من منّا لم يركب في ذلك القطار و يذهب في تلك الرحلة، حيث تستوقفه محطّات الذكريات، فينزل في كل محطة ليعيش مع ذكرياته الماضية بحلوها و مرّها،يسترجع إلى ذاكرته مواقف لا تنسى يستذكرها كأنه يعيشها الآن،فترتسم على ملامحه الدهشة و الغرابة لعدم نسيانه أدق تفاصيلها.

في محطة طفولتي توقفت عند مواقف مضحكة كثيرة، كانت طفولتي تتسم بالهدوء في ظاهرها لكنها كانت تخفي في ثناياها الكثير من المصائب،أذكر يوما عندما كنت طفلا لم أبلغ الرابعة عندما ساعدت والدتي من غير ان تدري في إعداد طبق المعكرونة فأضفت عليها خلطتي الخاصة من كرات الشمع فكانت نكهة لم تنساها والدتي و العائلة كلها جعلتهم يمضون يومهم جائعين، أو ذلك اليوم الذي قررت فيه أن أكل بيضا رغم انني لا أحبه كثيرا فوضعت البيضة في الركوة و انتظرتها ان تستوي دون ان أوقد النار تحتها فانتظرت كثيرا دون فائدة، أدركت حينها أن سلق البيض أمر بغاية الصعوبة و التعقيد!

أو عندما سجلت برائة اختراعي في تحويل رجل الليغو إلى رجل آلي متحرك فأوصلته بالكهرباء مما ادى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن بيتنا لساعات حتى تم إصلاح العطل، لكن كل تلك المواقف في كفة و عندما أردت التاكد من ان اللعب بالكبريت يودي إلى نتائج كارئية فأحرقت غرفة الجلوس بالكامل مما استدعى والدي إلى تغير الاساس و دهن الجدران، و كل تلك المصائب كانت تتم بهدوء فظيع دون ان أصدر أي ضجة الأمر الذي جعل عائلتي تفرض علي المراقبة الكاملة ليلا نهارا!

عندما كبرت قليلا، بدأت مرحلة مراهقتي باكرا،فأحببت إحدى بنات مدرستي الإبتدائية فبدأت أخترع الطرق و الأساليب لاكلمها و التقرب منها فاحيانا أدعوها إلى حفلة عيد ميلادي الذي كنت أحتفل به كل شهر لاجلها، او عندما أكلمها عن الحبّ تصورا طفل بسن العاشرة مثلا يحدث فتاة عن مواصفات رجل احلامها و إن كانت تلك المواصفات تنطبق في شخصي الموقّر، كانت تلك الفتاة محط إعجاب جميع الاطفال و الشاطر من يستطيع التقرب منها و لو قليلا، لا أعلم ما حل بها الآن فلم أراها منذ 15 سنة، سمعت انها تزوجت، أتمنى لها السعادة الابدية.

كل بنات مدرستي في كفة و بنت الجيران اللتي كانت تشاطرني العمر و الصف، كنا نتشاكل في كل شيئ، من يصعد إلى الباص أولا و من ينزل اولا و من يغلق باب بيته في وجه الآخر اولا، و غالبا ما كان يتدخل أهل العمارة للصلحة بيننا عندما يصل الخلاف بيننا إلى حرب باردة نستخدم فيها كل الوسائل الممكنة للقضاء على الآخر ، المضحك في الأمر انني كنت أسخر من انفها و كانت تسخر من قصري الآن أصبحت أطول منها و شابه إنفي إنفها، هي الآن في ألمانيا تدرس طب الاسنان، وفقها الله، فمازلنا على اتصال .

عندما انتقلت إلى المدرسة الإعدادية اختلف كل شيئ فمن مدرسة خاصة كان معظم أصدقائي من الفتيات إلى مدرسة كلها صبيان فكان الوضع مأساوي بالنسبة إلي، حتى التعامل إختلف و لأن عائلتي قرروا ان انتقل إلى مدرسة خشنة إن صح التعبير لأدخل معترك الحياة بصلابة كان علي أن أحقق نظريات عائلتي و أمنياتهم.

في تلك المرحلة أذكر انني تغيرت كليا، فأصبح خجلي من الجنس الآخر أمرا ملفتا لدرجة أن حديثي مع أي فتاة كان يجعل وجهي يتلّون بكل الوان الدنيا، و من حينها إلى الآن ما زلت أعاني من تلك الحكاية مع بعض التغيير الطفيف على موضوع الألوان.

أذكر موقف محرج يتحدث عن حكاية الفتيات و خجلي، هناك قرب مدرسة الفتيات التي تبعد قليلا عن مدرستي بائع جرائد كنت دائما أذهب إليه لشراء جريدة الإتحاد الرياضية و لكونه الوحيد في المنطقة كنت أضطر للذهاب إليه و في إحدى المرات ذهبت إليه لشراء الجريدة و كان توقيت ذهابي هو توقيت خروج البنات من المدرسة ،ليست هذه القصة، المصيبة تكمن عند عودتي إلى المنزل استقبلتني والدتي بغمزات مخجلة و ممازحة و قالت لي” شو يا ملعون عم تروح توقف إدام مدرسة البنات” طبعا نسيت أن اخبركم أن في مدينتي لا تخفى فيها أي خافية و ان الخبر ينتشر فيها كإنتشار النار في الهشيم و الله يخلي ولاد الحلال، حينها أصبح شرائي لجريدة الإتحاد حلم يصعب تحقيقه .

هناك الكثير الكثير من تلك المحطات المضحكة التي حينها كانت كارئية بالنسبة لي لكن عندما استحضرها الآن أبتسم و أتنهد و كان تنهيدتي تقول يا ليتها تلك الأيام تعود لكنها مرحلة نعيشها لنستحضرها عندما نشعر بحاجة للإبتسامة و الضحك أو عندما نشعر اننا بحاجة للتوقف في محطات ذكرياتنا لننسى قليلا أن قطار العمر الآن يمضي مسرعا دون توقف.

Most Commented Posts