عبد العزيز الموسى
رواية,قصة,مقالات

مقدمة الهواجس "2"

منشأ العدوانية   10

 

 

إن نظرتنا للآخر، النظرة المتهمة المكفرة، هي إعلان حرب صامتة عليه دون أن نقول ذلك صراحة. الآخر، على الأغلب، هو الضال الكافر المتآمر علينا الحاقد المستحق للقتل في النهاية، ونحن لا نقتله لكونه عدو الله والأمة والوطن فقط، بل لأن حسنات جديدة ومغانم أخروية ستضاف إلى رصيدنا. نحن بذلك نتحين الفرص والمناسبات لنظفر بطريدة فالتة نضّمها للرصيد المفتوح بالقلم الأحمر. وحتى نعلن الحرب على الآخر، أول ما يتوجب، توافر النزعة المتحاملة عليه أي ننظر له دوما على أنه عدو لا يؤمن له تحت لائحة عريضة تقول، أننا مكلفون بتنفيذ أوامر الله لتغيير وجهة الحياة برمتها من فسطاط الكفر لفسطاط الإيمان، ما نقوم به يتفق مع إرادة الله ومصالح السماء لا إرادتنا، على كل، وقت تثمر الإرادة السماوية، وهذه ننتظرها منذ ألوف السنين، لن نحتاج وقتذاك لمن يحدو قدامنا محرضا ونادبا، الوطن الكرامة الإنسان ونندفع، تلقائيا سنكون في المقدمة ولن نحتاج لتوابل لفظية ومحرضات ومشهيات تقنعنا بما نحن مقتنعون به ! لكن مع ذلك لعب المشايخ الأجلاء بهذه الورقة بمن فيهم العمائم الذين بنوا علينا قرونا وراء قرون، كلهم يقولون السماء ويريدون غيرها ويتحزمون بوسائط مقنعة تمتح مشروعيتها من قانون البقاء الغابي الأولي، ما كان القتل هّم المخلوقات الأول، ولا هو هم الحيوانات كذلك. قانون الحياة الحقيقي لم يتفق مع العنف إلا في حالات الاضطرار،  قانون الحياة لا يمجد ثقافة الموت والدم والقتل، ما يتفق مع الحياة هو ما يتكيف مع شروطها وليس الموت على رأس القائمة. المتفقهين في عصور الإنترنت والخلوي هم الذين نظروا لهذه الثقافة واستجّروا النصوص وقولوّها ما يدور في خلدهم من قابليات حاقدة عدائية عاجزة عن التكيف مع شروط الحياة الجديدة، مهمتها ليل نهار أن تعمق الكراهية للآخر حيث هو وتحضير الناس باسم الله لاحتقار الدنيا والترامي على الآخرة والتعجيل بالسفر ما أمكن والتهيئة للموت ودروب الجبانات، ليل نهار في المسجد والتكايا والمدارس والبيوت والتلفزيونات أيضا. حصار مرعب يطوق الناس ويتناقلونه بهلع ويفلّون تفاصيله بدقائقها من عصّة القبر المسلحة بأنكر ونكير وغصّة الحنجرة حتى تهاويل وادي سقر وما أراك ما سقر، القواميس النفسية المترعة بالرعب تجيد العزف على هذه التفاصيل وترددها حتى صارت أساس التركيبة النفسية التي تعتبر محببة طبعا لأنها كغيرها تحثنا على الإسراع في المغادرة للتخلص من وعث الدنيا الفانية قبل الأوان. الجهد منصّب على شروط تحسين مواصفات الزوّادة التي سنحملها معنا على ما يبدو مثل بطاقة الهوية الممغنطة وقت تخوّل حاملها الدخول للمركّبات السياحية ونوادي العراة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت، تغوينا هذه التفاصيل المثيرة إذا نحن من الذين لم يحفل بهم أحد في الدنيا. ومع ذلك ترانا مصممين على الوقوف في الضفة الأخرى المقابلة ونتفرج على النعائم المتقاطرة على جيراننا الجدد، حتى السماء ولا على بالها ما يدور، لم يحفل بنا احد، حتى الانحرافات المفضوحة لم يتدخل أحد لتصحيحها، لم يعد ثمة مطمع لنا على سطح هذه الدنيا المؤقتة، لصالحنا ترويج أنها مؤقتة ونحن على عجلة ننتظر بوق النفير في كل لحظة، الدنيا موصوفة أكثر من مرة بدار الشقاء والبلاء فعلام نضيع الوقت في كوخ من القش كان يستعمل لإقامة من يحرس الكروم بعد انتهاء موسمها؟ فعلى الكل الانهماك بتخزين التقوى، أي تقوى؟ قشور لا تصّب لا من بعيد ولا من قريب في صالح الحياة ولا تلامس الدين كله على بعضه، الأقدام تسير بعكس الجهة التي يتطلع صوبها الأتقياء. الغافلون واللصوص الذين سرقوا البلد والقتلة والمرتشون والكذابون والخونة والمنافقون وأصحاب الأرصدة وتجار الحشيش والمستفيدون من غياب القانون كالقضاة، لصوص وقضاة ! هل بإمكان أحد أن يفك هذا اللغز؟ غير القضاة، رجالات الأمن والشرطة والجمارك ومن يلحق بهم من تجار أشبه باللصوص وسواهم الكثير من مدراء للنهب وموظفين للرشوة، كل هؤلاء يزاحمون عند المنبر على الصف الأول في الصلاة وينبذ المُستغلون للصفوف الخلفية إذا سلموا من ألسنة أصحاب الصفوف المتقدمة التائبين لربهم كما لو أنهم يمننون الله والعباد بعكوفهم على دور العبادة، يقولون لك، ضحكت علينا الدنيا وأغوانا إبليس اللعين، ويهزون رؤوسهم بأسى على ما فاتهم، على أن لا يذكرهم أحد بالملايين التي سرقوها من حلق الجياع ولا بأولادهم الذين يزرعون شوارع الغرب وجامعات الغرب ومواخير الغرب، كما لو أنه وسام أن تكون لصا ومنافقا وحقيرا وكذابا وسافلا وتائبا، والتقرب للسماء والنصب على مشاعر الفقراء ورحلة الحجاز والالتصاق بكتف الإمام في الصلاة والتساؤل المتغابي عن جزئيات صغيرة في الوضوء وتفسير منامات التائبين لله، الجلابية البيضاء واللحية والندم والخشوع من مستكملات عدة النصب على مشاعر البسطاء. تكتمل الحلقة بالتعصب العنيد للدين، يهمهم كثيرا أن يتهمهم أحد بالتعصب ليردعوا الظنون المرتابة بكل ما يصدر عنهم، بل يصّرون بقسوة على ضرورة قتل الآخر الكافر، ليس أقل من القتل باعتبارهم من المؤمنين التائبين المرّضي عنهم كما قال لهم الشيخ.

القتل في حد ذاته، خلاص سحري سريع المردود يدغدغ أوهام العاجز الضعيف الذي لم يستطع شيئا للمجريات التي تجوّعه وتحقره يوميا. تقوم النفس بعملية إبدال الآخر البعيد على أنه العدو بدلا من هذا القريب الذي يمسك بأسباب الضرر والموت والبقاء ولا يمكن أن يخطر له حتى في المنام أن يتصرف أو يتكلم بحضوره، يتوّهم أنه بعملية الإبدال تخلص من مأزقه ومشاعره الخائبة نهائيا. جوقة وسائل الإعلام هي التي تذكره بالعدو الآخر القصي لتهجير التهم والشبهات، لا يشجّع القتل كآلية للخلاص بل يقدّس ويلّون بألوان السماء كلها وكثيرون يتبرعون أنه جهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، بذلك يتحول القتل إلى جهاد والجهاد إلى مجد يضفي عليه المحرومون والضعفاء رونقا منتقما صادرا عن السماء المتخمة في مثل هذه الحالات بقعقعة الحشود والشعارات والعسكر ورائحة البارود وثقافة الصاروخ، هل هي أكفأ الوسائط المجربة لتصريف قهر الشعوب المزمن عن طريق العنف؟ أفي كل مرة لا نستطيع توصيل صوتنا سيخطر لنا اعتماد وسائل غير مشروعة لتوصيله؟ والمقهور باعتماده العنف، يحقق أكثر من رغبة في آن واحد، أشفى لنفسه من جهة وأضمن للفت النظر إلى أوضاعه من جهة ثانية، فوق أنه الأسلوب الذي يوفر له بسرعة الحصول على مكاسب مادية وأخلاقية يكبرها الجميع وغالبا يتم وصلها بالسماء المتفهمة والمجزية له بالمكارم والجنان. العدوانية الثاوية تحت الأضلاع يمكن إيقاظها بسهولة إذا اتفق مسارها الأرضي مع السماوي، وبسهولة أقل إذا كان أحدهما الدافع لها. إذن العدوانية متأهبة وجاهزة، فقط على الناس أن يقرروا استبدال مستبد سابق بمستبد جديد، المستبد الأوربي يستبدل بشرقي وطني أو قومي أو ديني، لم يبق إلا أن تضغط على الزناد وسيصفق الناس مؤيدين قبل أن تندبهم للمشاركة وتعدهم بالجنة.

آفة الأمة والمعضلة التي تواجهها هي كيف تبتدع الكيفية المرضي عنها لنفث العدوانية المتراكمة بسبب المعاناة الطويلة التي أخضعت لها النفوس عسفا واستبدادا؟ لا بد من فش هذه الأورام المحقونة بالتقسيط لا دفعة واحدة حتى لا يساء استثمارها وتوجيهها، وهو ما يقع أحيانا، إذن لا بد من تصحيح مسار العدوانية وحسن تصويبها، يسمع الناس عبر أجهزة تناط بها مثل هذه المهام، نسيس الحرق الداخلي تحت الصدور المقهورة، ومع معرفتهم للأسباب الحقيقية التي شكلت هذه العدوانية سواء كانت من فوقهم أو من تحتهم، فسيضطرون لامتشاق أسباب بديلة خارج حدود الرؤية إن أمكن. أول ما يتطلب الأمر تدخل السماء كعنصر مرجح لا يمكن تجاوزه عبر سدنة مطيبين بالقداسة اعتبارا من أفكارهم حتى عباءاتهم، أي يتم تدخل الجهة القامعة التي كانت وراء كل آلية قمعية وإلباسها مسوح الأبوة والوطنية والشرف والكرامة عبر أجهزة نابهة في هذا المضمار. تكاتف جهتي القمع عندما تحيق الدوائر الأرضية والسماوية يتكفل بتحقيق نتائج مضمونة تلطّف شتامة الإحتمالات المنذرة، خاصة إذا كان قد تم الاتفاق على دريئة للتصويب عليها تمّت للغرب الكافر المستعمر. وغالبا يتم إخراج المسرحية على هذا النحو، المهم حرف مسار الطلقة. معادلة مجزية تتقاطع عندها مصالح جماعة السماء مع مصالح جماعة الأرض وتتقاطع فيها مصالح السدنة المنتفعين مع عواطف الرعية المنفعلة مجانا. لديهم نقاط علاّم كثيرة يصوبون نحوها بدءا من المخابرات الأميركية حتى قضية فلسطين الحبيبة، هكذا يصير اسمها، مرورا بالأجزاء المغتصبة والجياع وقضايا أفريقيا، التقاطع مع الشرق مع الغرب مع الشيطان، المهم أن نتقاطع مع أحد ما أو جهة ما، المهم تصريف القيح المخزن في صدور البشر، ليس مهما وجود المبرر، المبررات يمكن تصنيعها في خمس دقائق وتنبت حولنا الذرائع مثل الفطر إذا كانت شفرة السيف مسنونة على بلاطات قصر الحاكم أو بلاطات الجحيم المتوعدة. لا بد من آخر لنغزوه أو نشن عليه الحرب، قبل أن نعلن الحرب نقرأ عليه شروط غورو، هذه أخلاق السماء وأخلاق القادة العظام الذين يقودون بلدانهم نحو النصر. أول شروط نجاح الغزو على آخر تربية الأحقاد ومنازع الخسة والغدر وكل الصفات المنحطة، طبعا تحت أسماء مختلفة يتم تسويقها، الصفات المنحطة ضرورية حتى تكون الفتكة نافذة وغالبة، هو ما فعله موسى النبي النازل من الجبل وتحت إبطه الوصايا والألواح المحرّضة على التعصب الفتاك ومدح الذات ألأعمى المضاد للحقيقة، تمت عملية الشحن وإلهاب المشاعر باسم يهوه الحريص كثيرا على ما يبدو على نماء الميول الدموية لتحقيق حلم إله متعصب لاقتلاع شعب مارع بالحضارة وإحلال رعاة مكانه، هل هكذا إذن تفكر الآلهة؟ لكنه هذه المرة حلم إله لا حلم البشر، حلم الإله سيكون أنفذ وألهب للنفوس حتى بعد ألوف السنين، من يتقاعس وتبرد همته فليحتمل غضب الإله هذه المرة. اقتل الصالح من غير اليهود تكسب حسنة !  يا للأخلاق العالية التي تقرف منها المواخير. هكذا شريعة الصحاري، الغزو ثم الاستباحة ثم الغزو ثم القتل، ألم نقل إن التشبث على حل المشاكل الكبرى بالعودة للمرجعيات الدينية أو المذهبية حيث كانت هو بصريح العبارة إعلان حرب على الدنيا؟

في الحرب يتم تجويز ما لا يجوز عندما تكون الآلهة التي تسكن في روعنا لا تقر بلابلها وترتاح إلا عندما تشم رائحة الدم والشواء والضحايا التي تقدم العرفان للخالق الذي أمدّهم بالعون على أعدائهم فمشى قدامهم نهارا على شكل عجاجة وفي الليل صبّة نار وهويّصب عليهم البركات وينشد المزامير والأهازيج المتحمّسة لجماعته، ومع أن المسيحية ليست غير حركة تصحيحية في المسار اليهودي لكن الأرض ليست الأرض والناس غير الناس والزمان غيره، لا مجال هنا لتنمية نزعة القتل الصحراوية، التعبير عن النزعة الدينية سيأخذ خطا آخر بعد أن تأسنّت قيم الجماعة وبات لزاما البحث عن قيم أكثر إنسانية واستنكار المنازع الصحراوية التي ما عادت قادرة على الصمود في مجتمع قطع أشواطا بعيدة في العمران، الأمل كله منصب لتلطيف المخزون الرعوي الحاقد، لم نعد بحاجة ماّسة لإله شرّاق دم لأن سوية المجتمع التي تعتبر الحامل الحقيقي للدين وتعكس خصائصه أفرزت سمات إنسانية نسبيا، هي بذلك، أي المسيحية، قامت بعملية تصحيح متكيفة مع معامل حضاري مختلف بصورة جلية، الحضارة هي التي تحمل الدين وتعليه وليس العكس، الدين قد يؤمّن استقرارا سياسيا عريضا ويوفر مناخا مواتيا للنمو الحضاري. السوية الثقافية للمجتمع هي العتلة الرافعة لشأن أمة من الأمم ! وهل كان بإمكان المسيح غير أن يهز غصن الورد ورعشة القلب بدلا من عصّي موسى وخناجره. البيئة هي ما يقرر طبيعة العلاقة الاجتماعية من خير أو شر، لأن السمات النفسية النهائية والتي تقسّت أخيرا رهن بالطبيعة أكثر من المجتمع. البيئات السهبية الزراعية المتعلقة بمطر السماء أميل للتعاون والتوسل والتسامح، غيرها في بيئات جبلية أو صحراوية تؤكدان على البطش والقوة والسطو وإرجاء المعامل القيمي وقتما يتعارض مع البقاء المهدد دوما في هذه البيئات بإدامة مفردات الريب والغدر والخسة وقسوة الملامح والعبارات الفوقية التي تحتقر الأضعف بمن فيه المرأة واعتبار العالم بلا مناقشة منسوجا بقطب سماوية تؤكد على تماسك القبيلة والتلجؤ بها مثل الحضن الحامي من نوازل الدهر وغاراته، أول ما يتطلب الأمر ألإحساس بالأمن، التعصّب للقبيلة ولدم القبيلة ولروح القبيلة وشيخ القبيلة وشاعر القبيلة الذي يسوّق مكارم القبيلة وفضائلها، ليس مهما أنها موجودة أو غير موجودة، المهم أن قيم القبيلة أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة كالكرم والنجدة والنخوة والمروءة ومن عبارات مهمة للقيم الصحراوية وأساليب بقائها ومناهج عملها قد تم التأكيد عليها بحجم رغبة المجتمع في البقاء. فخصائص البشر لا يقررها زعيم أو دين، ليست اختيارية، ولا يقررها أي مصدر يدعي الفطنة لأن خصائصهم هي حصيلة ظروفهم الطبيعية أولا، ثم مع التكرار صارت اجتماعية وتمت حراستها باللوائح والسيوف وصارت قيما.

خشونة العيش وقسوة الطبيعة تؤكد على الفظاظة وقلة الحياء. تتم تغذية هذه القيم لإدامة دورها في حراسة القبيلة أو العشيرة أو الطائفة، كما لو أنها حصون عالية يختبئون وراءها ويتعصبون لها. لن تفهم على الطبيعة ما لم تتنصر لها مرة وترتاب في منهجها مرة أخرى وأنت تتطلع للسماء المتلبدة بالدهشة مرة وللحيوانات البرية المتحزمة بالشك والحذر إزاء ما حولها مرة أخرى. بيت القصيد، أن الصحاري تربي في قاطنيها خصائصها الصحراوية المرتابة المتربصة والمتأهبة للإغارة أو لردها. الاحتمالات الحذرة منتصبة دوما، أما الوداعة والتعاون فهي خواطر شاذة تعيش في غير الصحاري، المهم أن لا تحس بالأمان، شيخ القبيلة ينفث دائما ارتياباته التي تيقظ الأفهام وتشكك بالجيران. الوداعة والمسالمة مؤشر ضعف وتغري هذه المؤشرات صاحب البأس بالإغارة عليك، ويحرص العقلاء والزعماء على ألفاظ عامة يتداولونها بحضور الآخرين تتضاد مع حقيقة منازعهم، مثل القشرة الرخوة سرعان ما تسقط إذا احمرّت العيون وجّد الجد، هذه القيم المرمية هنا وهناك ليست غير أفخاخ مهمتها تنويم أهبة الجيران أطول فترة ممكنة، أشبه بالوصفات المهدئة للنوايا الحاقدة وتقليل مذاق المهانة التي تهب عليهم من جهة لم تكن موضوعة في الحسبان. وتعتبر المرأة أكفأ ناقل لهذه الثقافة عبر أولادها فتستجير بصوت عال إذا حل الضيم وتولول وتؤلب وتزغرد وقت تشاء، لاستغاثة المرأة وقع مهّيج في النفوس أكبر بكثير من آراء العقلاء الوقورين، لأن صوتها يتقاطع من الأساس مع قابليات مصّممة على هذا التوجه. ربما لأنها المتضرر الوحيد وأكثر العناصر المبخسّة إذا قيست بأقدار الآخرين وقت الإغارة، أولادها زوجها أهلها وذويها وبناتها اللواتي لن يسلمن من السبي والاغتصاب. الغرم لاحق بها والمجد لغيرها ! لأن القتل ظاهرة رجولية نبيلة والبكاء ظاهرة نسائية مع أن شرف قبيلة بطولها وعرضها يتعلق أحيانا بسلوك جسد المرأة . تستغيث، تنثر شعرها للتذكير باحتمال استباحتها وتكشف عن ثدييها للفت نظر المتقاعسين لخطورة النتائج خاصة إذا هي ذات محتد وأصالة وعندها ستكون ملكية رخيصة للآخر ! تحفظ النساء مزامير حداء تؤلب النخوة وتشنع بالجبناء المعولين حتى آخر لحظة على منظومة قيم غير صحراوية لتلافي النكبات. أحيانا، للمرأة روحا داخلية لا تعترف بها، قوامها الانتقام من وضعها الاجتماعي على شكل حنين صامت مخبوء لتسبى نكاية بوضع يحقرها أو رجل غير قادر على حمايتها في الأوقات الحرجة التي تختلط فيها الأوراق وتشرئب فيها نزعة إسقاط الأقنعة عن وجوه المدعين الذين استثمروها طويلا غير مكترثين باعتمالاتها الداخلية الخاصة. في مثل هذه الحالات سيستميت الرجل في الدفاع عن ملكيته الخاصة وبالطبع سيقول إنه استمات في الدفاع عن شرف القبيلة وكرامة القبيلة وعزتها وقت يصير للقتل طعم رجولي مميز وسعيد، هذا الموال الصحراوي تتناقله القبائل بزهو وتحوله إلى تميمة تعلق على صدر العشيرة لتحذير الطامعين من عواقب مغامرة جديدة، ثم أي كلام في هذه المناسبات ولو لم يكن صحيحا من شجاعة وبأس ومروءة سيكون مفيدا.

الصحراء مهد الدين، واليهودي خاصة، فضلا عن ديانات سابقة وآلهة سبقوا، أقاموا طويلا في بيوت للعبادة أو في صدور الناس وما زالت بقاياهم ماثلة. وأخص ما عكسته الصحراء قيمة الغزو القائمة على نزعة القتل والعدوانية، القتل الذي يعّمد كبطولة شأن النباتات الصحراوية الأخرى تحت اسم الإباء والكبر والشهامة ويسبح بحمد هذه المنازع البطولية في المجالس على ألسنة الشعراء. أما في الأيام المشمسة فهي ليست أكثر من قيم منفوخة ترفع مقامات وتخفض مقامات. في حقيقة الأمر، القتل قوام الصخب الشغال على الأرض والمبارك من الجهة القادرة عليه، المستفيدون من السماء استكملوا هذا المسلسل وهذه الخصائص وخضّبوها بروائح وألوان السماء الخضراء التي تغير مرة وتتسامح مرة أخرى، تعفو وتتعّصب تقسو وترق مع ملاحظة نقل هذه السلة بمهارة من وقت إلى وقت ومن رحم أمة إلى رحم أخرى. لكن لا بد من تأمين داخل الأمة بسلسلة حروب واشتراطات عليا يكون الدين فيها على رأس القائمة، في المرحلة الثانية يكون الآخر معنا أو ضدنا ثم يدفع لنا أو يسبى وتتم السيطرة عليه وعلى نسائه. الفارق بين الحالتين غلالة السماء التي تعلي من قيمة الغزو وتجميع بأس القبائل في جهة واحدة واشتراطات واحدة. ممنوع في هذه المرحلة التطرق لشأن الغنائم وأما القتل فلإعلاء كلمة السماء التي أول ما تتطلب أن يكون كل واحد معنيا بالدفاع عن الدين الحق المستهدف من الكفار كما ُيستهدف جيش الدفاع الإسرائيلي من الفلسطينيين، وبذلك يتم ترحيل الضغائن نحو الآخرين القاطنين على مسافات بعيدة بأمر من السماء، وما تنطق به السماء مقدس ولا يمارى فيه، وتقوم السماء هذه المرة بالتشنيع على المتواكلين وتتوعدهم إذا توانوا أكثر من ذلك بجهنم المعّدة عقابا لهم ولكل المقصرين المترددين، كفرة ويستحقون القتل إذا لم يذعنوا ‘ وحيث ثقفناهم ‘ دون تردد، كل من هو ليس نحن وكل من هو ليس من ملة الدين الموعود بالنصر لا تأخذنا فيه لومة لائم، دعك مما سنوعد به لاحقا في الدار الآخرة مضافا لمغانم الدنيا وما روته كتب التراث بالتفصيل، بدليل أننا ما نزال متوهمين عودة تلك الأمجاد المزهوة بالنصر، التي لم تستطع بعد قرن واحد من الرسالة أن تقف على قدميها باستقامة كافية، ولا بد مع ذلك ولو في الوهم من التحرش بالآخر وإن كان ينتهكنا ويسومنا المذلة يوميا، مطبوعون على التحرش على أمل أن لا ينالنا الهوان الذي سحق من سبقنا وسيسحقنا ويسحق ميوعاتنا الحضارية التي ارتضيناها. غير التقاليد والعادات والأعراف التي قد تماشي الدين في بعض جوانبها، غير وصايا السماء الصارمة المنضبّة تحت الصدور وغير النص الذي تم تأويله حتى صّب في صالح اؤلي الأمر وغير المؤمنين المطبوعين على السكوت والطاعة ومسلسلات الرعب، غير هؤلاء جميعا وغير ذلك الزمن الذي راح، ما نقصده هو زمن الكومبيوتر والهاتف الجوال، ما زال هناك من يتربص بنا ويتحين الفرصة للوثوب. سيغزون دخائلنا هذه المرة بدعاوي الحرية وحقوق الإنسان ويغوون مفاهيم البسطاء بمزالق غربية لئيمة وحاقدة على الدين وأهله وعلى الوطن كله وعلى السلطان، هل نتفرج عليهم؟ بداهة، سنتصدى بحزم لكل من يسعى لحرفنا عن الدين القويم دين السماء، واعتبارا من هذه النقطة سيتم عبر كل الوسائط المتاحة تعبئة الأذهان للوقوف بوجه الغزوة المعاصرة. لن نساحب ولن نستسلم بل سنتصدى بحزم، ولو تطلب الأمر، يتم استنفار الجن والشياطين والمهديين المصطفين على الدور وما رافق هذا من قراءات مثيرة للعجب كونت عقولا مثيرة للدهشة عبر الأدعية والأحلام وياجوج وماجوج والأعور الدجال المتقحم علينا بشراسة ورحنا من جهتنا ننصب له المنادل ونكتب الرقى وغير ذلك من قائمة طويلة من المهازل الدوارة في البيوت والتلفزيون لنأمن شرورها ونكسب مرضاتها ! يغار الجن من محاباة السماء لنا ويحسدوننا على هذه الحظوة فيكمنون لنا على دروب المقابر والزوايا المعتمة لينتقموا. لا بد من خلق منافس يحضنا على التسابق نحو السماء لكسب ودها قبل أن يسبقنا الجان، خبرات أمم غابرة ممدودة في ذاكرة التاريخ تنغل حتى اللحظة تحت صدورنا، ما يبعث على التفاؤل أنهم يتحولون إلى مخبرين على جماعتهم عندما يكونوا مسلمين وهو ما سيّسهل الأمر علينا كثيرا مع معرفتهم بحجم العواقب المترتبة لو انكشف أمرهم. مطلوب بشدة على ما يبدو أن نكون مهّددين من جهة ما، الغرب الكافر والمنافقين المتواطئين معه وجماعات الديمقراطية وأرتال الشياطين السارحة على بيادرنا النفسية ثم فوق الجميع نفوسنا وأجسامنا التي ستشهد علينا يوم القيامة غير هيابة، كبشر وحدنا بمعزل عن هذه العوالم لسنا على بال أحد، هناك من ويأمرنا ويقوّم سلوكنا اعتبارا من الأم فالزقاق فالعرف وصولا للمدرسة فالشرطي وانتهاء بالمشايخ والدولة مع كامل أجهزتها. لماذا هذا الحشد؟ مطلوب أساسا السكوت والخوف والطاعة ومن ثم الشكر والتسبيح على نعماء الأرض والسماء. مطّوقون من تحت ومن فوق بثقافات أمم راحت وصارت وراءنا ولكن فجأة استيقظنا فوجدناها قدامنا. لا خيار لنا غير أن نردد مع المرددين أننا مرعيون ومشمولون بامتيازاتها الرحيمة بنا، رحيمة وزاجرة ومسنونة على نصب القبور في آن واحد، طبعا نحن نمر بمرحلة حرجة تتطلب أحكاما حرجة لإبقاء أدوات الحصار مضروبة علينا، متوهمين أن أحدا سيصل ويفك الحصار ويخلصنا مما نخضع له من المهانة التي تدبك على صدورنا منذ قرون. لضيق صدرنا نتأفف فتنهمر علينا الويلات والجوائح والنكبات جزاء ما وقع منا، نعمد لتقويل النصوص فتاوى مفصلة على طول قامة السلطان وسدنته المتهمين لنا لأننا قصرنا أكثر من مرة ولم نتنازل بسهولة عن بشريتنا المحرجة للسماء ولجماعة السماء، مع الوقت وتكرار الندم شكلت سورا منيعا لحراسة وإبقاء المراحل الحرجة وترويجها بحماسة تتزايد وفق منسوب المكاسب والأرصدة التي ضاعفتها. لكن ولا مرة خطر على بال أحد أننا محتاجون للشبع أو الكرامة أو الحياة ومن ثم الحرية، تبقى مجرد ألفاظ لا قيمة لها في الأزمنة الحرجة التي تمر بها الأمة، ألفاظا ترفيهية إن لم تكن متهّمة، لم نتذكر نحن ولا الديانات التي تجولت ألوف السنين في هذه المنطقة ستتذكر أن الحق في حقيقته ليس أكثر من ظاهرة متجولة على بساط الزمان والمكان.

 

 

 

 

بدايات العدوانية  11

 

السؤال المطروح، ما أهمية العقل في تكوين هذه الأحكام الواثقة من نفسها لهذه الدرجة؟

لن ننكر قصور منهجية الفكر بصورة عامة في فهم بنانا النفسية، ولن ننكر تراجع دور الفكر النقدي وأحيانا انعدامه في حياتنا. فقد اعتدنا تناول أفكارنا مطبوخة جاهزة بمعزل عن مسوغاتها ومبرراتها التي شكلتها أو حتمّت نتائجها. في هذه الحال ليس مرغوبا أن يدس العقل أنفه في تفلية النتائج المسبوكة بدون مقدمات كافية ويفككها، حتى المقدمات التي نسوقها أحيانا غائمة وغيبية ولن تفضي لهذه النتائج ولو افترضنا أنها حقائق قاطعة قادرة على حمل ما لا يحمل. ذاتية وعاطفية وبالعسف عليك الاعتراف أنها اليقين كله، تحابي مصالحنا أو هي قاصرة أو لا تضيف شيئا، هي إذن غير موضوعية، نعم ذاتية معزولة عن البراهين والحجج التي أوجبت الأخذ بها. هذه الذاتية هي التي وضعت أول مدماك لنظرية المعرفة الأولى التي تجترها البشرية منذ فجر التاريخ، وعندما نفتقر للموضوعية فلن يكون بمستطاعنا امتلاك آلية التغيير أو التطور، هذا أمر محسوم، العجز إزاء الطبيعة وإزاء المجتمع يتبدى أكثر بانعدام المنهجية في التفكير، بل تحريم الفكر الجدلي كله على بعضه لأنه يضع الآخر في حسبانه، وعندها سيتطلب أكثر من أسلوب. أصلا لن نقر بأن الكون محكوم بقوانين وأرقام وحقائق يقينية، الحكم لله وهو السبب الضروري والوحيد وسيلقف الأسباب العرضية كعصا موسى بكل بساطة إذا ما خطر لأحد طرحها. لنتفق أولا، لا صح مطلق ولا حقيقة واحدة فلا حاجة للمتابعة. هناك صح، لكن هناك ما هو أصح منه، أي أنجع مما سبقه لاختلاف الزمان والمكان والوقائع المستجدة يوميا، وإذن هناك صح مخبّأ في المستقبل سيكون أصح من كل ما سبق.

هذا الطرح يشوش بالنا العربي المرتاح على وسائد يقينية نهائية لا تلتفت لمجريات التغير والمستحدثات الكونية. وعندما تقول أنه على الأمة تدارك حالها واللحاق بالحضارة قبل أن تتوّخم وتهترئ فلن يغير في وهم الناس شيئا. طبعا ولن تسلم من الاتهام، كما يهددون العصر ورجاله ويقتاتون من خبزه.

لو حاولنا أن نحلل بهدوء حجم العوائق الساكنة تحت الأرض وفوق الأرض للتعرّف على سبب عجزنا الذي صار هوية لنا ويتحكم بمفاصل وجودنا كله، لما أمكنتنا المحاولة من الوصول لشيء ما لم نطأ في المناطق التي ما زالت تتقد نيرانها ولأن هناك أيضا من يصب الزيت على النار. هو بذلك لا يريد تعطيل الحياة كما يصرح كل مرة لكنه يفعلها، ليس أمرا أنه لا يشارك وما كان مشاركا في الفعل الحضاري، الأمر أنه يزدري أن يضبط نفسه في الفعل الحضاري، أن يستهلك ما تنتجه الحضارة، لا بأس من وجهة نظره. كل ما يلح على تفعيل العقل يعتبره سيعتدي على طرحه الجاهز المتكامل أو هو ببساطة اعتداء على السماء صاحبة المشروع كما يدعي، والسماء التي هي ابنة عمه وحده أناطت به أمر حمايتها، منذ قرون ونحن نرجم من وراء الحائط بحماس كل من يدنو من الحمى، منه لإرضاء الحكم الرابض ومنه لإرضاء منازع العوام المثقلة بتقديس الراهن وما قبله.

نعود للسؤال الذي عطل انتماءنا للعصر وعزلنا عن الحضارة وما زال يعمل بكل طاقته. عبر التاريخ تجلت حكومات مستبدة وقامعة تواطأت دوما مع العمائم التي تشاركها في المصلحة الواحدة لإبقاء الوضع أو شّده للوراء إذا أمكن. فتعاظمت آلية العجز في الأمة الناكصة نحو الخلف بهمة عالية مصحوبة بالحداء والوعيد وتعاظمت آلية مصادرة حقوق البشر وتصفية آرائهم دون شفقة على اعتبار أنها بدع غازية على الدين من جهة وحفر في الحيطان التحتية غير المرئية لقصر الحاكم من جهة أخرى. مّكن هذا سدنة الدين من تحريض الحاكم على التصرف بحرية تامة، مثل الآلهة في السماء يخوّل الحاكم على الأرض. الأمة التي تباهي باحتقار ما سيصدر عن العقل، لن تكون قادرة على اتخاذ القرار الناجع أو وقف المجريات التي تتربص بالأمة. الأمة المترددة المسكونة بمخاوف العصر الحجري ومخاوف عصر الإنترنت أمة مخصّية إذا جازت التسمية وستجوز لأن الخصاء الذي يجوز على المرأة يجوز على الرجل وسيجوز على الأمة الخائفة من كل ما حولها داخل الحدود وخارجها اعتبارا من الأب فالأم  ومن ثم الزقاق المكتظ بالعادات والأعراف ومن المعلم والشرطي ورجل المخابرات والسلطة ورجال الدين الذين يحملون بالنيابة عن الله مباخر التمجيد والتكفير لهذا الكائن البشري المرتجف هلعا والمصطف مع واحد مثله، وثالث ورابع فمجتمع مقرور مرعوب بآليات غير محترمة تمرر على رقبته، تهدّده وتحسسه بعدم الأمن. حياته ورطة وكأنه مخلوق حتى يخاف، سيحثه ما ذكر على الترحيب بأي حل غير الذي هو عليه بما في ذلك التوّجه نحو المقبرة. طيب لماذا؟ لأن طاقته كلها موظفة لتحصين نفسه من عجاجات الخوف الشغالة على مدار الوقت، الخوف من نفسه التي ألبّها الدين ضده والخوف من الجوع والقتل وعدم الحس بالأمان الخوف من الآخرة ومن الدنيا، تماهى بالخوف، يبحث عن شيء يخاف منه، يخاف إذا ضحك ويخاف إذا بكى يخاف إذا راح ويخاف إذا جاء، معمود بالخوف من رأسه حتى أخمص قدميه ويرث أكبر مخزون قهري بكاء على سطح الأرض وفق دالة كارل يونج الذي ورثنا مخاوف الغابرين المتروكة أو شبه المتروكة في مورثاتنا الموّلفة على لغة القهر الشرقية المديدة فوق أقدم رقعة مسكونة على سطح الأرض. سنضطر على ما يبدو لإعادة النظر في كثير من مفاهيمنا الأولية مثل الشجاعة والجرأة والنخوة والمروءة ونكبر من جديد بطولاتها في هذا المناخ غير المواتي لنموها كما أكبرها الذين سبقونا وقت نهضت غير هيابة وسط ركام من النقائص المألوفة وقتذاك وأمكن سماع صوتها. هذا الموضوع سأتطرق له لاحقا، لكن بملاحظة عاجلة سندرك أن الخوف هو في حقيقته انفعال يتقحّم على النفس فيشدها إلى الوراء، وهذا الانفعال نفسه إذا شد للأمام تحول إلى عدوان يتصدى لمصدر الخوف، يكسر قواعد اللعبة وأحيانا يحقق بطولة عاتية، صحيح غير مدروسة بدقة لكنها تقلب حياة شخص أو أمة رأسا على عقب وتكسر أحاسيس العجز التي كانت تستبد بالأمة، إحساس الخائب العاجز عن الحركة والفعل في مجتمع مقهور ينتظر الموت والقبر بلهفة. هو خوف يتخفى تحت الصدور ولا يكشف بسهولة عن آلية تحولّه من حال الهلع والانكسار للشجاعة والاندفاع. كله في النهاية خوف متراكم فينا فوق ما لدينا منه منذ الأزل على ذمة يونج.

نعود للإجابة على السؤال الذي سألناه، كيف استبد الضعف بكل هذا القدر في تركيبة بنيتنا النفسية؟ وهذه الظاهرة هي التي أطمعت الآخرين بنا وعززت فينا هذا الإحساس الطاغي بالنقص، لدينا قابلية انفعالية ليست محمودة كثيرا على مقاسات الشخصية المتوازنة عاشت معنا منذ القديم وما زالت تعشش في صدورنا، تنتعش هذه القابلية الخاصة غير المنضبطة كلما تسامكت الضغوط وتضافرت الويلات، ليست فطرية كما يتوهم البعض، تبدو كما لو أنها كذلك. المجتمع هو الذي يفرش لها الأعشاش والأمكنة الدافئة في صدر بيوتنا ورحنا دون أن نلاحظ نتناقل مواصفاتها بمباهاة واضحة وندللها حتى صارت مع الوقت تشكل هويتنا وتنطق باسمنا وتتصرف بالنيابة عنا، وهذه القابلية التي نكبرها لطأت طويلا تحت ظل ايديولوجيات كبرى وديانات ومنظومات خرافية سحرية ما زالت تعيش بجانب هذه الديانات وأحيانا تستولي وحدها على المكان وتنطق باسمه، وهذا وراء ضياع رشد الأمة ومنطقها وهو ما يسّهل انحطاطها أيضا، قابلية أزلية فينا لا تركن إلا لما هو غير مرئي غير محسوس لما هو خيالي وغيبي، ومثل هذه الخصائص المهزومة والمهتاجة دوما تتعسف في آرائها وأفعالها، فاقدة للقدرة على التوازن والفعل حتما.طبعا لا بد في مثل هذه الحالة من الاحتماء بقوة عظمى تمسك المصائر والأقدار، وحتى تكون أكبر من المتكبرين وأشد جبروتا من الحكام لن يستطيعها غير إله، الإله الجبار، نصر على هذا النعت، أشفى للنفس وقت نتصوره فوق كل طاغية جبار، ونتصوره على وشك سحقهم انتقاما لنا. يصر بعض الحكام وما زالوا على محاكاة السماء أو تراهم يستعيرون من السماء صيغا تلزم الناس بالطاعة والتقديس عبر أجهزة عصرية تبدو لي أكثر تطورا، المجال الوحيد الذي استفاد هو جهاز أمن السلطة السارح على رقاب الخلق عنتا وفهلوة وسرقة ورشوة والقائمة تدور حول خسة رعوية خام. من هنا استسهل البعض الدفاع عن ثقافة القتل والقتل المضاد للتخلص من وضع يراه صاحبه أنه غير محتمل وقت يلاحق فيه الواحد من البشر حتى على النوايا وكما تحاسب الآلهة أيضا مع فارق التأكيد على رحمة السماء أولا في البسملة. والحال كذلك، لا بد من امتشاق النبرة العدوانية وما ينتج عنها من قتل وذبح وتصفية دون حساب كبير للنتائج. التكرار هو الأساس والمعوّل عليه، أقصد التكرار في القتل والتكرار في قهر البشر.

يرّوج للعدوانية بحماسة حتى تصير مقنعة باستعارة وقائع التراث المضّخمة كثيرا فيما يخص العدالة والكرامة والعزة على مستوى الحكومات أو الأفراد وغالبا تترافق بعروض مسلحة وشحن ومقابلات لنساء يستغثن غاضبات يحرّضن كيلا يستباح شرف القبيلة، تعرض الأسلحة في الشوارع بتباه متوّعد مما يدلل عن الحال اليائس من القدرة على فعل شيء، وهذه العروض تتضمن تهديدا مضمرا لكل من ستسوّل له نفسه بالتجارؤ على رموز الأمة وزعمائها، فورا يفهمها الناس دون لف أو تدوير مهما صاحبها من تأكيدات على دور القيادة الملهمة والحكيمة. طبعا مطلوب في هذه المسرحيات الدوس على التفاصيل التي تلمح للعدالة وحقوق الإنسان والكرامة والقانون وما شابه، على اعتبار أن المرحلة الحرجة تتطلب نسيان التفاصيل وإشاعة أجواء الاغتيالات والتصفيات التحتية لكل من يتآمر على سلامة البلد، وهل هو الوقت المناسب لإشغال مصير الأمة بهذه التفاهات العارضة؟ منذ بضع عشر قرنا ونحن نكرر هذا الموال قبل جولة الخوازيق المسنونة. ولكن ما نتائج العدوانية على الأمة؟

 

 

 

 

العدوانية  12

 

 

  هناك عدوانية فردية وعدوانية اجتماعية.

الفردية، هي التي تشكل سمات شخص ما وتظهر في أقواله وأفعاله. في هذا العصر تتم تغطيتها بذرائع سماوية خضراء وتتحول إلى بطولة وبتشجيع دؤوب من التراث والنصوص الموضوعة أو المؤولة للإعفاء من المسؤولية الأرضية أولا والتخفي وراء مشروعية عليا لا تراجع ثانيا. لنعترف أنها فعل أرضي وهي حصيلة عجز مزمن وخوف عريق على أمل أنها الحل الناجع لتخلص الإنسان من قلقه ومحنه الداخلية والخارجية ويمررها تحت عباءة الشجاعة والحكمة والحزم، هذه الإسقاطات تتجلى أثناء المشاحنة والجدال التي تتحول من مشادة رصينة إلى مشادة بالأيدي واستعمال العضلات، وهو ما نراه في القرى والمشاجرات التي تقع موسميا بالعصي والحجارة، يجب أن يكون لدينا من نصّب جام غضبنا عليه، أو عدوانيتنا ونتهمه بأقذع النعوت التي تخول الجماعة باسم الظروف الخاصة أو الأحكام العرفية لخنق الحريات والتضييق على البشر. وبذلك سيتعرض كل من لا يتفق معنا لمعاملة خاصة قد تصل لحد التصفية دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض. المجتمع كله متأهب للصراع بين الرجل والمرأة وبين الحي والآخر وطائفة مع طائفة أو عشيرة وبين ديانات ودول، مخارج قد لا تكون مشرفة للتملص من الالتزامات الإنسانية.

نظرة الحاسد إسقاط عدواني صامت ولئيم نحو آخر لا يفسر على أنه أقل من عدوانية مشبعة بالخوف وللإطاحة بجهد بشري تحول عند الآخر لمصدر قلق يومي بسبب عجزه عن مجاراته في رزقه أو عياله أو ماله أو صحته أو حتى منصبه بعين ليست راضية.

في وقت مبكر، يحاط الأطفال بنياشين من الرقى والتعاويذ درءا للعين الشريرة، ومعروف أن هذه عين فلان أو فلانة ويتم تحاشيها ودفع الضرر الواقع أو المتوقع بقراءة المعوذتين مع طقوس سرية خاصة معدة مسبقا. وأحيانا تعمد النسوة للتضليل وحرف انتباه العين الشريرة بإلباس الولد ثياب البنات أو أسمالا مرقعة لرد الكيد قبل الأوان، الأم بطبعها منشغلة كل الوقت لرد الاحتمالات المشئومة لبقائها وبقاء عائلتها وتنحية شرور القوى الحاقدة التي تتحين الفرص للإيقاع بشخص ما دون غيره، كل اسم مرشح ليكون هذا الشخص، يقوم بعض رجال الدين ممن أثر عنهم وذاع صيتهم للقيام بهذه الحملات على قوى الشر التي لا تهدأ ولا تنام. على رأس قائمة المهتمين والمتابعين تقف المرأة. لديها حدوسها الخاصة لتتقرى مشاعر الجارات وإبعاد الأعين الحسودة عن مملكتها، إما لأنها جاهلة أو لأنها غير عابئة باستخفاف المجتمع أو تشنيعه، الزوج يشاركها سرا دون أن يصرح، وتعرف المرأة مع ما يمليه عليه المجتمع من التأبي الكاذب. من حقها أن تحصّن عائلتها من الشرور التي تعيش بين الناس مثل الهررة، شرور غير مرئية وغير محتكمة لمبدأ السبب والنتيجة وقد تنفلت على هواها في أي لحظة دون سابق إنذار. مألوف أن تكون النتائج أكبر من الأسباب الظاهرة والمخبأة، وهذه الأخيرة أخطر وأشرس. والعين الزرقاء بالتحديد تتقحم على غفلة وإذا حدقت بشيء ولو كان حجرا سيتشقق لا محالة، إذا نظرت وأدامت النظر ترى الشفاه تتمتم متعجلة لدرء الضرر قبل وقوعه بقراءات مرصودة لهذه الحالات، وتحمّل العيون الزرقاء هذه التهمة ربما لندرتها ونظرتها غير المألوفة. الناس لو سألتهم سيروون الأعاجيب ويتهامسون محذرّين بعضهم من التقائهم بفلان أو فلانة، الضرر معلق فورا بالمشاهدة، ما أن يلتقي الموجب بالسالب حتى يشعل النور، لا يتساءلون أبدا، هي هكذا عين الحسود وبالتالي لن يتساءلوا عن سبب مرض الطفل أو البقرة أو سر طلاق الزوجة !. الحسد طاقة تدميرية عدوانية شغالة دوما ولا تكف عن الإيقاع بالمتحابين ولا تكف عن الفتنة التي تعبر في حقيقة الأمر عن ذات قلقة وخائفة ومضطربة، ترمي الفتن على آخر لتتخلص من عقد النقص ومن العجز والضعف والخمول وكل الوسائط الكسولة التي تعفي من البحث عن الأسباب الحقيقية، موروث عتيق من أيام اهرمن المستميت في سبيل تفكيك مملكة يزدن الوادعة. تعود عقدة الاضطهاد الشرقية المتحكمة بالنفوس لتراكم مظالم غابرة وراهنة ولدّت هذا الإحساس بالعجز والجبن الذي صار مألوفا بالتكرارويبسّط بسهولة آليات الكون البالغة التعقيد. بل صار من يبحث في سره عن هذا الفأل المنحوس ليدفع الضريبة ويرتاح. ربما يعتبر امتيازا للبعض وقت يتعرضون أكثر من غيرهم للنوازل المحصورة في إطار الزرع والضرع وحسب فوق أنها سبل لتحصيل الحسنات التي وعد بها الصابرون. كما لو أنها هوية انتماء أن يضطهدك أحد، نمسك بقشة حتى نحمّلها ما نابنا من مصائب لنرتاح من عناء المسئولية والمواجهة. لا بد على كل حال من الإجماع على جهة ما، جهة بعينها، كمصدر بديل يتقصدنا بالأذى والفتك منذ الأزل، هكذا تتوهم القرائح المهزومة والمرعوبة طبيعة العلاقة التي تحكم بين السماء والأرض، حتى الإله ينزلونه ويلبسونه أهواءهم الأرضية ويتصورون أنه تفانى من أجلهم في أغلب ديانات شرق المتوسط، المتعارف عليه أن يضطهد أحد أحدا، سنة الحياة. الأب الأم الأخ الأكبر زعيم العشيرة أو الحارة أو المذهب أو الشيخ أو رجل الدولة مرورا بالمعلم والمسئول. المهم أن يضع يده على الجرح تماما حتى يرتاح ويستعيد توازنه المفقود في المجتمع المحكوم بالقهر والاضطهاد. عندما نضطهد أحدا لإرضاء حاجة داخلية متضورة نحس فورا بالراحة التي نتوهم أنها ستخلصنا من قلقنا المزمن ونتوهم أيضا أن العنف بكل أشكاله هو أكفأ الصيغ للخروج من المآزق الوجودية المزمنة، والعنف أهم الأشكال المعبرة عن شيوع الاضطهاد، غالبا نتوجه ولو في الخيال نحو متسلط يعفينا من المسئولية ويظهر ذلك في القصص الشعبية بكثرة. بات جليا كيف يتحول أبناء المجتمع في هذه المرحلة إلى ضحايا ساكتة تنتظر سكين الجزار، ضحايا لنزعة العنف التي تنتظر اللحظة التي يحلمون فيها بممارسته على من حولهم بتشف مرعوب. طرف من جهة يمارس عليك القمع ويصادر حقك ويسعى لإقصائك والتخلص منك، وطرف مستسلم ومذعن وخائف من مجتمع لا يحسسه بالأمان. ولكن هل ستنتظره أن يذبحك من الوريد للوريد؟ هل تستسلم؟ تثق به؟ أم ستضطر إلى الوقوف في وجهه مع ما أنت عليه من خوف؟ التميمة التي ترددها وسائل إعلام البلد.. هناك عدو شرس يترصّدنا ويحتل أرضنا أو هو على وشك أن يحتل أرضنا وتهجم على ديننا الحنيف، هل نسكت أم نجابه؟ طبعا سنجابه هذا أمر مفروغ منه. المثير للدهشة أننا لا نجابهه بل نتملقه وتطوى الصفحة ويظل البؤس كما هو عليه ويظل القمع بل ويستفحل خاصة بعد الامتيازات التي غنمتها السلطة القامعة. لا بد من عدو كما قلنا كي تنشلع الأبصار نحوه بقوة كلما احتجنا ونسدل الستار على هموم المواطن التافهة وعلى دعاوي الحرية والكرامة وتكافؤ الفرص والمحاسبة، كما نسدل الستار على قضايا الفساد والطائفية وسوى ذلك من تفاهات متهمة أو ليست في البال ولا يجب أن تكون في البال إذا نحن مواجهة عدو يستهدفنا جميعا، طبعا سنواجهه متسلحين بدعاء المشايخ المتأهبين دوما في المساجد والكنائس والمعلوفين لهذه المناسبات عن طريق اصطفاء نصوص بعينها لنوكئ عليها نتائج بعينها حتى يصير انتصارا قبل أن نجابه وبعد أن نجابه بصرف النظر عن النتائج، المهم أن نقول ونعيد كل يوم أننا انتصرنا. هو ما نراه ما بين العشائر والجماعات والقرى التي مع ذلك تصيح وتقول الشعر مزهوة بانتصارات لا وجود لها، وحتى يكون لها وجود يتم طرحها على مشاعر الناس المتأهبة على أنها تحققت والدليل نضال الناس المستميت في الدفاع عن ألفاظ كبيرة وليس لإبقاء مصالح وامتيازات المنتصرين. 

حتى الحيوانات محكومة برد فعل غريزي إذا حوصرت والإنسان بدوره يتحول لكومة غرائز في حالات الغضب من الغرب المتشوف أو الكافر على الأقل، وككل أمة من القطعان والتي لن تحتكم للعقل طبعا ستكثف طاقاتها وتحشدها بين يدي القامع الحكيم المخضّب بالألوهة ليتصرف بهذه الطاقات ويوجهها نحو عدو تم تصنيعه للتو على أنه الحامل لكل الشرور التي تنتهك الأمة وكرامتها.

هذه الآلية في جزء كبير منها لا تعدو أن تكون ردود أفعال طبيعية غريزية للتغلب على الموت والفناء الذي يهدد الأمة في لحظات حرجة. وأمكن بسبب من هذه الآلية الممتشقة أن تغيرت مصائر أمم وشعوب وقتما حققت انتصارات صحيح ليست حاسمة لكنها قياسا على طاقات هذه الأمم ستعتبر انتصارات كبرى وأنها غيرت مسار التاريخ كأن يقال انتصار تاريخي واستراتيجي وهي ستفتح بوابات واسعة لإخراج الأمة من ضائقتها المزمنة وخصائها المذل وعجزها عن التماس مع الكبر والكرامة. وبمثل هذه الآلية تغلبت عبر التاريخ فئات قليلة مستميتة في الذود عن وجودها على فئات كبيرة مدرعة بالإمكانات العملاقة، وبمثل هذه الآلية أيضا تم أكثر من مرة التغلب على الفناء وطعم القهر الرابض منذ عقود أو قرون.

على أنه ليس الآن من مصلحة أحد النبش كثيرا حول ماهية الجذور الحقيقية التي أملت الحالة برمتها، حتى لا تتعطل النشوة وتحبط آمال الأمة المزهوّة وحتى لا تهترئ الثمار التي يعول عليها الحكام كثيرا لإدامة بقائهم وتقديسهم كرموز أسطورية ليست عابرة في التاريخ. صحيح هي انتصارات لكنها تكتيكية قصيرة النفس فيما تحرص الأمم على أنها عبقرية سحرية مناطة بشخص لا غيره. يتم غالبا في هذه المرحلة تأليب الطاقات العدوانية الكامنة وتوجيهها تحت مسميات جذابة للظفر بعنق الشر سواء كان شخصا أو جماعة أو إيديولوجية، سواء كان في الداخل أو في الخارج، ظفر نهائي ليس عرضيا ويحتاج إلى متابعة واستثمار بجهد دؤوب. وبمثل هذه الآليات في التاريخ أمكن تأجيل المحاولات المستهينه أو المبّخسة للأمة إلى فترة لاحقة. لا يخفى ما يبذله الدين السياسي والحكم القمعي من محاولات عنيدة لطرح إيديولوجية الاستشهاد في سبيل الله والوطن وكيف تجند العمائم والمآذن لتأليب نخوة الاستشهاد التي يرحب بها اؤلي الأمر على أمل إغراء المواطن بالتضحية والفداء. لا تنفك دائما سحائب الريبة الحذرة التي توشوش المواطن لكنها تؤجل التحفظات التي كادت أن تستفحل. لن يكل السادة المنفعلين بوهج النصر من رسم صورة كاريكاتورية عن رضا السماء وابتهاج الملائكة ومثوى الشهداء الأبرار وما سيلقونه من جزاءات ثرة هانئة بسرد ما لا يحصى من قصص وأحاديث وحكايات مصممة على هذا المقاس ممن سبقهم. عبر التاريخ المديد المشبع بالانتصارات والهزائم احتاج الحكام دوما لحكايات تزحن القلب ويزيد الطلب عليها في أوقات مماثلة، لدينا عراقة تراثية وافرة من البضائع التي توّفز وتعوصف عقول المظلومين وتضعهم في حلق التفاني من أجل السيد القامع أو الفكرة القامعة أو من أجل السماء التي تنتظرهم بحنين آسر لا يمكن مقاومته وهم يشمّون ريح الجنة وأعراس السماء المنعقدة لاستقبالهم، يكثر الكلام عن شهداء لهم صولة في الذاكرة قبل أن يشقوا تراب قبورهم ويلتحقوا بقوافل الشهداء والشهادة التي يتمنون ملاقاتها مرة ثانية وينضموا من جديد بأعطاف الشهداء المتقاطرين الرافلين بالمجد.

تدابير العنف التي شكلت ثقافة راهنة رائجة بكل آلياتها الغاضبة موجهة بقدر كبير منها للتخلص من عقد الخصاء والمخاوف العاجزة أو لتجاوزها أو ترقيعها على الأقل. العنف في هذه الحالة هو الذي يرمم الذات المفككة ويحقق توازنها. أي أنه ينسف المشاعر المهينة التي ننكرها ويرفع معنويا بدرجة جلية من شأن الأمة بعد أن كانت ذالة منتهكة، رد اعتبار وانتقام من الجبن المديد والتردد المذل والتطلع نحو المجد والعزة، ولهذا تصطف الجماعات المقهورة على جبهة واحدة مهما نأت المسافات، تتشكل قرابة المهانة والمذلة بين الشعوب المسحوقة بسرعة للوقوف بثبات في وجه عدو جبار موجود أو مفترض لتسميك اللحمة. ولهذا ولدت حركة عدم الانحياز وما رافقها من تطبيل الشعوب والحكومات المتحررين لتوهم من قبضة الاستعمار واشتراطاته المعيقة للتقدم وهو ما عزز درجة التعاطف المشترك مع القضايا المشتركة. مصدر الوجع الواحد سيلغي المسافات الجغرافية والايديولوجية والعرقية أيضا. وتتصاحب حالة التعاطف مع شعوب مماثلة تعرضت للآفة ذاتها وسبقت في تمردها على الاشتراطات الطامعة بضريبة عالية. حالات الفشل والعجز ولدت أحلافا تجتمع غاضبة وتنفرط غاضبة وهي لا تتوقف عن تكرار ما حققته الأمة من العزة والمجد الذي سيرتد لا حقا نحو الشعب المتهم بالمجد والعزة بشراسة خانقة لكل ما يمت لهاتين الصفتين وقتما نسيت أن تضع مصالح الأمة ومصالح الأفراد في حسبانها. تنشغل تماما باستعراضات القوة أو التشبه بها وتتيه فخرا بحكامها المنتصرين وهو ما ستردده وسائل إعلام قوقائية ليل نهار بآلية أحيانا تثير القرف وقت تصور هذه الأحكام المذهبة النازلة توا من السماء بحنانها الرباني الملهوف على الصالح العام.

يغالي الضعفاء الذين اعتمدوا العنف منهجا بتلوين هذه الانتصارات الورقية وتمجيد ظاهرة القتل وتلوينها بحكمة الأرض والسماء أيضا باستقدام منظرّين مأجورين بأسعار عالية إذا هم من بلدان معادية أو هكذا يتوهم الناس المقهورين، لتلوين الدم الأحمر بلون الورد وسيثق الناس بهم وبأسمائهم المترافقة برنين إعلامي نافذ. أوربيون وأجانب ومعادون أحيانا، يسبّحون بأبعاد التجربة المرعية بحكمة حمراء والمتحركة على شفرة السكين. لا يبقى للأمراء التائهين بالمجد غير تسميك أوهام الفقراء المسحوقين بضلالات ورشاوى تهريجية تبقي أوضاع البشر كما هي أو تزيدهم إرزاء وخسّة. لا ينسون تذكير البشر يوميا بمصادر كرامتهم التي قد تتحول إلى سيوف مسنونة وعقارب سامة يرسمونها على الأعلام ويحولونها إلى شعارات تهزج بحكمة الموت والدم والقتل والقصل والآخرة والجبانات والمشانق كبدائل رعوية معتمدة لتوصيل الحضارة.

العنف جواب سريع لتخليص النفوس المهانة غير المكتملة إنسانيا، المهزومة من الأرزاء المتحكمة بها. مشاعر مفخخة تلهب نفوس الفقراء المحتاجين المضطهدين عند الطلب وتؤجل أسقامهم. حل سحري صائب في وقته تماما للقفز فوق حركة التاريخ البطيئة بضربة قاضية تنهي الخصم قبل أن يصّفر الحكم أو هكذا يتوهمون !.

 

 

 

 

 

ضمير الأمة  13

 

 

وقتما يتحول العنف إلى مجد من جهة المستثمرين له ويتجمع النصر كله في كف واحدة أو تحت عمامة واحدة وينعت بالاستراتيجي والتاريخي فيما هو الذبح والقتل والقصل والموت سواء من الغم أو في العراء أو في الزنازن الرطبة التي سيتم إعلاؤها باسم الوطن والجهاد والدفاع عن النفس. توضع المسئولية كلها بأعناق الجماهير المهتاجة بالتصفيق والرقص وقرع الطبول بعد تجاوزها مسلسلات غبطتها بالقيادة الحكيمة التي تظللها، طبعا ستعمد كل مرة ومرة للتعبير عن نفسها وتبخيس حالها وتصغير إمكاناتها وإظهار عجزها مكثفة المجد والقوة والفطنة بالشخص الملهم الحكيم الذي لا يطاله النقد. يتوهمون، أقصد الناس، أنهم امتلكوا وللأبد كراماتهم التي كانت منتهكة وحققوا ذواتهم التي كانت مشعثة، يتوهمون أنهم تجاوزوا كل مظاهر التبعية وأشكال الاستسلام المهين. اكتسبوا أوهاما فيما تنخل هذه الأوهام بالذات المنافع والمكاسب على الطبقة المتحكمة بمفاصل المنح والإلغاء بآليات رعوية وهي تكرر مثل الببغاوات عبارات التسبيح والإعلاء مستذكرة انتصارات راحت وملمحة للحواشي العبقرية غير المرئية للناس. لا بد من ابتداع عبقريات فوق بشرية حتى استطاعت تحقيق كل هذه الأمجاد المتفانية مع مصالح الجماهير. في المحصلة النهائية تم استبدال قيادات تقليدية وقورة بقيادات ثورية منفعلة متجارئة أكثر على القمع والإهانة باسم العزة والكرامة. استبدال المستغل السابق بمخلّص متسلط مع ملاحظة النبرة الدموية المهددة التي تملي مراسيم ثورية من فوق وترسم حدودا نهائية بين عصرين، عصر الكرامة وعصر التبعية. عقدة التفوق الوهمية المصاحبة للمستبدين الجدد تترافق أيضا بنزق الاتهام والعجلة في تنفيذ هذه التهم بطريقة جلفة متشوفة قوامها العدوان على الشعب وحقوقه واستعمال آليات قمع مبتكرة مهينة للنفس والجسد مما سيشكل هوية جديدة لمواطن مسحوق أو للشخص الذي ظل لفترة طويلة متوهما أنه مواطن.

حقد مزمن فوقي يمكن ملاحظته على هيئاتهم الصارمة سينتقل بالعدوى للدوائر الأصغر فالأصغر، أي أن كل دائرة لديها وسائلها في ممارسة القمع والتحقير على الدوائر الأدنى حتى تنتهي آخر الحلقات بالشعب أو ما يدعى بالجماهير التي تتحول ببساطة لقطعان لاهثة مذعورة. لغة جديدة ستشكل طبيعة العلاقة الضاغطة قوامها الفعس والدوس والإلغاء والاغتيال والسجن والنبذ واحتقار إنسانية البني آدم وازدراء من هو أقل منك بقرف مقيت وهو ما زال يكرر استثنائية وحكمة قيادات بالذات لا تطالها الملاحظة.

لغة خطابية منفوخة بالشعارات التي تدعي أنها كسرت المألوف ووضعت الجماهير على عتبة مفاصل المستقبل، وإذا تلكأت الحركة نحو هذا المستقبل فالوزر كله على الجماهير التي لم تستثمر هذه الفرص النبيلة المغموسة بألوان سماوية غالبا، المستقبل تحت آباطهم ولم يفعلوا، يقولونها بآلية ترشح كبرا وعزة على اعتبار أن العالم بوجودهم صار أكثر أمنا، وعلى العالم الذي صار آمنا بفذاذاتهم النادرة أن يخضع دون نقاش لتنفيذ ما يعيده لجادة الصواب والرشد الناظمة للعلاقات البشرية التي يتوجب المسارعة لتلقفها بنهم ساغب. ما يمكن رصده في مرحلة اعتمدت العنف كوسيلة ناجحة للخروج من منطقة المآزق والمخاوف وتحويل أوراق اللعبة التي صارت ممسوكة بيد واحدة نحو شخص ما وحده ينظر ووحده يعرف ووحده يفهم ووحده يتصرف وبشخصه تتكثف المرحلة وربما المراحل اللاحقة التي ستظل منفعلة إلى ما شاء الله أو إلى ما سيشاء المنتفعين من عبقرياته التي توشيها السماء بغبرتها التي ألهمته دروب الخلاص بحكمة واثقة. الوحيد المتسيد مثل نبي، وأحيانا يتوقف نعيم البشرية على إلهاماته، أكثر من الأنبياء وأشد فطنة أحيانا، لا شيء في الحقيقة غير هذه الخطب العاصفة وهياج العوام المعلوفين على العواطف الغاضبة التي تصب في نفسه حبورا مرضيا وهو يرى الجماهير المكروشة كما البقر تسبح بحمده وترسمّه ضميرا للأمة واستثناء تاريخيا غير متكرر بالمرة.

جني ثمار هذه المرحلة يتأكد وقت يتحول الناس لقطعان متماهية بقائدها البطل الشمسي النوراني الخالد، طبعا ليس لإدامة وبقاء جلاله الذي سيدوم مجللا بالمجد بل لتقديسه كما قدّس من سبقه في التاريخ من أبطال وأقوال راحت وراح أهلها. سيصطنع كل مرة مناسبات ماجدة ليكرر لحظات نشوته التي أبّدها بوسائل حتما ليست كريمة على رقاب البشر. ليس مهما الوضع المهين أو الكريم، المهم هو الزعيم الأزلي الساكن بداخلنا هذه المرة، وهو ما يدلل عن عراقة مشاعر النقص التي تتحكم بنا منذ الأزل. في العمق، نتمرد على قهر عتيق أذلنا وصغرّنا، وما توهمناه، محاولة تعويض تستند لإرضاء البنى النفسية المقهورة دون أن نعرف.

لكن ما طبيعة الخطر المستبد على أفهامنا في هذه المراحل؟ يتراءى لي أن الخطورة كلها في ركوب اتجاهات أخرى هي حصيلة ليس تشوه الناس ولكن تماهيهم بالبطل المجلى، الأب الرمز الواهب الضمير إلخ.. هذه مفردات مرحلة ستكون من أبأس المراحل التي تعيشها الأمة، لأن هذه المرحلة ستشكل عقبة عنيدة ومنيعة أمام أقل محاولة قررت التحرك نحو الأمام. التقدم يستند لآليات ليست في متناول الخطب العصماء التي تتوهم الانتصارات، وهذا الوهم سيتحول إلى سكين حادة لكنها مثبتة على نحر الأمة تماما وليس إلى صدر الأعداء كما تصّر وسائل الإعلام. لن يتبدل الواقع بالخطب التي تزدري الآخر وتقلل من شأنه أو قد تتهمه بأقذع الأوصاف. من الآخر؟ المتحكم بمصادر بقائنا أحياء على سطح الأرض وهو الذي يمسك بالمصائر الفاعلة كلها على مساحة الكون. اتهام الآخر ليس حلا لمشاكلنا بل سيزيدها تعقيدا.

ليس أمرا في هذه الأنظمة تطور المجتمع وتخلفه ما دام تحت القبضة، عندها ببساطة تتحول أماني الناس المفجوعة إلى دجاجة تقوقئ على مسمعنا وتبيض كل يوم بيضة من ذهب في جيوبهم، سيمر وقت ليس قصيرا على كل حال حتى تتكشف هذه الأوراق، لأن الذي سيكشف عنها الغطاء ليس أقل من خائن للأمة.

في الوقت الذي يتماهى الفرد بقاهره يتحول إلى متسلط جديد أشد قسوة وأشرس من السيد المتسلط عليه. آلية التماهي بشكل ما هي أنجع ما تبتدعه النفس من وسائط تحصينية مزورة تستمد وهمها من انتصارات تتكرر في وسائل الإعلام وآليات رعب سريعة المردود. صحيح يبارك الناس ادعاءاتها وستجد من يتحمس لمسيرتها الميمونة لكنها لن تدوم طويلا، فاعليتها ستنفذ وتبهت وستتراجع الحماسة الملتهبة وتبرد، وسيلاحظ أن الناس صاروا أقل احتفالا بالخطب العصماء وأكثر تحفظا، انتشار المحسوبيات سيؤدي لانتشار المفاسد وبالتالي إسكات أو رشوة أصحاب الكفاءات والمتحفظين، تدبيج التهم ومن ثم الاعتقال في مرحلة لاحقة لتبريد الشكوك النابتة وإسكات إشارات الاستفهام الحذرة. كذلك أعتقل في الدولة الإسلامية المنظرون والأئمة وأصحاب الفرق وعلماء الكلام وقت بردت وتراخت الحماسة الأولى. سيقولون لك، الكرامة والعزة، ولكن لقمة الأكل والدفتر وتقليم أظافر ذوي النفوذ والبحث عن الأمان هي الأولويات التي لا يمكن المساومة عليها تحت أي شعار. ذوي النفوذ سيتحولون تلقائيا لمنافقين ومرابين ومرتشين وعملاء وسماسرة ومن ثم أصحاب أرصدة مخبّأة في حضن الغرب الذي ارتقوا على أكتاف الناس بسبب معاداتهم الشرسة له، وعندها سيطفو الوخم فوق الماء بعد أن كان راسبا في القاع. لن يكون للشعارات عالية الصوت التي تطرح حلولا عريضة سوقا رائجة وسيلحظ الكثيرون حجم التزوير والتلفيق المزري مهما أعادوا ومهما كرروا، دون جدوى، مجرد كلمات تشبه القرف ولا يملون من لوكها على الطالع والنازل. يتهمون الغرب ونصدقهم ويتهمون شركات الغرب وبنوك الغرب التي يخبئون فيها أموالهم المسروقة من دم الفقير والمظلوم والجائع المحروم والمريض وصاحب الحاجة المغبون طيلة حياته. كل من يلمّح ولو من بعيد لهذا النضال الشغال ليل نهار سيتهم بالعمالة للغرب بكل صفاقة. التهم أكثر ما تنصّب على الطبقة التي لم تتحمس منذ البداية لهذه المزايا القيادية الفذة، يبدأ التناقض بين الحالة الاعجازية التي تتداولها وسائل الإعلام عن القائد الملهم المتفاني من أجل الناس وبين الممارسات الشرهة التي تصّر البلد كله في جيبها وتودعه هناك. مسافة بعيدة بين خطى الشارع وما تسمعه في التلفزيون. يصعب على غير العين الراسخة في البداية فرز من هو فوق ومن كان تحت. وقت تتسارع وتيرة الفساد دون رادع، يبدو وكأن هناك من يحض عليه أو يتغافل عنه في أفضل الأحوال إن لم يتحول إلى ميزة يباهي بها أصحابها ويكافئون بمناصب مقرّبة. عندها لا تندهش إذا همس أحد بأن ما نراه لا يمت لمواصفات بشر من قريب أو بعيد، القيم وأصحابها يتحولون لعصابات مهمتها نهب الوطن الغالي وحقوق ناسه. سيفقد عند هذه النقطة الزعيم قدرته على التأثير والإصلاح ويتحول إلى عائق يسد الطريق ويخرق لوائح مجتمع تحول بعد طول المعاناة لأكوام من الوخم وشيوع الفساد، الفساد هو النظام والأصل ! بل تهميش من لا يشارك في مظاهرة الفساد واتهامه أو نبذه للصفوف الخلفية. خراب الذمم وتبضّع نفسيات تتحرك على خطوط مضادة للقانون والدين والحق بحجة التكيف مع مرحلة خاصة تتطلب هذه المرونة الخاصة، وتنتشر بسبب من هذه المرونة المتكيفة جائحات أخلاقية غير إنسانية وتغشى الأمة روح مادية وصولية بوقاحة تثير القرف، بل وتتهم علنا بنفس الوقاحة الفضائل وأصحابها على أنها سلع متخلفة مع ما بذلته البشرية من جهد ليس قليلا حتى صيّرتها في منظومتها الأخلاقية وشكلت شخصية كل الأمم النازعة بإصرار نحو الإنسان والتحرر.سيبدو مألوفا منظر خرق القيم وسط الشارع من غير أن يجرؤ أحد على الاستنكار خاصة ما ارتبط بالرشوة والكذب والابتزاز اعتقادا من البعض أن الأرض وما عليها نجاسة عارضة كلها على بعضها. إذن؟ بات ضروريا أن نرقى للسماء الزرقاء التي وحدها ستنصف المقهور والمظلوم والجائع المهان مقابل آليات مارعة ومشبعة بالأنانية والجشع والغش والخوف والنفاق وسوى ذلك من تباشير موت الأمة وشللها.

أشد من يتنصر لهذه المرحلة البرزخية هم العوام الأغبياء البسطاء المتماهين مع السماء في الليل ومع الحاكم في النهار حتى النخاع دون أن يتحرجوا من نذالات غبية يمارسونها وتراث مديد يستجرونه بانتصاراته الحقيقية والخلبية المزّورة. لأن التراث مع ما هو عليه من زور وشطح ما كان أصلا لولا هذه القيادات التي باركته وأعطته مساراته التي تمطر عليهم المن والسلوى ! ولم لا فالله ابن عمهم وأجهزة أمن الحاكم أيضا !

 

 

 

فقه المرأة  14

 

مهما تبدلت الأمكنة ودارت الأزمنة سيظل العقل البشري وديعة الله في الإنسان هو القاسم المشترك النهائي الضامن لحياة إنسانية ممكنة على هذه الأرض، بإمكان العقل هدم الأسيجة المنتصبة بين البشر من أديان وعروق وعشائر وطوائف ما زالت تدعي كل واحدة منها أن اليقين كله تحت إبطها منذ الأزل وما عداه كفر وبطلان. كما لو أنها دعوة مضمرة ليس لاتهام الآخر بل لإعلان الحرب عليه، أو هي دعوة للشك بالغير دوما ودعوة للتوتر والقلق ودعوة للقتل أيضا.

كل طرح شمولي، شيوعي ديني قومي مذهبي أو غير ذلك لا يريحه أن يسمع فذلكات العقل وتدابيره ويعتبرونه تخذيلا لآرائهم وطروحاتهم التي وحدها تختزل الحق والصواب بعبارات واثقة تنهض على ألسنة الناطقين باسم أولياء الأرض وأهلها كل حين وحين أو يتم شخبها حارة من ضرع السماء. لسنا معنيين كثيرا هنا بحجم اليقين المكتنز في الجمل والأقوال المترددة على ألسنة السدنة المفوهين الرافضين الاعتراف بالعقل وعائلة العقل أصلا، ما يعنينا بالدرجة الأولى لو تطلعنا بحصافة وتمهلنا قليلا سنكتشف بصرف النظر عن حرفيات النصوص الدوارة على الألسنة أن من كان مع العقل فهو لا محالة مع الله. بالطبع لا نعني آلهة السلاطين والمتسلطين وأرباب الخرافة وطقوس المعابد وطغاة الأرض الوالغين في لحم البشر. ما عاد واردا اقتران هذا المفهوم بالحق والخير والكرامة، انزلق هذا المفهوم حتى صار الناطق الرسمي بمنازع النفوذ واللغة المجافية لموقع الله. انزلق لإله مفصّل تماما على حجم امتيازات أهل الصول والحول ويُحرس بفتاوى مراوغة تجلد صاحب الحق وتقيم الحجة على المظلوم وتكفر على هوى الأسياد كل من لا يتفق معها، دين السلاطين مهمته التواطؤ مع حيف القاهر المستبد وأساليب كيده بمهارة. السدنة المتمرسون منذ أيام الفراعنة وحتى اليوم يحتاجون لحماية السلطان وهنا أساس قوتهم، يحتاجون للتنعم بمكاسبه ولوائحه الدموية إذا جد الجد لتعيد المترددين الغافلين لجادة الحق كما يزعمون، والحاكم من جهته يحتاج هذه المظلة الشرعية ليتفيأ تحتها وتدق له الخاتم السماوي على كتفه النبيل، يحتاج لنياشين المنافقين والمتحمسين والمقربين الذين هم ببساطة يُزجون الأوسمة والألقاب والإلهامات عليه بالجملة والمفرق، حتى صار عنده الاستبداد حكمة والتردد كفر والسؤال فتنة أشد من القتل وتستوجب ما تستوجب، دفعة واحدة وبلا مقدمات، يفتون للحاكم أن التردد والتساؤل والتفكير في غير مسائل النفاق والملق مقدمات للفتنة وستؤدي للكفر لا محالة. هي حكمة دين السلاطين الغاضبين دوما في سبيل الله !

هذه الحكمة السلطانية العتيقة الجديدة أسسّت للهوان والخوف وخصاء الأمة وإلغاء قاموسها الإنساني إلى الأبد. حكمة خاصة محروسة برعبوتها الخاص، حكمة مقدسة إذا لزم الأمر ويبدو أنه يلزم، حكمة مسئولة عن مساحات البؤس الشاسعة وطوفان الشعارات العجيبة، حكمة أملت على المواطن المسارعة لولوج بيت الطاعة والحصول على براءة حسن سلوك من العمائم ومن الهيئات المشكوك في ولائها حتى للدين الناطقة باسمه، حكمة صيّرت الخنوع والعجز والخوف مظاهر مألوفة تهدد أي محاولة للإصلاح وتستمد جل رعبوتها من تاريخ مفصل على قطر عمامة المفتي تماما.

عجز الأمة وقعودها عن الفعل المعني بالإنسان هو بطريقة مفهومة دعوة مغرية للقوي صاحب المصلحة للوثوب والإغارة على الأمة. نلاحظ أن اؤلي الأمر ولا على بالهم الناس ولا على بالهم الآخر المتزنر بالشر ولا هذا الطرش ولا هذا التراث الذي ألزمونا بحفظه غيبا، لا أحد يستهجن كثيرا أنهم أول من باع كرامة الأمة وأرض الأمة وماضي الأمة وقت انتظروا الأمة ولم تنقط الأمجاد والدولارات في أرصدتهم. لا تسأل عن الخطب النارية الحمراء التي شووا بها الناس، ولا الشعارات التي تخفق في سماء الأمة المعروضة للمساومة مع العدو بالذات.

في كل مرة يتفانى الدين في الدفاع عن سلطة فهو يتفانى في الدفاع عن الجور والمفاسد وكل ما يتضاد مع مصلحة البشر ومع حقيقة الدين المفترض أنه موّجه لصالح البشر. خاطوا رعبوتهم في أفهامنا مذ كنا صغارا قطبة قطبة. قوام رعبوتهم، دفق انفعالي عالي الأوار واتهامات مزاجية غاضبة تتسع لقول أي شيء غير مبرر بنزوية عجيبة مدهونة بغرائز سلطة فتاكة. هذه هي الهدايا التي يمننوننا بها على ألسنة خطبائهم من فوق منابر المساجد والتلفزيونات لتذكيرنا بعبقريات حكيمة متفهمة راعية للخلق ومؤمنة أيضا. هنا يتبارز أهل العمائم ويتنافسون لامتطاء كراسي متقدمة في زريبة السلطان دون حس بالإثم، هم بذلك يتفانون في سبيل مصالحهم المتعشقة مع مصالح السلطان. أما الحق ولومة لائم مجرد هذر لا يتسع له الواقع. الأنكى أنهم يروجون مع سادتهم أن جماعات تكفيرية تتواطأ على ملة الإسلام كلما توشوشت النصوص بشيء عن الحاكم الجائر وأنهم يمهدون لفتنة ستطيح بالجميع ويقصدون أنها ستطيح بهم وبسادتهم، وطبعا هذه الفتن تدار من مكاتب الغرب الكافر، يجب أن تقول كافر حتى يكون للكلام معنى يفيد أن هذه الجماعات على وشك الإغارة، حسدا من سماحة طويتهم المستقاة من سماحة تراثهم العظيم. كل همهم الانشغال بتلفيق ما يكفل بقاءهم وبقاء مصالحهم ومصالح سادتهم الأبرار لتحويل التراث المثقل بفخامة لفظية مميزة لمزرعة تغل في أهرائهم المشرعة الأبواب. خطب عصماء يكررونها على أفهام الناس الغبية، غرائزية، تهييجية، لا تضع في روعها غير مصالحها أولا وأخيرا منذ قرون وقرون، لا أتذكر يوما أنها وضعت مصلحة الرعية في حسبانها. يؤولون من التراث الذي يساحبهم إلى حيث يريدون، يقوّلونه آراءهم ويقولون للناس أنها لنصرة الدين وأهله، يدفعون بأحاديث يفصلونها على طول قامة الحاكم في الوقت الحرج، لو وضعنا ما يرويه التراث في غربال، وهزيّنا فلن يبقى فوق الغربال شيء مما يتناقلونه وهم يُرغون ويزبدون. خطاب عاطفي يحك الغرائز ويؤلب بعبارات حدائية منفوخة بالثقة الداعية لتصفية الآخر حيث كان، على اعتبار أننا جميعا مملوكون لله وحده ولا قوام لنا خارج هذا الانتماء، وجودنا متعين بالدين وكذلك علوم الأولين والآخرين بما فيها من فقه وحديث كله لله وكله العلم، أصلا لا علم سواه، غير ذلك، علوم مستوردة ومريبة مع استثناءات محدودة على مستوى الجامعة والأزهر الذي أضاف علوما غير الفقه والحديث في العقود الأخيرة.

ونجد في كل يوم من ينبري للساحة ويفتح النص ويقلب أوراقه كما يقلّب كتاب فيزياء معتمدا تلفيقات مثيرة للدهشة تدق إعجابا على سقف أفهام العوام وأنصاف المتعلمين الساعين باستماتة عمن يؤكد على أوهامهم بفذلكات منبوشة من العلم لمّح لها النص أو قالها بصراحة قبل قرون، نمد أرجلنا بزهو غبي ونرتاح من هّم البحث والتحليل وإرجاع الوقائع لأسبابها ومقدماتها المستقرأة بآلية علمية رقمية تكفل الوصول للنتائج الحقيقية التي تمكن البني آدم من التغيير والإصلاح. هذه الآلية المتكفلة بضبط المجتمع والطبيعة ستتعارض مسبقا مع الطرح الديني المرتاب من الجدل والبحث في غير الفقه، فيما هو، أي الجدل والشك، سلّم العلوم الوضعية التي تقر بتحولها وفق معطيات الزمان والمكان، بل وتعتبر التحول شرط الحقيقة وامتيازها. العلوم الوضعية قصرّت مساحات الغيب وضيقت على ياجوج وماجوج ورحلات بلقيس والدجال الأعور وكلها ما زالت تشكل بنية نفسية لكثيرين مستعدين للدفاع عنها بضراوة.

المشكلة أن صاحب العمامة الذي يرقى المنبر تهمه كثيرا هذه المساحات غير المحروثة بالعقل. عموما هو شخص متوسط الذكاء إن لم يكن غير ذلك، تحصيله على قده مسقوف بآلية مهنته التراثية المتناقلة من قفطان وعمامة ووقار متكلف يستنزله عند اللزوم على هيئة غامضة ولحية مرسلة وهو يتجّول على صفحات كتب صفراء ينبش منها ويوزع الدرر التي صادها بصوت عال واثق كثيرا، نعرف أنه يحفظ مسلسلات الوضوء والطهارة الشرعية والصلوات ومنها صلاة الخوف والحرب رغم وجود الكروز، ويذكرنا بالأموات والملائكة الطوّافين كل الوقت بين الأرض والسماء يستنصرهم علينا باعتبار أن هؤلاء الملائكة أولاد عمه. لا نعرف بدقة إن كانت هذه العلوم هي التي شكلته على هيئته أم أنه الذي قص وأضاف حتى صارت على طول قامته؟ هناك تلوينات على الأحاديث والموالد والمآتم وآليات ضبط نزويات المرأة المهّددة دوما لقيم المجتمع النبيل، مما يتطلب سجنها في قوائم ممنوعات لا تنتهي، بل يضاف لها ما تجمّع من خبرات لاحقة وفذاذات عصرية نابهة وما يرتبط بوضعها ضمن جلباب وطماشات ملونة سوداء ومن كل الألوان لزجر خباثاتها الشيطانية أو الزواج عليها أو ضربها، ضربا غير مبرّح، لا بد من التعريج في كل موعظة على الجواري والإماء. علم فسيح في هذا المضمار عندما تفتح أبوابه. طبعا لك أن تتزوج بأربعة، وإن شئت، طلق الهرمات وعوضهن بفتيات غضات طريات. هذا من حقك، مثل صنبور يفرغ من تحت بقدر ما يستقبل من فوق مستهديا بحكمة السابقين البررة والمشفوعة بقصص لا تنتهي، على أنها تطالب، أقصد هذه القصص جميعا بحسن استعمال المرأة.

الزواج بأكثر من امرأة يقطع الطريق على العوز والفقر أو الوقوع في الخطيئة. هذا كلام نكرره مزهوين حتى الساعة. لا أحد نوّه لها كمخلوق له كرامة وقوى ذهنية مكافئة لكنها غير محروثة، لا أحد انتبه لحالات الخبل الغريزي في الموضوع، لا أحد لمّح لتقاطع العرف الجاهلي مع الديني وتحولهما إلى مقدس ممنوع ملامسته.

أول ملامح الانتماء للعصر الذي نعيشه توسيع منطقة الأنوثة بصرف النظر عن ردة الفعل الفقهية المتحفظة. العقل الفقهي يمنح ويمنع دون برهان كاف أو سبب مقنع إلا ما أثر عن سابقين قالوا أو قيل أنهم قالوا، دعك من الأحاديث والنصوص التي نقتطع منها ما نحن بحاجة له طبعا دون ذكر المناسبة أو التطرق للمكان أو درجة تسلسله في النص. في مؤتمر لابن خلدون في فرندة حيث كتب الرجل فيها مقدمته الشهيرة، أكد أحد المحاضرين على عطالة الذهنية العربية في التاريخ معرجا على مرحلتين أصاب فيهما الإنسان العربي وفرا أولهما الخراج وثانيهما النفط، وكلتاهما، دون كد وبحث الذهنية العربية صارتا، وشكلتا مع ذلك ثورة في منسوب حياة المدينة المنورة والرياض وأخواتها المتحمّمات بنعماء الغرب وقلبتا أولويات البشر رأسا على عقب بما أدخلتاه من سلع وفضائيات متجاوزة للتاريخ الاستهلاكي التقليدي، وقتذاك، انبرى مفتي الجزائر صائحا ومقاطعا المحاضر. [ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ]..الخ قرأ السورة بلهجة جائحة غاضبة كمنافح عن دين توهم أن المحاضر استباحه. المشكلة لما انتهى، ضجّت القاعة كلها بالتصفيق وهم وقوف انتقاما من المحاضر الذي ساق كلاما لم يفهموا منه شيئا مع كونهم منتقين من أرجاء الجزائر بطولها وعرضها. خطر لهم أن ما سمعوه لا يخلو من دس وانتقاص من الدين. أنا من جهتي حتى الساعة لا أعرف طبيعة العلاقة بين الآية التي ساطنا بها كمتهمين حتما وبين ما نوّه له الدكتور. لا أعرف إذا ما كان المفتي مفصل على مقاسهم أو هم مفصلون على مقاسه؟ والأرجح أن كليهما مفصلان على مقاس عقل فقهي يومي متداول.

يعج التراث بما يدعم هذا الوجه الغريب المتدفق بأدلة أغرب، المهم أن نتهم أو نرد اتهاما، في كل الحالات نلقي بالأدلة عينها، كافر غبي همجي ضد السماء مغالط يقف في وجه الشمس، تفتش بهدوء، على قول أبي تمام، ما بال لا شيء عليه حجاب.

العملية برمتها هي طغيان العقلية الدينية التي ورثناها من جملة ما ورثنا فتشكلت هذه البنية النفسية وتصلبت ومع الوقت صارت نحن، أقصد نحن الواقفون فوق النقطة التي تركنا عندها آدم. يقولون، حوار وحضارات، لدينا يقينيات لا تمس وثوابت وأركان لا تصادم البتة. مع وجود فسحة للمناورة والمراوغة ما بين الناسخ والمنسوخ لن تكسب بوصة واحدة بعد ألف سنة ولن تقبض على شيء سوى أن تضع حالك في موقع الاتهام مجانا. من كان عقله محكوما باشتراطات نهائية ليس من مصلحته محاورة أحد من الخلق، تطرح سؤالا من المكسيك فيرد عليك من اليابان وبلهجة فوقية قاطعة كلها ثقة وغير محرجة. لو ألحفت، يصيحون، والدين؟ وإذا لم تسكت، فأنت كافر وينتهي النقاش. غاضبون من الغرب ومن مشركي مكة، لم يبرد غضبهم لا من أبي جهل ولا من الفرعون اللعين وقت تصدى له سيدنا موسى بطل الذاكرة الدينية المجّلى بلا منازع. ليس غير القتل والحرب والغزو، آخرها غزوة مانهاتن التي سينصب أبو حمزة راية الدين على أبراجها. هل من حظ للحوار مع فقهاء الأسمطة الممدودة وفقهاء الجلابيب والموت والقتل الذي هو حليفهم؟ هذا وغيره الكثير شكل رعبوتهم في الدنيا والآخرة وهو ما شكل أيضا مصفوفة فقهية متعشقة ببعضها مذ كنا صغارا، إرادة الله لا ترد، بالإقناع بالسيف لا ترد. العقل على ما هو عليه إذا لم يغل في أطيانهم فلا لزوم له. ببساطة يقبع مقرورا متفرجا وراء الحائط. كان عليه من وجهة نظرهم أن ينبش لهم في التراث عن الذرائع والحجج التي تسّمك حظوظهم وتمرر آراءهم على أفهام الخلق الغافلة. اعتذاره واتهامه من نفس المرتبة.

بسهولة يسردون علينا تاريخا ملائكيا مطهرا من الرجس على أنه الأول والآخر ويطوون الدفتر. ليس ثمة معضلة إذا أنت ساع لحفظ ماء العقيدة من التلوث، مسلمّات نهائية راسخة، البناء فوقها. لكن كيف هي مسلمات؟ لمجرد أن أحدا قال ذلك؟ دورة التفكير ممنوعة بمعزل عن العقيدة، على البني آدم أن يقر قبل كل شيء بعبوديته أولا، إياك أن تنتابك هواجس بشأن العبودية ! هذه العبودية لله هل فهمت؟ عبودية الله ووحدانية الله ثانيا الالتزام يأتي بعد ذلك أو لا يأتي، ليس مهما، إذا أقر، تنتهي أغلب المشاكل التي تعاني منها الأمة، ليس أمرا أننا متخلفون وحدنا على هذا الكوكب، بل ومصّرون على التخلف. تظهر عوراتنا أكثر ما تظهر عندما نكون بمفردنا، لا أحد سيفطن عندها لكل هذه العورات ولن يخطر ببال أحد أن يلمّها، بل إن هذه المحاولات متهّمة. وعاظنا منشغلون بإخراج تشكيلات الجلابيب الخشنة نكاية بميوعة الحضارة المخربة للقيم والأذواق. دون الخلق من وجهة نظرهم، نحن وحدنا مفطورون على الافتتان بالمرأة، ومطلوب منا وحدنا لجم أنوثتها ليأمن المؤمن على دينه من الغواية المصّوبة مثل السهم نحو هذا المؤمن بالذات. على المؤمن أن لا يدع أية فرجة في حائطه ينفذ منها الشيطان اللعين ! وخير ما نفعل، أن نطمش النساء وإن زادها الشيطان، فلن يخرجن من البيت، وما نقوم به لمرضاة الله، وكسب الحسنات الدسمة، ومن ثم سنحّصن أنفسنا من الزلق ونحصن نساءنا من الوقوع في الخطيئة.

لكن لماذا المرأة مستلبة بكل هذا القدر؟ هل صحيح لأننا مستلبون أكثر منها؟ أم أن كيانها الإنساني ما عاد موضع اعتبار؟ مجرد جسد، شخصيتها مختصرة بجسدها وآلية عمل هذا الجسد. والسؤال، كيف اقتنعت المرأة بدونيتها؟ كيف صدقت أن الفارق العضلي وحده مسئول عن كل ما تسام به من مهانة واحتقار حتى الساعة، هل كان للسماء دورا أساسيا في ترتيب مصائر الخلق منذ البداية؟ من جهتي أراها حالة قهر وجودية كبرى تعاضدت فيها آراء متنوعة ممدودة على مساحات واسعة فتشكلت منظومة من الدواعي التي حددت هويتها ومنها الدين. وباعتبارنا، ومنذ زمن طويل، أتباعا وأرقاما، وباعتبار أن ليس ثمة تكافؤا بين السلطة التي تسلطت وبين الناس المتسلط عليهم لأن السلطة تحترف آليات تخويفية خصّاءة فقد كنا أسرع الخلق ومنذ البواكير الأولى في تحويل القامع المستبد بكل سهولة إلى ما يشبه الأسطورة غير المتكررة، ولع أصيل وعتيق بالعجائب والغرائب وتوافق زائف كأنه عقد أزلي بين شعب جائع محروم ومريض ومظلوم دوما وبين الأسطورة التي تمجد قهر الناس وذلهم وعبوديتهم، كما تمجد أسطورة قهر الرجل للمرأة، وتتكرر حتى مع موظف يتحكم بموظف، وموظف مع مواطن وسيد مع عبد أيضا. عنف مخبّأ في الأعماق يجب تصريفه ما أن تسنح الفرص. قد ينتظر لحظة، لحظات، ثم لا محالة سينفجر وستندفع الدواخل النائمة نحو الخارج بقوة.

حاول الدين كثيرا تنظيم آليات العنف بالنصح والصبر وقتما لا يوظف نحو الخارج الخطر المضاد لنا، إذا يئس، يتحول لعنف بركاني يحرق مناطق خارج الحدود، وهو إذ يفعل، نلبّسه جلال الشهادة ونلحقه بقوافل الصديقين والشهداء الذين قضوا. آلية مثمرة وناجعة وأثبتت جدواها لتهييج الدخائل المزجورة وتأليب النوازع في النفوس القانطة المهزومة اليائسة وتوجيه أوارها هذه المرة نحو الآخر الشرير الكافر للتخلص من شروره أولا أو للتخلص منه أو قتله ثانيا بقصد إعلاء كلمة السماء وأهل السماء وعز السماء ومجد السماء والأهّم من كل ذلك مجد الحاكم. بمثل هذا المعنى سنتفهم سعي الدين الدائم لتنظيم هذه العدوانية وتنظيم جريانها من داخل النفوس المنفعلة نحو الخارج بتلقائية عجيبة وتخليص البشر من نوبات القلق والتوتر العاجز.

الخوف في جذر كل عدوانية، وهو الأب الشرعي لها، والمرأة هي المخلوق المجاور للرجل والأضعف منه، وهو بذلك مضطر عندما يصرّف عدوانيته فلن يجد غيرها بالقرب منه، يتفنن في أساليب الزجر والتهميش اعتبارا من التهكم والاستخفاف والضرب حتى الذبح، حسبما يوافقه العصر الذي يعيش فيه.

قهر المرأة المزمن لم يترك لها سوى مساحة تمّرد ضيقة تصرّف من خلالها بعض الإعتمالات الخسيسة المناكدة لرجل ترحب دخائله علنا بامرأة ليست حرة وإنسانيتها موضع تساؤل.

 

 

 

ملامح بنية متخلفة   15

 

 

هذا العجز الذي ينتابنا، وهذا الشعور بالنقص وعدم القدرة تجاه الطبي