بسم الله الرحمن الرحيم..
من منا يسلم من المرض ؟.. يضمن صحته للأبد ؟؟ .. أو حتى لمدة شهر قادم ؟؟ يأمن من لحظة يجد نفسه فيها غير قادر على الحركة ؟؟ .. أو على مواجهة الآلام واحتمالها ؟؟
من منا لا يشعر بالأمل حينما تطأ قدماه المشفى ؟؟ ويستقبله الأطباء .. ليقوموا بإجراء اللازم معه بغية إنقاذ حياته ؟
ولكن ... هنا في غزة ؟؟ !!!! .. مع الحصار المفروض عليها وعلى شعبها ؟؟ لا يا إخوتي .. لا ..
هنا من داهمه المرض فإنه يصبح تحت رحمة الله أولاً وأخيراً .. ولكن .. يعتمد شفاؤه على وجود الدواء من عدمه أو على الأرجح .. من عدم نفاذه .. وبمعنى أدق سماح العدو الصهيوني بدخول هذا الدواء الى قطاع غزة ..
شفاء مرضى غزة أصبح يعتمد على الأجهزة الطبية .. هل صالحة وتعمل ؟ أم أنها تعطلت ؟ ولا يوجد قطع غيار لإصلاحها وإعادة تشغيلها .. بسبب الحصار الجائر المفروض على القطاع ؟
الكثير من مرضى غزة علموا تمام العلم بأنهم قد سقطوا .. وأن قبورهم باتت معدة لاستقبالهم .. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ..
بدأت المأساة تتجسد لتفرض ذاتها على مرضى القطاع في يوم الثلاثاء 6/11/2007 حينما توفي المواطن حمدي يونس حرارة (36عاما) .. من سكان حي الشجاعية حيث كان يعاني من فشل كلوي منذ أربعة شهور .. توفي لعدم تمكنه من السفر خارج البلاد لإجراء عملية جراحية بسبب هذاالحصار الخانق ..
لم يفطن المواطن الغزي إلى حقيقة الأمر المفجع .. إلا واليوم التالي الأربعاء 7/11/2007 كان يوم وفاة الطبيب نظمي مصطفى عاشور (50عام) .. من سكان حي الزيتون شرق غزة .. كان يعاني من جلطة دماغية .. توفي على حاجز إيريز بسبب منعه من العبور للخط الأخضر (اسرائيل) لتلقي العلاج ..
وكان قدر الله عز وجل أن تلحق بهم في يوم السبت 10/11/2007 المواطنة عايدة زهير حافظ عبد العال (31عام) .. من سكان حي المشاهرة بمنطقة التفاح وهي أم لسبعة أطفال .. حيث كانت تعاني من مرض سرطان الثدي .. سافرت إلى مصر وتلقت العلاج اللازم واستطاع الأطباء السيطرة على المرض، وعادت إلى قطاع غزة بوضع مستقر وجيد .. توفيت وسط عجز زوجها وقهر أبناءها وفجيعة أسرتها ليس من الموت فحسب ولكن لأنها لم تستطع الحصول على الجرعة الكيماوية في المرحلة الثانية لعلاج المرض.. ذلك لعدم مقدرة وزارة الصحة توفيرها لها بسبب الحصار .. فانتشر المرض بشكل كبير في جسمها حتى توفيت ..
وحيث أن المرض ومن خلفه الموت لا يفرقان بين كبير وصغير .. كان القدر في يوم الأربعاء 14/11/2007 ينتظر الطفلة الرضيعة سناء محمد الحاج (ستة أشهر) .. حيث توفيت في مستشفى النصر للأطفال بمدينة غزة .. كانت تعاني أيضاً مرض خطير لا يوجد له علاج في القطاع .. وحينما رغبت أسرتها بعلاجها خارج القطاع بادرت سلطات الاحتلال بالرفض وعدم السماح لهم بذلك ..
وفي يوم السبت 17/11/2007 .. كان موعد الشهيد نائل صبري الكردي الذي بوفاته صفع قلوب الكثيرين في غزة وربما العالم .. أدماها برحيله وبلهفة ولوعة أسرته ووالدته المكلومة على ولدها وهو يموت أمام عجزها وضعفها وقلة حيلتها ..
يرفضونني أمنياً !! لماذا ؟؟ فأنا مريض .. وما الذي سأفعله عندما أذهب للعلاج ؟؟؟
بتلك الكلمات البريئة أجاب الشاب نائل صبري الكردي (21عام) قبيل وفاته حين علم رفض العدو الصهيوني السماح له بالعلاج داخل الخط الأخضر .. كان يحذوه الأمل في أن يذهب للعلاج وأن يكتب له الشفاء من مرض السرطان الذي داهمه كي يقتله بلا أي رحمة ولا هوادة أو حتى أمل كاذب بإمكانية السفر والعلاج ..
بدأت الصورة تتضح وتلقي بظلالها الشاحبة على سماء قطاع غزة .. لتطل على أرضها.. وتنتقي مرضاها كي ترسلهم الى قدرهم المحتوم وهو الإعدام .. ولكن .. هل مع وقف التنفيذ ؟
بدأ القطاع ينتبه إلى تساقط مرضاه بسبب الحصار .. وبدأ يدرك أن نائل ليس هو الضحية رقم أربعة كما لمسنا في غضون تلك الأيام البسيطة .. بل هو الضحية الإثنى عشر .. ولكن لبدء المنظمات المعنية بحقوق الانسان توثيق هؤلاء الضحايا لتطالب هذا العالم البغيض ببعض حقوقهم الإنسانية فكان ذلك ترتيبه بينهم ..
ما ذنب مرضانا كي يزج بهم في سجن الحصار وهم داخل سجون المرض والألم والعجز والقهر ؟؟ .. داخل سجون الوهم وانتظار القبر ؟؟ ..
وتتوالى الحالات .. وتسارع في السقوط .. ولكن تبقى قصة المواطن محمود كمال أبو طه .. (21عاما) من سكان مدينة رفح .. شقيق الشهيد هشام أبو طه والذي استشهد على معبر إيريز من أبشع القصص التي تثبت لاإنسانية الإحتلال ومدى وحشيته والإرهاب الذي يوثقه بمخالبه وأنيابه القذرة ..
تحدث هاني أبو طه شقيق الشهيد محمود لصحيفة فلسطين عن العذاب الذي واجهه شقيقه محمود في رحلته مع المرض .. حيث أكد أن أسرته مكثت يوماً كاملاً وهي تجري اتصالاتها هنا وهناك وذلك حتى تتعرف على المكان الذي يتواجد فيه ابنها بعد موته .. يوم كامل .. حتى تكرم الاحتلال وأرسل جثته ليتم تشييع جثمانه ..
وإلى بداية مرض أخيه يقول هاني : لقد بدأ مرضه في شهر أغسطس آب الماضي .. وذهبنا إلى مستشفى ناصر بخان يونس .. حيث شخص الأطباء حالته بأنه انسداد في الأمعاء .. وبالفعل تم إجراء عملية جراحية له بناء على هذا التشخيص .. ولكن تكللت مع الأسف بالفشل لأنه اكتشف أن لديه ورم خبيث في المعدة .. وبعد إجراء التحاليل تأكدنا بإصابته بمرض السرطان ..
تم تحويله إلى المستشفى الأوروبي لمتابعة حالته .. ومكث حوالي شهر .. حيث أخذ يتناقص وزنه تدريجياً بعد أن كان 80 كيلو جرام ليصل إلى النصف ..
وفي كل مرة نتقدم فيها للحصول على تحويلة تمكنه من الذهاب للعلاج في المستشفيات الاسرائيلية تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي برفضها وتمنع كل مرافق أن يرافقه وذلك بذرائع أمنية .. ذلك .. دون أن يرحموا وضعه الإنساني الذي أخذ يتدهور في فترة قياسية ..
وفي تاريخ 18- 10 تم الحصول على موافقة السلطات الإسرائيلية على دخوله للخط الأخضر والعلاج في المستشفيات الاسرائيلية ..
ووقف محمود رحمه الله ومعه والده الذي رافقه ينتظران على معبر ايرز .. فاعتقلوا والده لمدة أسبوعين بتهمة نيته القيام بعملية استشهادية والتحريض على عمليات داخل (إسرائيل) .. بينما أرجعوا محمود مرة أخرى دون السماح له بالدخول .. ولم يكتفوا بذلك بل حققوا مع أبيه حول عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي شاليط ..
وفي المرة الأخيرة أذنت قوات الاحتلال لمحمود بالدخول ولكن جعلوه ينتظر في سيارة الإسعاف لمدة ثماني ساعات وهو يصارع الموت حتى توفي بعد دخوله المستشفى بفترة وجيزة ..
ما بين تاريخ 6/11/2007 وتاريخ اليوم 26/11/2007 وصل عدد المرضى الضحايا إلى 18 ضحية توفيت جميعها نتيجة الحصار والإغلاق وعدم إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية وكذلك المعدات الطبية أو قطع غيارها .. توفيت نتيجة إغلاق معبر رفح في وجه المرضى خاصة.. وعدم تمكنهم من السفر للعلاج ..
توفيت نتيجة عدم السماح لهم بالعبور للخط الأخضر والعلاج في المشافي الإسرائيلية وذلك تحت ذرائع أمنية كاذبة ..
توفيت في وقت يتزامن مع الهجمة الصهيونية الشرسة .. والتهديد باجتياح واسع للقطاع للقيام بعمليات إرهابية بحجة القضاء على مطلقي الصواريخ .. وكي يتحقق السلام ..
ففي أي شرع عادل على وجه الأرض اقتضى محاربة الأبرياء من خلال أمراضهم والحكم عليهم بالإعدام مسبقاً .. وحرمانهم من العلاج ومن أبسط حقوقهم الإنسانية حتى بعد الموت .. نعم حتى بعد الموت .. فعدم وجود مواد البناء بسبب هذا الحصار الظالم قد حول الموت إلى مأساة أخرى تتجسد في بناء القبور ودفن الموتى .. وذلك في ظل عدم توافر مواد البناء وإن توافرت ؟؟ فأسعارها أصبحت تفوق الخيال ..
ولا أنسى أيضاً عدم توافر القماش الأبيض المعد للأكفان !!!
هل من العدل .. أن يصبح سقوط مرضانا شهداءاً للحصار أمراً متوقعاً يومياً ؟؟ وفي ظل هذا الصمت العالمي المطبق ؟؟ لماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟
هل لأننا نحيا على أرض غزة ؟؟
إن كنت كارهاً للظلم .. محباً للعدل أترك إسمك وإيميلك هنا ..
ساهم في محاولة لفك الحصار عن غزة ..
من فلسطين