حالت ظروفي العائلية دون أن أكمل رحلة غربتي.. و أصرت على أن تطأ قدماى مصر بعد رحلة تقارب الأربع سنوات أو أقل قليلا... بالتأكيد كنت لا أفارقها حبا... و لا أبعد عنها أكثر من ثلاث أشهر..ثم يقاتلني الحنين إلى أن يقودني أسيرا بالاشواق أليها...ساجدا برأسي على ترابها....مغردا بأنشودة حبها....
ولأن الغربة مرة.. و بالكاد قلة من المصريين من يتغلبون على قوى الخير المحركة لحب مصر بين خلجات صدورهم ....مختلطة بدماء تسري في عروقهم تنبض بها قلوبهم....فإنهم ليسوا كغيرهم و منهم أنا و قد تغلبوا بقسوة على تلك المشاعر و كمموا الآهات... و قيدوا الرغبات في العودة... و تأمركوا أو تأروباو ... أو حتى تعربوا...
ذلك الفيروس الحميد المدعو...غربة... استشاطت به خلايا مخي..فلم أقدر على الاستمرار أو تحقيق الهدف الذي من أجله غادرت مصر قسرا..مرغما رغم أنفي..بعد أن علت يوما كرامة الكريم مكر الأمريكان.. و بعد أن أصبح الفقر قدرا لمحاربي النفاق...رحلت مبتعدا..بل مبتدعا طريقا ...وصفه أحدهم ..من حمر الوجوه ..زرق العيون... بأنه رحلة نحو المبادئ لرجل ذو مبادئ... و كانت شهادة عزة و فخر ..أتباهى بها فوق أية تكريم حظيت به مع تلك الزمرة من تجار الموت..ملتحفا بالالاف من الورق الأخضر ..يهبط عليك لا تدري من أين و كأنه مطر من السماء... و بين علامات تعجب من الأهل و الأصدقاء.. و بين غضب من غضب لتنكري لنعمة من الله بها علي كما رأى آخرون.. حزمت أمتعتي متجها شرقا بحثا عن لقمة حلال في زمن عز فيه الحلال و أصبح عملة نادرة في سوق سوداء تتاجر بكل ما هو محرم...
و بين تلك اللحظة و لحظة قرار العودة....مراحل كثيرة...سبرت بها أغوار نفس بشرية ..كثيرة الخطأ... و كثيرة الندم... محبة لله.. و محبة للناس... و لأن حب الله نعمة...فقد من على بحب من الناس... رغم أن تقيمي لنفسي لا يتعدى ثلاثة من عشرة...لكنى كنت أؤمن بأني علي جادة الصواب..حتى و إن حادت بي أمواج بحرية غادرة تغرقني قليلا بمياهها المالحة فلما أستطعمها أدرك مرها فأعود سابحا ضد التيار لتلك الجادة.. أو أحيانا و قد غاصت قدماي في رمال متحركة..فلا أجد غير الله و قد انتشلني من تلك العثرة لأسعى راكضا نحو الحياة مرة أخرى... رحلة إنسان ضد النسيان.. رحلة البأس في جهاد النفس...
حاولت العودة ولما قررت ..راسلت إحدى شركات التوظيف.. و خلال ساعات كان الرد جاهزا بإحدى شركتين ترغبان في الاستعانة بخبرات مماثلة لخبراتي و مهارات كالتي أحوزها بفض و نعمة من الله... و لما جاء يوم المقابلة الأولي..... دلفت إلى تلك الشركة... و إذا بالمقابلة تتضمن مقابلة مدير أمن المجموعة القابضة... تخيلت و أني سأقابل مندوب الموت عزرائيل... و تساءلت لماذا هذا الإجراء... أجابت و بحزم أنها سياسية الشركة التي لا ترغب في توظيف أحد ما إلا و قد تم الكشف عليه أمنيا؟!!... دلفت..أليها..حدائق غناء.. مبان زجاجية فخمة تضاهي مباني الشركات العالمية في أوربا و شرق آسيا..حدائق ..مواقف... أمن محترم... و في الطرقات الداخلية للمبني.... وجدت صلبانا... وجدت صور للقديسين و الباباوات الحالي و السابقين... لم تتملكني رهبة...بل تملكتني أسئلة محيرة... لأن العمل و التجارة هو عمل و تجارة و ليس مجالا للمباهاة بين الأديان... وقعت عيناي على تلك الآنسة أو السيدة المحجبة الوحيدة التي يدل زيها على إسلامها .. خلف زجاج مكتبها و عيناها على حاسوبها... حسدتها على جرأتها و إقدامها على العمل في تلك البيئة... ليس احتقارا باختياري كلمة بيئة..أو تقليلا بقدر ما تعجبت من اختلاط الدين بالعمل بهذا الشكل الفج..حتى أن مكتب السيد مدير أمن الشركة...قد خطت جدرانه بآيات الكتاب المقدس و ثلاث صلبان مختلفة الإحجام و الأشكال..لكنها تؤدي قطعا غرض مريدها... لم تهمنى تلك الحالة الاستفزازية... بقدر ما همنى لقاء ذلك الرجل لأنها المرة الأولى التي سأخوض فيها كشف هيئة بعد سنوات من كشف هيئة كل كلية البوليس و كلية الحربية و اللتان اجتزتهما باقتدار..كفلا لي شرف الالتحاق بالحربية لمدة لا تزيد عن ساعات ..كانت كفيلة بمنحي فرصة الاختيار بين الآدمية أو العبودية.... فاخترت ما يكفل حريتي طبعا.. و هكذا لقيت ذلك اللواء المسيحي صاحب الابتسامة المشرقة و الضحكة الرنانة... تحادثنا... تبادلنا الأسئلة...و تعدينها للحديث عن الجوانب الإنسانية و الحياتية لكل منا...و زاد ترحيبه بي.. عندما علم من سياق الكلام قرابتي لبعض أصدقائه في الكلية و في العمل أثناء خدمته في البوليس.. و قرر الموافقة على تعيني..في مفاجأة غريبة أن تكون تلك الموافقة ليست مهنية بل أمنية؟!!!!و كأنني أتقدم للعمل في مجلس الدفاع الوطني؟! المهم أن مدير القطاع المالي تفضل مشكورا هو الآخر بتجاذب أطراف الحديث معي.. و كأنه يتأكد من بطاقة المرور الخضراء التي منحني إياها مدير أمنهم؟!! و سألني في تخصصي سؤالين كانت أجابتهم كفيلة بالتأكيد على نفاذ بصيرة رجل الأمن و حسن مداركه و اختياره... و أصر رجلهم المالي على مرافقتي بطريقة غريبة لموقف السيارات..في لفتة كريمة كما اعتقد.. بل أصر على أن أحصل على البركة..توقفت قليلا و سألته هل لديكم كشوف للبركة أيضا...ضحك..بل كاد يسقط ضحكا..و قال لا بل البركة من هاتين السيارتين... و التفت إليهما فإذا يهما سيارتان تعود أحدهما لحقبة الخمسينيات بينما الأخرى لبداية السبعينيات و مطليتان بلون أسود يتلألأ فيهما نياكل لامعة و تحتفظان برونقهما ..فقلت أهما لملاك المجموعة..رد قائلا لا بل أحدهما كانت مخصصة لنيافة الأنبا "كيرلس" و الأخرى كانت للبابا الحالي... شكرته على دعوته بحرارة..و قلت لدي موعد و عند التحاقي بالعمل سأعمل جاهدا علي نيل البركة... و أشرت له بالسبابة و الإبهام ضاحكا كإشارة معتز الدمرداش عند حديثه عن الفلوس في برنامجه اليومي!!!
و في نهاية الأسبوع كنت على موعد مع الشركة الثانية... مصنعا كبيرا.. غير منظم..قيل لي أن رواتبهم جيدة..قلت لا يهم المهم بيئة العمل التي ستسمح بالابتكار و خلق الجديد و تعظيم الأرباح و خفض النفقات بطريقة سليمة لا تعيب الهيكل التنظيمي أو تؤثر سلبا على الأداء.. دخلت ...بسم الله الرحمن الرحيم... آية الكرسي.. هذا من فضل ربي.. منطقة محظورة على الرجال... حضانة الأطفال( ممنوع تواجد الرجال)... الكل ما شاء الله ملتحي ... على المكاتب جميعها دون استثناء مصاحف مستوردة من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.. و أسفل كل مكتب شبشب لزوم الوضوء... جلست في مكان الانتظار ..انتظارا لموعد المقابلة... مع السي اف او... و مالوا... اجتازت الساعة خمسة و عشرون دقيقة بعد الموعد دون احتراما أو تقديرا للآخر.. و هممت بالرحيل... و إذا بالسكرتير يدعوني لمقابلة الرجل.. و لما دخلت عليه مسلما..و إذا بآذان الظهر يصدع في المكان عبر ميكروفونات معلقة بالسقف... قال لي محذرا لا اجتماع قبل أداء الصلاة... هل أنت متوضأ... قلت له لا... قال الحمام على يسارك آخر الطرقة..ذهبت و في الطرقة وجدت كل يمشي بنوع مختلف من الشباشب.. مشمرا عن قدميه و ساعديه.. متكاتفا بفوطة مختلف لونها عن الآخرين... و المياه تتساقط من المتجهين لمكان الصلاة.. التي دامت لأكثر 30 دقيقة.. و بعدها عدت للرجل.. بدا كأنه مشغول...أو متشاغل ..لم يعنيني الأمر كثير... قال لي أخيرا ما عملك؟!! قلت له أجيد العمل في مجال الإدارة في مواقع متعددة و لكني بالتخصص أبدع في مجالين العمليات البنكية و التجارة الخارجية... تجاذبنا أطراف الحديث.. بادرني بالسؤال عن الراتب الذي أتوقعه رددت عليه.. و في ردي كانت النتيجة مرتسمة على وجهه و توقعت انه لا يحصل على ربع..بل عشر ما طالبني بقوله؟!!! المهم أنه في توديعي لم ينسي أن يشملني ببركته و أهداني كتاب (رجال حول الرسول) للراحل المبدع "خالد محمد خالد"...
ذهبت لبيتي و مددت جسمي في السرير أتساءل عن مصر و عما يجري فيها... بيزنس مذهبي و أناس متخندقين كأنهم يعدون العدة للانقضاض على بعضهم البعض... الادعاء و الرياء ظاهرا بفجاجة في كل من الشركتين ... كل يحاول أن يصبغ دينه كشعار للمؤسسة... تساءلت بيني و بين نفسي .. هل كوني لم اعمل في شركة محلية جنبني رؤية هذه المظاهر.. أم العمل في الشركات الأجنبية و المتعددة الجنسيات له من القوانين ما يجنب الموظفين رؤية هذه الأمثلة من التطرف الديني حتى في التجارة....
قررت الرجوع في قرار العودة... و الرحيل مرة آخري.... و فعلا سافرت في أواخر أكتوبر... و لما عدت لمصر في إجازة عيد الأضحى ... وجدت خطابين من كلا الشركتين...فوضعتهما فوق بعضهما البعض... لا أدري أيهما يمثل الهلال .. و أيهما يمثل الصليب ... و قمت بتمزيقهما ...في لحظة جنون و كره لكلاهما....و ما يمثلانه من تجربة مريرة ... و بعد لحظات ولى الغضب... و فتحت جهاز الحاسب خاصتي و كتبت نصا واحدا معتذرا بلهجة راقية لكليهما ... و طبعت الخطاب مرتين... و وضعت كل منهما في مغلف أبيض... و عنونتهما ...عناية السيد/ مدير القطاع المالى.... شركة... رع... شركة... غراب..أعتذر عن قبول عرضكم الكريم.... مع التحية