|
حسين دلي ـ الجزيرة توك
يتصور البعض أن نجم الإمبراطورية الأمريكية بدأ بالأفول فما بين احتلال العراق وأفغانستان يشبّه البعض الوضع في البلدين بالمثل القائل:"النصر ليس للأقوى ، بل هو للأقدر على التسبب في الأذى"إذ يمر العمل العسكري للفصائل المسلحة في العراق وأفغانستان في مرحلة عصيبة وشبه حاسمة في وقت تعاكس فيه الحال ما بين البلدين .وبالرغم من أن "العمل الجهادي" في العراق - الذي مسح ما علق بالأذهان من تشوهات الصورة العراقية عقب الغزو - دخل في مرحلة التراجع النسبي وانحساره في بعض المناطق التي كانت تمثل معقلاً له،جراء سلوك بعض المنتسبين له مسلكا أضر بحاضناته بفعل عمليات قتل وفرض أتاوات عمقت من معاناة أهلها الذين كانوا بأشد الحاجة إلى المداراة المادية وتخفيف حالة العوز التي مروا بها بعد احتلال العراق وانتقال السلطة لأطراف استبدت بالسلطة والثروة ..
خاصة وأن التربية البعثية للشعب العراقي طيلة السنوات الثلاثين الماضية عملت على تركيز حب المادة والخوف من النظر لأبعد مما يراه النظام لهم ، بدون أن نغفل جهود ما تسمى بمجالس الصحوات الذين وجدوا في النفوذ المكتسب من إنشاء هذه المجالس صفقة كبيرة للبروز والظهور من جديد على واجهة الساحة.
أما في أفغانستان فالوضع اختلف بصورة كبيرة فالشعب المثقل بقيود الفقر والعوز لم يفعل ما فعله بعض العراقيين من عمليات النهب وذلك يرجع أيضا لتربية العفاف والكفاف التي تعلموها في ظل المصاعب التي عاشوها، وبالتالي كانت هذه الحاضنة هي الداعم الرئيسي لعودة طالبان إلى الظهور من جديد على الساحة العسكرية والسياسية ونجاحها في فتح جبهات جديدة في الشرق والعاصمة علاوة على معقلها في الجنوب فضلا عن عمليات أنصار حكمتيار وجلال الدين حقاني ،بل وإن القبول بعودة طالبان إلى السلطة قد يصبح هاجسا أمريكيا واردا في ظل سيناريو الخسائر المتزايدة والفشل في تحقيق الأهداف وتضاؤل الآمال في نشر مزيد من قوات الناتو هناك، لولا العلاقة التي تربط طالبان بالقاعدة ،وتدل التقارير الأمريكية والبريطانية إلى سيطرة طالبان والمسلحين على 54% من البلاد وتصاعد عدد القتلى في صفوف الأمريكيين وحلف الناتو منذ عام 2004 صعودا إلى عام 2007
ويشير الجنرال الأمريكي المتقاعد باري ماكفيري إلى "أن قوات الناتو تفتقر للقدرة والكفاءة التي تمكنها من مواجهة شراسة المسلحين في أفغانستان"
بيد أن هناك ما يمكن الإشارة إلى نقاط عدة تؤكد تراجع المشروع الأمريكي عموما:
1- الفشل الأمريكي في القبض على الملا محمد عمر أمير طالبان أو أسامة بن لادن أو تحقيق الاستقرار وإنشاء قيادات موالية للمشروع الأمريكي،أما إعمار البلاد التي فلم يجن الشعب الأفغاني منها غير الوعود التي كانت حبرا على ورق.
2 - مستقبل الصحوات في العراق على كف عفريت على لسان قياداتها بعد الصدود الذي لاقوه من الحكومة العراقية التي رأت في منهج الصحوات منافسا للطائفية التي غذوا بها قوات الأمن العراقية التي كانت من أعظم أسباب انفكاك عرى البلاد واحتمال انقلاب البعض منها عما بدأت به .
3- نجاح عملية امتصاص الصدمة التي فاجأت "الفصائل الجهادية" المسلحة في النصف الثاني من عام 2007 والتي استجمعت قواها والتقطت أنفاسها من جديد وبلوغ القتيل الأمريكي رقم 4000 حمل إشارة مشجعة لهم على استمرار النهج الذي ساروا منذ بداية الغزو والاحتلال فضلا عن أن عام 2007 برغم الانتكاسة كان الأكثر خسارة في صفوف الأمريكيين ،وشهادة القادة الأمريكيين على تصاعد العنف في الشهرين الأخيرين اعتراف بتلك النهضة "والفضل ما شهدت به الأعداء"
4- تبلور منهجية جديدة في التعامل مع التنوع العرقي والطائفي للشعبين العراقي والأفغاني من قبل الفصائل المسلحة مما ينم عن احترامهم وتخفيف معاناتهم وتوحيد الجهود ضد القوات الأمريكية والنفوذ الإيراني في العراق والناتو في أفغانستان ولم الصفوف وترك الفردية والفئوية واستمرار عملية استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية للاحتلال وأتباعه قد يلجئ الولايات المتحدة خلال السنتين القادمتين لتغيير مساراتها هناك والقبول بما لم يكن مجرد التفكير به أمرا ممكنا.
4- تلقي الأحداث التي تشهدها محافظات الجنوب العراقي وخاصة البصرة في هذه الأيام بظلالها على الشرخ الآخذ بالاتساع بين مكونات الائتلاف الشيعي الحاكم في العراق وأتباعه، ويبدو أنه لا عودة في المستقبل المنظور لذلك التكتل الذي بنى جزءا من قوته على السيطرة على الميليشيات المتنوعة التي تبسط نفوذها على مناطق كبيرة في العاصمة والجنوب، إضافة للسيطرة على الوظائف والوزارات الحكومية والذي يهدد استقرارا طالما تغنت به أمريكا في السنين الماضية.
5- انتكاسة انصار مشرف في الانتخابات الباكستانية وفشل الأمريكيين في إيجاد موطئ قدم لمقر القيادة الأمريكية في إفريقيا وعودة "الحركات الجهادية" في الصومال إلى سيطرتها على بعض المدن وفشل سياسة عزل وإسقاط حركة حماس في غزة قد يقلب الطاولة على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة الممتدة من باكستان شرقا إلى شمال إفريقيا غربا والتي يراد لها أن تكون قواعد لإحكام الحصار على منطقة الشرق الاوسط والبلدان الخارجة عن طوق النفوذ الأمريكي.
6- انتكاسة الاقتصاد الأمريكي إلى حد مخيف في ظل تراجع الدولار وما يعرف بأزمة القروض العقارية والتكلفة الخرافية للحرب في العراق وأفغانستان ،بل وإن ما ضخته إدارة بوش لعدة مليارات لإنعاش اقتصادها ذكّر العالم بأزمة العشرينات وأزمة عام 1987 التي أنهار فيها الاقتصاد العالمي متزامنا مع بروز التنين الصيني وقوة الاتحاد الأوربي .
وعليه فهل لنا أن نقول إن التفرد بإدارة العالم من خلال قبضة بوليسية آخذ بالانحدار مع صعود قوى جديدة في الساحة العالمية.
وهل من الصعب إن تتحلى المرحلة المقبلة في العراق وأفغانستان بقدر كبير من التحلي بالواقعية ومواجهة تساؤلات الشارع ولملمة الجراح وتجميع الكفاءات والآراء البناءة الحريصة على مصالح البلاد ولحمة كيانه من كل الأطراف والاستفادة من السخط الجماهيري الذي تواجه به الولايات المتحدة في كل أماكن تدخلها العسكري.
|