طيارة ورق

Monday, January 07, 2008

عيشة أهلى



فى حوار عائلى بهيج اخترقت أذنى هذه الصيحة: ـ
ـ عيشى عيشة أهلك
وأحاول إيجاد الغريب فى أفعالى والذى يتناقض مع عيشة أهلى فلا أجد
ـ وكيف كان أهلى يعيشون؟
زمان .. اكتشفوا النار التى أدفئتهم وأبعدت عنهم الوحوش وأنارت لياليهم ولكنهم لم يقنعوا بالنار.. ووصلوا للبترول والغاز وسائر مصادر الطاقة
زمان..اكتشفوا المصباح الكهربى وابتكروا العجلة التى سهلت انتقالاتهم..ولم يكتفوا بذلك ووصلوا للصواريخ والمركبات الفضائية
لو ظلوا على حالهم.. لاندثروا كالديناصورات

ـ كعادتك التى سئمتها..سفسطة فارغة وكلام نظرى لإلقاء شرعية على طموحك..اقتربى قليلاً.. وتأملى بساطة حياة أهلنا الأقربون وكم كانوا سعداء
ـ وكعادتك أيضاً تضيق النطاق فى دائرة تحدها قواعدك ورؤياك الشخصية..ولكن لا بأس
أهلى الأقربون هم الطبقة المتوسطة التى كانت أول من عرف التليفزيون مثلاً..فهل نمن على أولادنا بالتليفزيون ونطالبهم بوضعه فى صندوق خشبى كما كان يفعل جدى وجدك وهم يطالبوننى الآن بشراء الـ
iPod
أهلى لم يعرفون سخانات الغاز والكهرباء وكانوا يستخدمون الكوز والطشت فى الاستحمام فهل أرغم أولادى على ذلك بدعوى البساطة وهم يطالبون بجاكوزى فى حمام بيتنا الجديد
أهلى كانوا أول من عرف التليفون بصورته الأولى وقتما كان بلا أرقام..وكانوا يقضون الساعات فى انتظار تحويل مكالمة بركة السبع من السنترال..أخبرنى كيف ستواجه رغبة أولادك فى محاكاة أقرانهم باقتناء موبايل
NOKIA Z99




ـ تعودين لأسلوبك فى الطرح والذى يتدنى بمستوى الحوار..أنا لست ضد التطور ولا تحاولى وضعى فى هذا الإطار..ولكن ما تسردينه ليس تطوراً ..إنه انفتاح استهلاكى لا يقدم لى ولا لابنى شيئاً
ـ دعنى أحاول "الإرتقاء " بالحوار..نعم فى بعض الأحيان هو تطور استهلاكى لا يقدم ولا يؤخر..وذلك فى بعض الأحيان..ولكنه مجتمع يفرض عليك قواعده
أتعلم أن نسبة استهلاك الموبايل فى المجتمعات الغربية أقل كثيراً من مجتمعاتنا النامية..لماذا؟
لأن المجتمع هناك به أسلوب الحياة الذى يفرض استخدام الموبايل لمن يحتاجه فقط..هناك الكثير الذى يفرغ طاقة الصغار والشباب والذين يشكلون الفئة الأكثر استهلاكاً هنا..نحن ليس لدينا قراءة ولا رياضة..ولا تعليم..ولا عمل..وقت فراغ كبير وقاتل..ومشجع لكل السلوكيات الغير سوية والغير مبرَرَة
عليك أن تعطى ابنك موبايل بيد وكتاب باليد الأخرى..عليك أن تعتبر تربيته هى الحل الأمثل للمشكلة وتبدأ بنفسك فى إعطاء معنى جديد لأدوات الحياة المعاصرة التى يحياها

ـ ناجحة فى قولبة أفكارك داخل قوالب منطقية مبررة..ولكننى لست ممن يؤمّنون ببساطة..ويستسلمون لضغط الآخر..أؤكد لك أن الحياة كلما كانت أبسط ..كلما كانت أجمل
ـ وكيف تكون أبسط؟
ـ إنها فى القناعة..والتجرد من الطموح القاتل..وعدم الاستجابة لشيطان التغيير..ومخمضة الحياة كل حين بدعوى الارتقاء ،لقد ظل والدى كما تعلمين فى وظيفته لمدة أربعة وثلاثين عاماً بنفس الشركة
ـ نعم..بينما تنقلت أنت بين ثلاث شركات حتى الآن..لماذا؟
سأخبرك لماذا..لأن المجتمع نفسه تغير..وظيفة وفكر القطاع العام تلاشوا..وصار الأمر الآن أشبه بمعركة..أنت تحارب فيها بعلمك لتفيد وتستفيد وتتراكم خبراتك..وترى أنك لن تقدم جديداً أو تكتسب جديداً فى هذا المكان فتتركه لمكان أحسن
صدقنى
الركود يعنى الموت

ـ أحتاج أحياناً إلى مد سلك من عقلك إلى الأرض لتسريب الشحنات الزائدة..أنت فظيعة..ولكنى مُصِر على رأيى..عيشى عيشة أهلك
ـ أحسن ناس..فى روقانهم..لكنك لا يمكنك التخلى على كل ما تستمتع به الآن لتحيا مثلهم
إنه حلم
هل يمكنك انتظار شهر كامل لتستمع لحفلة أم كلثوم فى الخميس الأخير..وبجوارك كوب الشاى بالنعناع فى البلكونة..يبدو حلم جميل..لكنك لم تعد تقوى على سماعها لأكثر من عشر دقائق متصلة منذ سنوات..تذكر محاولاتى لخلق هذا الجو وسخريتك الدائمة منه
إنه إيقاع تغير..عليك التوافق معه ولا أقول مجاراته حرفياً..عليك خلق الموائمة بين تجارب وذكريات الماضى وحركة الدنيا من حولنا


خلص الكلام

Labels:


Posted by بثينــــــة :: 1:21 AM :: 9 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------