احترت كثيرا ما أكتب لها في هذه الرسالة العاجلة ، لأنها ليست رسالة عادية تبدأ بمقدمة و تنتهي بخاتمة، هي رسالة خاتمتها بداية و بدايتها خاتمة لكن من نوع مختلف.

إلى حبيبتي ..

اليوم هو يومي الأخير قبل إنضمامي إلى سرب الطيور المهاجرة، و اليوم سأخلع لباسي لأرتدي لباس الغربة و الشوق و الحنين.

اليوم سأودعك على أمل اللقاء، حالي حال العشّاق و المتيمين، يعيشون دائماً على أمل اللقاء و يموتون على نفس الأمل.

27 عاماً قضيت منهم سنوات لا باس بها في غربة، لكن هذه المرة غربتي من نوع آخر، غربة بطعم الرحيل الإجباري، غربة بطعم العلقم.

غداً ستبدأ رحلتي مع غربة بدايتها 5 سنوات و نهايتها لا يعلمها إلا الله، فكثيرون ركبوا موجة ال 5 سنوات و قليلون هم من تمكنوا من الخروج منها.

اليوم سأودّعك ، حبيبتي التي كل ما أتيت إليها يجبرني القدر على الرحيل عنها، تلك التي طالما حلمت بقضاء أمسياتي الدافئة في حضنها و أن تداعب شعري كما كانت تفعل سابقا، تلك المليكة التي طالما أسمعتها من بحور الحب و الغزل الشيئ الكثير، فوعدتها بأني لن اتركها يوما و بأن حياتي من دونها لا طعم لها و رائحة و بان الموت وحده الموت من سيبعدني عنها، و ها هي اليوم أدركت بان وعودي لم تكن سوى أوهام ، سوى قلاع من رمال ، و لوحة خمرية غير مكتملة.

غربتي اليوم شديدة المكر ، الخبث، شديدة القسوة، غربتي اليوم عن عائلتي التي تحتاجني اليوم كما احتاجها أكثر من أي يوم مضى، و أصدقائي الذين باتوا اليوم ركنا أساسيا من بنياني و هواء نقيا وسط ما أعيشه من تلوث، و الأشد وطأة هو غربتي عن بلدي، ذاك البلد الذي لو خيروني ما اخترت غيره .

لن أكثر الكلام، ففي مثل هذه المواقف تموت الكلمات و تختنق الأحرف قبل أن تتخلق، يبقى فقط ذاك الطعم المرير في الحلق و تلك الغصة البائسة في القلب و دمعة في العين تنتظر اللحظة المناسبة لتعلن عليي التمرد و العصيان.

إلى حبيبتي ..

ما أكتب لك ..

إلى حبيبتي .. و كفى !

Most Commented Posts