
أهدى سعد الله ونّوس أعماله الكاملة إلى ابنته ديمة، إلى جيلها والأجيال التي تليها، كاتباً: «ليس في نيّتي أن أقدّم لكم أيّة وصيّة. أوّلاً لأنّي لا أملك هذه الوصيّة. وثانياً، لأنّ أيّة وصيّة لا تبلورها التجربة والمعاناة هي نوع من اللغو والإنشاء. كثيراً ما حلمنا أنّنا سنترك لكم زمناً جميلاً، ووطناً مزدهراً. ولكن علينا أن نعترف ودون حياء، أنّنا هُزمنا وأنّنا لم نترك، إلاّ زمناً خراباً، وبلاداً متداعية». وهو عندما كتب ذلك، كان يدرك تماماً أنّ «الناس يسخرون من الوصايا، وهذا أمر معروف»، كما يقول ميلان كونديرا في «الوصايا المغدورة»، لذلك لم يُرِدْ أن يحجب عن ابنته ومجايليها، ولاحقيها، متعة البحث والاكتشاف، ومرارة التجربة والمعاناة في ظروف كالتي تحياها أوطاننا، و لم يُرد أن يفرض حكماً مسبقاً، لأنّه واثق أنّ أيّ حكم لا تدعمه التجربة أو ترسّخه الوقائع، يكون سريع الانذرار في الخواء، ويكون ضرره أعظم ممّا قد يدرّ من فائدة..
ديمة ونوّس تكتب في إهدائها باكورة أعمالها: «إلى سعد، روحه التي لاحقت هواجسي واحتضنت قلقي، جعلتني أملأ ذلك الصمت الكئيب بتفاصيل صغيرة أو كبيرة، جعلتني أتحمّل الصمت وأحبّه... إلى روحك التي أعشق أهدي تفاصيلي الأولى». «تفاصيل» هي المجموعة القصصيّة الأولى، للكاتبة، وقد صدرت عن دار المدى، وتقع في مِئة صفحة وصفحة من القطع الوسط، وتضمّ تسعة تفاصيل/قصص، كلّ تفصيل منها مسبوق بلوحة فنّيّة، إضافة إلى الإهداء، ومقدَّمة تمثّل شهادة هي فيزا الدخول إلى عالم الكتابة الرحب، الشاقِّ، للكاتب فيصل درّاج، الشاهد على تجربتين، ونوّس الأب، وونّوس الابنة، إذ يكتب في تقديمه: «تنطوي هذه الكتابة على شهادة مزدوجة: شهادة على زمن موحش ـ يملي «التداعي» مبتدأ للكتابة. وشهادة على مجتمع يجعل من ممارسة الأدب مهنة شاقّة. إذ لا موقع للأدب في مجتمع يلهث وراء رغيف مفقود. هذه كتابة تدافع عن الأدب وهي تدافع عن الحياة. أو تدافع عن العلاقتين وهي ترى إلى زمن تحرّر من التجانس والتكرار» . بالتأكيد لا أنوي عقد مقارنة بين أدب الأب وكتابة الابنة، ولكن لا يكون حديثٌ عن كتابة الابنة دون ذكر الأب وتراثه، الذي أسّس مسرحاً يميّزه، وخلّف تراثاً مسرحيّاً أصيلاً، وهذا ما يزيد مسؤوليّة الكاتبة في تجربتها، وهي تسير فيها واثقة الخطوة، قويّة بروح وصوت الأب.
تفاصيلها/ قصصها، هي غوص وإيغال في الجزئيّات التي تتراكب لتتشكّلَ لوحاتٍ حياتيّة معاشة، وهي تمعُّنٌ في التراسيم والحالات المختلفة التي تشكّل خلفيّات لوحاتها المكتوبة والمرسومة.. كما أنّ الكاتبة تصرّ أن تختطّ لنفسها خطّاً يميّزها، وذلك من خلال تركيزها الثلاثيّ الأبعاد على التفاصيل، ومن خلال سردها المتنوّع في كلّ قصّة، كأنّها تكتب خطط عملٍ لما سيأتي، وكأنّ كلّ قصّة تشكّل امتداداً لأجزاء أو فصول سابقة، تكتب عن أيّامٍ في زماننا، غير بعيدة عن «يومٍ من زماننا»، لأنّ الواقع يشكّل امتداداً لتلكم الأيّام، والماضي القريب ما يزال مستمرّاً في الحاضر، ويستميت للاستمرار، لكنّ النهاية تلوح في الأفق، تسعى من خلال تعرية الزيف الممارَس إلى تبديد عتمة الليل المستمرّ. تسخر من المزاودات والشعارات البرّاقة التي تحاول أن تخفي عرياً تراه، كما رأى ذاك الطفل الملك عارياً، وجهر بما رآه.. وهي تدافع عن الجانب النيِّر كي لا يستمرّ التضليل نَيْراً يثقل على الكواهل، ويعمي الأبصار في تلاعبه بالمصائر..
التفاصيل هي الملامح والصفات على السواء، هي العادات المكتسبة والجديدة التي تقتحم حياة الشخصيّات، (ص 12) وتقحَم فيها، دون تردّد لتقتل العادات الصلبة، كما أنّها تفصّل في
كلّ تفصيل ترسمه، لتنقل الصورة كما هي، حيث التفاصيل تختلف من شخص إلى آخر، وهي لوحات جداريّة (ص21 )، وهي الكلمة السحريّة التي تعبّر عن معنيين متناقضين، مثلها مثل الطرب، الدالّ على الحزن والفرح كليهما، إذ أنّها تدلّ على السرّ والعلن، وهي تخفَى في البواطن، كما أنّها قد تظهر وتنكشف للعلن، وهي تتساوق في ما بينها لتؤرّخ لحياة مُنبناةٍ على تفاصيل، صغيرة وكبيرة، مشوقة ومعشوقة، متخيَّلة وواقعيّة، معتاد عليها، مهروب منها، وما تصف به شخصيّتها «سهر»، في التفصيل الثامن ينطبق عليها تماماً، عندما تصفها: «شغفها بمراكمة تفاصيل حياتيّة خلق في روحها همّاً لا تقل أهمّيّته عن أيّ همٍّ فكريٍّ أو وطنيّ».(ص86).
كما أنّها تبدو مشاكسة في قصصها، غير هيّابة في الاقتراب من المحظور السياسيّ المفروض، واقتحامه، وهي تسعى إلى التطوير في آليات فضح الأساليب الملتوية، كما يطوّر المفسدون في آليات فسادهم، وفي توسيع منظومة الضلال التي تضمّ مريدين انتهازيّين جددا كلّ يومٍ، لتودي بكلّ أصيل أو ملتزمٍ، كما أنّ القارئ يشعر وكأنّه يكمل قراءة سِيَر حياة شخصيّات مسرحيّة ونّوسيّة في سرد قصصيّ مُمَسْرَحٍ، ومن ذلك مثلاً، شخصيّة رجل الدين المدّعي، الشيخ محمّد بلّوط، في التفصيل السابع، «عمر»، حيث يتاجر بالدين وبلقمة الشعب متحايلاً على البسطاء والمساكين، وكأنّه امتداد أو استنساخ أو تطوير لشخصيّة الشيخ عبّاس في «ملحمة السراب»، أو الشيخ متولي في «يوم من زماننا»..
ولا يخلو كلّ تفصيل من النقد الموجّه إلى قوى الفساد والتقييد، ومن ذلك، التجريد من الوطنيّة لكلّ مَن يدافع عن الوطن، سحق الوطن تحت مسمّيات شتَّى، ومن ذلك بعض الوارد منثوراً هنا وهناك: «جرّده من وطنيّته التي اقترن وجودها بوجود الشعارات الممجوجة والفكر المتحجّر. خوّنه وما أسهل التخوين. اتّهمه بالتعامل مع جهات خارجيّة للتآمر على الوحدة الوطنيّة والمبادئ الثابتة». (ص16). و كذلك: «كانت مدرّبة مادّة الفتوة تنبح بكلّ طاقتها كأيّ عسكريٍّ مخضرم». (ص17) . «سبّ الشعارات التي حوّلت الوطن إلى بركة آسنة لا يسكنها سوى البعوض الشرس». (ص23). «فالوطن يتغاضى عن حوادث السرقة التافهة أمام عظمة الأشخاص وقدراتهم البنّاءة...». (ص47). «إن عشت يجب أن تأخذ إذناً وإن متّ أيضاً، إن تزوّجت وإن انفصلت... أمر عجيب. الوضع لم يعد يطاق». (ص68 .)
اعتمدت الكاتبة مبدأ التغلــيب في كتــابتها تفاصيلَها، إذ أنّ ستّاً من القصص التسع، معنونــة بأسمــاء ذكـوريّة، وثلاثا منها أنثويّة، وهي على الترتيب: «جعفر، مها، جهاد، فؤاد، حنان، سميح، عمر، سهــر، محمـّد»، دون أن تتوقّف كثيراً عند ذكورة أو أنوثة، لأنّ البلاء عندما يعمّ يودي بكلّ التفاصيل، ويقضي على الجميع، وما ابتداؤها بجعفر وانتهاؤها بمحمّد، إلاّ عزف منوّع، وإنطاق لبعض المخرَس، فضح لبعض المزوَّر، تنغيم شاعريّ لبعض المحكيّ.. تعدّدت التفاصيل والغاية بقيت واحدة، وهي التغلّب للأدب، وتغليبه، وتزكية الإنسان في الدواخل، سعي إلى تحقيق ما ختم به سعد الله ونّوس إهداءَه: «أودّ أن تكون الطاقات المخزونة في أعماقكم أقوى من هزيمتنا ورؤانا، ومن يدري! فقد تجدون الجملة السحريّة التي يغدو بها الزمن جميلاً، والبلاد مزدهرة». يبدو واضحاً، من خلال الكتابة، أنّ ديمة ونّوس قد التزمت بوصيّة أبيها الذي اعتكف عن الإيصاء بشيء محدّدٍ، واختارت أن تشقّ طريقها في عالم الكتابة، وما «تفاصيل»، إلاّ محاولة بحث من الكاتبة عن أسباب الهزيمة التي تكمن في التفاصيل التي يُغَضُّ عنها الطرف، هنا وهناك، والتفصيل فيها، للقضاء عليها.
ديمة ونوّس تكتب في إهدائها باكورة أعمالها: «إلى سعد، روحه التي لاحقت هواجسي واحتضنت قلقي، جعلتني أملأ ذلك الصمت الكئيب بتفاصيل صغيرة أو كبيرة، جعلتني أتحمّل الصمت وأحبّه... إلى روحك التي أعشق أهدي تفاصيلي الأولى». «تفاصيل» هي المجموعة القصصيّة الأولى، للكاتبة، وقد صدرت عن دار المدى، وتقع في مِئة صفحة وصفحة من القطع الوسط، وتضمّ تسعة تفاصيل/قصص، كلّ تفصيل منها مسبوق بلوحة فنّيّة، إضافة إلى الإهداء، ومقدَّمة تمثّل شهادة هي فيزا الدخول إلى عالم الكتابة الرحب، الشاقِّ، للكاتب فيصل درّاج، الشاهد على تجربتين، ونوّس الأب، وونّوس الابنة، إذ يكتب في تقديمه: «تنطوي هذه الكتابة على شهادة مزدوجة: شهادة على زمن موحش ـ يملي «التداعي» مبتدأ للكتابة. وشهادة على مجتمع يجعل من ممارسة الأدب مهنة شاقّة. إذ لا موقع للأدب في مجتمع يلهث وراء رغيف مفقود. هذه كتابة تدافع عن الأدب وهي تدافع عن الحياة. أو تدافع عن العلاقتين وهي ترى إلى زمن تحرّر من التجانس والتكرار» . بالتأكيد لا أنوي عقد مقارنة بين أدب الأب وكتابة الابنة، ولكن لا يكون حديثٌ عن كتابة الابنة دون ذكر الأب وتراثه، الذي أسّس مسرحاً يميّزه، وخلّف تراثاً مسرحيّاً أصيلاً، وهذا ما يزيد مسؤوليّة الكاتبة في تجربتها، وهي تسير فيها واثقة الخطوة، قويّة بروح وصوت الأب.
تفاصيلها/ قصصها، هي غوص وإيغال في الجزئيّات التي تتراكب لتتشكّلَ لوحاتٍ حياتيّة معاشة، وهي تمعُّنٌ في التراسيم والحالات المختلفة التي تشكّل خلفيّات لوحاتها المكتوبة والمرسومة.. كما أنّ الكاتبة تصرّ أن تختطّ لنفسها خطّاً يميّزها، وذلك من خلال تركيزها الثلاثيّ الأبعاد على التفاصيل، ومن خلال سردها المتنوّع في كلّ قصّة، كأنّها تكتب خطط عملٍ لما سيأتي، وكأنّ كلّ قصّة تشكّل امتداداً لأجزاء أو فصول سابقة، تكتب عن أيّامٍ في زماننا، غير بعيدة عن «يومٍ من زماننا»، لأنّ الواقع يشكّل امتداداً لتلكم الأيّام، والماضي القريب ما يزال مستمرّاً في الحاضر، ويستميت للاستمرار، لكنّ النهاية تلوح في الأفق، تسعى من خلال تعرية الزيف الممارَس إلى تبديد عتمة الليل المستمرّ. تسخر من المزاودات والشعارات البرّاقة التي تحاول أن تخفي عرياً تراه، كما رأى ذاك الطفل الملك عارياً، وجهر بما رآه.. وهي تدافع عن الجانب النيِّر كي لا يستمرّ التضليل نَيْراً يثقل على الكواهل، ويعمي الأبصار في تلاعبه بالمصائر..
التفاصيل هي الملامح والصفات على السواء، هي العادات المكتسبة والجديدة التي تقتحم حياة الشخصيّات، (ص 12) وتقحَم فيها، دون تردّد لتقتل العادات الصلبة، كما أنّها تفصّل في
كما أنّها تبدو مشاكسة في قصصها، غير هيّابة في الاقتراب من المحظور السياسيّ المفروض، واقتحامه، وهي تسعى إلى التطوير في آليات فضح الأساليب الملتوية، كما يطوّر المفسدون في آليات فسادهم، وفي توسيع منظومة الضلال التي تضمّ مريدين انتهازيّين جددا كلّ يومٍ، لتودي بكلّ أصيل أو ملتزمٍ، كما أنّ القارئ يشعر وكأنّه يكمل قراءة سِيَر حياة شخصيّات مسرحيّة ونّوسيّة في سرد قصصيّ مُمَسْرَحٍ، ومن ذلك مثلاً، شخصيّة رجل الدين المدّعي، الشيخ محمّد بلّوط، في التفصيل السابع، «عمر»، حيث يتاجر بالدين وبلقمة الشعب متحايلاً على البسطاء والمساكين، وكأنّه امتداد أو استنساخ أو تطوير لشخصيّة الشيخ عبّاس في «ملحمة السراب»، أو الشيخ متولي في «يوم من زماننا»..
ولا يخلو كلّ تفصيل من النقد الموجّه إلى قوى الفساد والتقييد، ومن ذلك، التجريد من الوطنيّة لكلّ مَن يدافع عن الوطن، سحق الوطن تحت مسمّيات شتَّى، ومن ذلك بعض الوارد منثوراً هنا وهناك: «جرّده من وطنيّته التي اقترن وجودها بوجود الشعارات الممجوجة والفكر المتحجّر. خوّنه وما أسهل التخوين. اتّهمه بالتعامل مع جهات خارجيّة للتآمر على الوحدة الوطنيّة والمبادئ الثابتة». (ص16). و كذلك: «كانت مدرّبة مادّة الفتوة تنبح بكلّ طاقتها كأيّ عسكريٍّ مخضرم». (ص17) . «سبّ الشعارات التي حوّلت الوطن إلى بركة آسنة لا يسكنها سوى البعوض الشرس». (ص23). «فالوطن يتغاضى عن حوادث السرقة التافهة أمام عظمة الأشخاص وقدراتهم البنّاءة...». (ص47). «إن عشت يجب أن تأخذ إذناً وإن متّ أيضاً، إن تزوّجت وإن انفصلت... أمر عجيب. الوضع لم يعد يطاق». (ص68 .)
اعتمدت الكاتبة مبدأ التغلــيب في كتــابتها تفاصيلَها، إذ أنّ ستّاً من القصص التسع، معنونــة بأسمــاء ذكـوريّة، وثلاثا منها أنثويّة، وهي على الترتيب: «جعفر، مها، جهاد، فؤاد، حنان، سميح، عمر، سهــر، محمـّد»، دون أن تتوقّف كثيراً عند ذكورة أو أنوثة، لأنّ البلاء عندما يعمّ يودي بكلّ التفاصيل، ويقضي على الجميع، وما ابتداؤها بجعفر وانتهاؤها بمحمّد، إلاّ عزف منوّع، وإنطاق لبعض المخرَس، فضح لبعض المزوَّر، تنغيم شاعريّ لبعض المحكيّ.. تعدّدت التفاصيل والغاية بقيت واحدة، وهي التغلّب للأدب، وتغليبه، وتزكية الإنسان في الدواخل، سعي إلى تحقيق ما ختم به سعد الله ونّوس إهداءَه: «أودّ أن تكون الطاقات المخزونة في أعماقكم أقوى من هزيمتنا ورؤانا، ومن يدري! فقد تجدون الجملة السحريّة التي يغدو بها الزمن جميلاً، والبلاد مزدهرة». يبدو واضحاً، من خلال الكتابة، أنّ ديمة ونّوس قد التزمت بوصيّة أبيها الذي اعتكف عن الإيصاء بشيء محدّدٍ، واختارت أن تشقّ طريقها في عالم الكتابة، وما «تفاصيل»، إلاّ محاولة بحث من الكاتبة عن أسباب الهزيمة التي تكمن في التفاصيل التي يُغَضُّ عنها الطرف، هنا وهناك، والتفصيل فيها، للقضاء عليها.
المصدر : جريدة السفير








said:





من سوريا