأتراحه، وفي متاجره وخاناته، ودواوينه وبيوته، فقد كنا محل ضيافة في كل يوم من أيام رمضان … فأخلصنا الود لها كما أخلصنا الود لمن تلقينا منهم مثلنا.
زهير دروزة
بتصرف عن http://www.najah.edu/arabic/eyes/39.htm
والصورة من الأرشيف الخاص للفدان

كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية في 02:00 مساءً ::
الاسم: الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية
