ربما تتنفس الكلمات شيء من وجع الغربه .. فالى مدينتي الوادعة والتي تنام بهدوء على شواطيء دجله  فتح نافذه لادباءها  (بمنتدى الواسطي ) عسى ان نوفيها شيئا من الحب 

        

محسن الذهبي

ربما تنفس الكلمات شيء من وجع الغربة .. والى مدينتي الوادعة واسط والتي تنام بهدوء على شواطيء دجله افتح نافذه لادباءها( بمنتدى الواسطي) عسى ان نوفيها شيئا من الحب..

الثلاثاء,تشرين الثاني 27, 2007


في يوم ممطر
 
موسى غافل الشطري
     
بدت ألأشياء تستكين الى نمط من الرتابة ، و التداعي.و منذ أن تراكمت ألأعوام ، آلت ألأمور أن تتعايش مع المعطيات، بحيث .. جنحت الى حالة تستهوي التعامل بالصمت.سواء هي ذاتها ، أو ألأم الذي أطر الكساح مساحة حركتها.كذلك .. المخلفات . التي ركنت – بعد رحيله- الى الخمول و تشابه الحال.
 حتى .. ذلك القريب للزوجين. الصديق الظريف، المؤنس، كف عن تردده.
ياما... فاجأها بوجوده بعد الرحيل. وياما..ملأ جزءا من ذلك الفراغ الموجع.
 وياما.. خفف، و هوّن همها الطاغي، عبر سنوات عجاف، من الترمّل و القحط، والتوحّد.
وألحّ، أن تستغني، عن تلك المرآة البائسة، المثلومة على نحو جائر.التي أبقاها الزوج .. بنصف مفقود.
كلّما جاء القريب.. نقر على الباب الخارجي بألحاح.تلك النقرات التي كأنها تقول هوّني عن نفسك هذا الهم). فتبدو قسوة التوحد، أقل عبئا.)
قرعت مقرعة الوقت: عشر قرعات . وبدا الصباح رماديا ، هطلا. كأن السماء قد أنفتقت عن نواح ثقيل.
وفي ركن ، بدا –بعض الشيء- شاحبا، انزوت شمّاعة الملابس. وكان من المبرر لها أن تنزوي، و تنصرف عن تأّلق أصابعها، لقلّة المواظبة على محاباتها، فمالت الى الغبرة و استحالت الى كف مشبوحة ألأصابع، نحو السقف، الذي طاب له : أن يبدو مهملا نفسه، و يروق له أن يخلد لذلك و يركن.
بدت ألأشياء ألأخرى .. تتململ من سكونهاببطء شديد. فقط كان هناك فراش ، بوسادة و غطاء، مستلق طيلة ألأيام، الآماندر،لشخصها، أذعن أن يتكيّف مع الصمت و الرتابة.
وأعتادت أن تكون: سوى وهم ، أو شبح ،أو ضمن نمط يؤدي تواصلا حياتيا.لم يغرها به شيء ، سوى.. هناك في غرفة أخرى، ذلك الجسد المقعد، الصامت بأستمرار.
كما.. توسّدت علبة المساحيق، و أدوات الحلاقة: حالة العطل المتواصل. كذلك .. اقفلت تماما، درفتا ألخزان ، على ثياب استكانت للأسترخاء المطبق. ورافقت باستمرار، ألأتكاء على حمالة متوائمة مع هذا المصير.
فلم يُجد.. أن تتواصل، مع حيويّة التنضيد و التعديل.، لكون صاحبها عزف منذ زمن غير يسير.
و تحتها إنبطحت، علبة أفل تألّقها، منغلقة على وثائق:لعقد زواج ، و شهادتين جامعيّتين، و.. وريقات،كانت محفوظة من أيّام الدراسة. ورسائل أصدقاء زاخرة بالنوادر،وذكريات طافحة بالمشاكسةو النصب على صديق.وصورة لقريبهم يقبّل حمارا. فيجري ألأحتفاظ بها ضمن المكتنزات الثمينة.
وفي ألأسفل لاذ ت – بحرص شديد – صورة مزدوجة للزوجين، يوم العرس، وشخصت على جانب الخزان.. رقعة شطرنج،في حين تبعثرت بيادق، كما لو كانت.. قد غلبت بأجمعها. ثم لاذت الى الخلف ، صورة للزوجين بألألوان إلتقطها القريب، بدت هي بملامح ريّانة. متألّقة . باسمة.و قد إزدانت المائدة، التي أمامهما ، ببطيخة ، مفرطة النضوج.. وقد قطّعت.. على نحو نجمة بحريّة حمراء ، لم تخف صاحبة الصورة ذلك ألأنطباع ، عن كونها مولعة بالعبث و ألأعتداد.
لاذت تلك الصورة وكان من الصعب والمؤلم أن تطل الصورتان، فتحرقا شغاف القلب.
وقد كان لهذه العتمة ما يبررها . و أصبح من النادر.. أن يسيح.. فيض من كبوة شمس، على نحو يُعيُنها .، لكي ترجل شعرها. فإكتفت بحظ ضئيل .. بحيث، توقف زهدها.. على قدر يسير ، يكفي أن يقدم خدمة محددة، وعاجلة.فكانت الستائر قد إعتادت أن تنسدل.. أكثر كثيرا مما ينبغي ،، لكون ألأشياء الخارجية, لا تغري براحة البال.
 فلا حديقة مزدهرة- كحالها سابقا – ولا عصافير تقفز و تزقزق . ولا ثمة ما ينبيء، عن حركة زائر ما لصديق أو قريب يذكرها بزوجها، أو بإستمرارها على قيد الحياة. كأنما كل ما جرى سابقا .. قد إنطوى و تراكم ، في موقد الذكريات. وما تبقى ليس سوى .. رماد أحلام مرتبكة.و أصوات .. في أوقات عمق الليل، خادعة.موحية : أنه جاء.أشياء كثيرة. حتى .. إن الحالمة : تكذب الحلم وهي في ذروته.
ليس.. سوى آثار.تتضائل بإستمرار، ما بقي من دأب الزوج.وأدوات الحديقة الصدئة . و لعبة، هي لعبة يفاجأ بها الصديق .. ما أن يمسك بها و يقلبها، حتى يفاجأ بإطلالة رأس أفعى و صوت.
مكثت هذه اللعبة عاطلة على سطح الخزّان. وقد اٌهملت بعد أن بهت كل شيء.وغياب القريب ، الذي كان يتأملها ليستذكر العزيز.
قدماها تخطوان ، كأنهما ممعنتان.. أن لا تزعجا الصمت ، الذي قد إستسلمت إليه، بعد طول مقاومة. فكان حالها .. حال تلك المسجات الكسيحة.
فإستمرّت بالتباطؤ. و إختصرت على نحو مقصود: أن لا توجع إناءامعدنيا ، ولا حتى جهازا حاكيا.
بدت ألأشياء راحلة قبل رحيلها . مكث لائذا.. ذلك الصوت الفيروزي: ( بكتب إسمك يا حبيبي عالحور العتيق..تكتب إسمي يا حبيبي عارمل الطريق. بكرة بتشتي الدني عالأصص المجرّحة.. يبقى إسمك يا حبيبي .. و إسمي بينمحى ).
عنيت عناية فائقة بأن تطويه، بكل حرص،وتخفيه تحت جدران الصمت . و تُشغل.. من فوقه، مشكاة ، يستقر داخلها مشط، مهدى من قريبهما. و نصف مرآةفي ممازحة ، مع قريبه.. أرخى الزوج أصابعه فتحطّم نصفها.
أبقتها الزوجة ، قناعة منها ، إنها كافية ، لكونه : لا يوجد الوجه الذي يطل الى جانب وجهها. حبّذت هي : أن يتعفّر النصف ، لكي لا يبدو واضحا، ملامح تجهمها و اكتئابها.
تتناول المشط، و نصف المرآة ، وتطل بحذر، لكي تحصل – بحذر شديد – على أقل ما يمكن من الأضاءة. و تضل تنسل بشعرها، محدّقة بشرود،لشجرة السدر، المطلّة على الحياة، بوجه نصف ميّت، بعد أن كانت وارفة الظلال، مضيافة. عزفت : أن تثمر من سنين.شح عطاؤها ، منذ أن كان زوجها و قريبهمايطوحان بجذعها، فيجنيان ثمارها ، وهي تأكل بإنشراح.
يروق لها: أن تسرح مع المشط ، المتسلل برتابة .. بكل جهات جدائلها المتحررة. لكأنه يطرد متاهات و أحلام الليل .
كأن الرأس قد فاض، و نضح مع ما تراقص من ذكريات و توقعات .  ليس لجدائلها .. راحة أو تحرر: إلاّ لهذا المشط، الذي بات أنيسا، و مواسيا ، و متفسحا، جنبا الى جنب مع تلك ألأنامل المتعبة ، و تلك الحرائر ، و التي آل بعض شعرها .. أن يميل الى السقوط.، من تعب قد إشتكى منه الفكر. فأين يسقط؟ في كنفها.يتكوّر على نفسه ، أو يستلقي بطوله، أو يلوذ بأسنان المشط.
هي ترقب ذلك . فالمحصّلة: قبضة ..هي هينة، لو كانت وحدها.طوتها ألأنامل ، دائبة أن تجمعه و تدسه في كيس، بدا متضايقابما تجمع فيه، طيلة سني العزلة.
تُوسّع من إنحسار الستارة، كأنّها حيّية ، وتسفر عن فناء رمادي، أوحت ملامحه : عن حياة خابية، منذ أعوام. سوى السدرة اليتيمة ، التي.. كان المفترض: أن تضفي على وجههامسحة مواسية.توشحت بنهار رصاصي متبلد. ونبا جزء منها متسامقا .. متعرّيا، مشرئبّا ، بإتجاه فناء الشارع، كأنه مواضب على ألأنتظار ، ليلا ونهار . فيتعثّر خيال الشجرة، كابيا ومنعكسا، على غدق من نقيع مطري طامٍ.
إنداح الظل من خلف جسد ثاوٍ، وقد إنحسرو تضاءل بشكل ملفت للأنتباه. بدا أمام حدقتيها:حال تلك الشجرة ، تفقد أوراقها بإستمرار . وقد لاح ذلك الجزء الناضب ، موحيا بإنكساف ، معمّقا لونه الداكن: همي مطريُ متواصل.
كانت أنيستها حمامة دائحة، تبث لواعجها. قابعة بوحدانية. تستدير برأسها القلق.و تظل تجتر صوتها، عبر عنقهاالمطوّق، و الذي ينبر بترددات متواصلة، أو متقطعة، فتفهم الثاوية: أنها فعلا تبحث عن أنيس، فترهف السمع، الى الصوت ذو النبرة البحّاء، وتفهم: انها الكلمات نفسها. نداء البحث عن الصنو.فتردد معها ذلك النداء ( يا قوقتي.. وين أختي .. بالبصرة.. وشتاكل .. كوك الله) ، صوت حزين يناغمها ، لم يحظ في أحد ألأيام ، بلهجة بهيجة.
مرّات .. بل مرّات عديدة..وعلى مرّ ألأعوام لايمكثن طويلا.. حتى مجيء القرين فترفّ بجناحيها ، كانها تصفق فرحا. ولا يمكث .. سوى ذلك الفراغ الجاثم، الذي يذكرها دائما : إن شيئا قد اٌفتقد. وانها ليس سوى لكم لجراحها.
يتواصل همي المطررتيبا كأن مشطاً ساواه، و تركه متشابها في هطوله.كأنه ينسل هموما رمادية. لا توجع ألأرض فحسب ، بل تزيدها غدقا و صليلا.وكأن أوراق السدرة المتبقية، قد إلتصقت محتمية بالأخريات
كان المفردات تحن الى ألأزدواج.كأن السماء.. ميّالة .. أن تجعل للأشباه صنوا تتكيء عليه. فالأتكاءضروري.. في أيام هطولة كهذه..الموحلة الباردة.
في ألأيام الخوالي.. تنحسر الستارة ، بأنامل نشطة و تدفع بها جانبا الى الزاوية.فتلوح أزهار ألأقحوان و القرنفل ، وشقائق النعمان ،و شجرة السدر الوارفة ، و المنعكس ذلك كلّه ، على زجاج النافذة. و التي تعكس كل هذه ألأشياء المبهجةعلى المرآةالمتكئةعلى ألأريكة.فتترك إحساسا: بأن البيت حديقة مدوّرة. والحاكي يرسل ألحانه الراقصة ، وتلك ألأغنية الرافلة ، بالعتب و الشوق ( حبيبي آل اُذكريني.. لما بيجي الطير .. ويعشعش الطير .. بالشجرة الحنينة).
يغوص المشط بليل الجدائل. وصقيع الوحدة يجثم على الركبتين. وألأطراف. و الفم..لم ينبس ببنت شفة. و النشاط حكر على الذهن . و المرآة خلا إطارها من النصف ألآخر. فلا إتّكاء على أريكة ، لكي تعكس بهجة الفناء.. ولا بهاء بهيج. فقد أسهمت قبل هذا ، بإنعكاس حي، متألّق للحديقة، لتطرد على نحومتواصل، ذلك الشحوب الصباحي. و كأن الشحوب – آنذاك –له ما يبرره.لقضاء صباحات هادئة، بعد ليل مكتظ باللهو و الممازحة.
كانت تعشق كل ما يصنعه الزوج.تعبد إبداعاته .ومفاجآته التي لا تخطر ببالها.
كم حلّ من أذى لهذه ألأعوام؟ كم دفعت من ثمن لها؟ دون أن تجازف بتفريط ، ولو جزء ضئيل منها. كم فقدت من لونها المتألّق.. حتى إستحالت إلى هذا اللون الرمادي؟
   بقي المشط يسرح : مواسات لتلك ألأصابع.. التي بدا عليها: ذلك ألأرتعاش الخفيف. تلك البرودة المؤذية لأطرافها. حتى لون الملابس بهت ، و المواعيد كذبت. حتى قريبهما العزيز، أجفلت ذكراه. و كذبت مواعيده .الى متى .. هذا الصقيع الذي ينخر العظام؟؟؟
وما زالت خصل الشعر تسقط و تفترق.وما زالت الثاوية تحدق بالشجرة .كأنها .. تطل عبرها الى الفناء  . وإلى تلك الحمامة الدائحةالتي حطّت وسط الهطول و رأسها يستدير ، بذلك البحث القلق ، مرددة ندائها: ( وشتاكل .. كوك الله. وشتشرب.. ماي الله ).
تواصل ذلك النداء بإلحاح. مرّات يتأنّى ، ومرات يتواصل. كانت الدائحة تبدو: كما لو أنهامتوترةألأعصاب. و كان صوتها يهز كل كيانها الصغير. وكان يبدو..أكبر و أكبر من ذلك الجسد.
تبدو أحيانا تنسل ريشها بمنقارها. وتنتفض، ثم تواصل ذلك النداء، الذي يرهقها أحيانا.فيبدو سحيقا و أليما.
تصالب الجسد الثاوي فوق المقعدمنصرفا بكامله، الى ذلك ألأصرار ، وقد إستمر دون إ نقطاع، حتى ليبدو : إن الصبر قد نفذ.وإن الثاوية تتطلّع،ولو.. الى طرقة يتيمةعلى الباب.لكن ذلك .. بات وكأنه بعيد. فمن الذي سيجيء؟...
كان المشط قد توائمت حركته مع نداء الدائحة. وتوقف، حتى فوجيءبطير آخر يحط الى جابها، فيتهامسان و يحلّقان.
الى متى تتطلّع الثاوية ، بهذا الهمي المتواصل؟ نظرت الى المشط، وإنتزعت خصلات الشعر، الملتفّة بين ألأسنان. كانت.. ثمة واحدة بيضاء. فوجئت لأنها لم تر.. رغم المحاكاة مع المرآةفي كل يوم، لم تر.. مثل هذه الصهباء الكريهة . التي بدت من طولها : إنها ليست بنت اليوم.. وإن المشط و المرآة غادران.
من أية جهة كانت؟َمن الواضح أنها لم تكن من الخصل ألأمامية. فلو كان هذا حاصلا.. لكانت أقل طولا بكثير. رغم إن ذلك .. لايشفع لهفوة نصف المرآة.
جاءت بقطعة قطنية، ومسحت بقايا المرآة، لكي تتأكد..من خلو الجهة ألأمامية. ربما.. كان لتحطمها سبب. فلو كانت بحالة سليمة وصافية، لما خفى عليها خاف.
وإنبهرت أمام عينيها ،تلك العتمة، التي حوّطت العينين، والغضون المبكرة.كما لاحظت:إنها أهملت نفسها كثيرا. وفي خلدها ثبت إصرار: انها آيلة الى حالة أمها.
الى متى ذلك الصقيع بألأطراف؟ إنها تُسرق ببطء. و تُغلب دون مقاومة.
رفعت قامتها و إبتعدت، دون أن تجمع ، ما كان عالقا بالمشط. حملت نصف المرآة ، بيد مرتعشة .. فهوت من يدها متحطمة. و إستلب إهتمامها ، ما فوجئت به ، من نقرات على الباب الخارجي و صوت مهطول، يستنجد بالدفء.
 
 18/1/2001