|
مع ساعات الشفق الأولى استيقظت الأرواح لتجدني أغوص في عالمي , أسير في دروبه المعتمة, ولكن بغير مكاني المعتاد قرب الجداول والحشائش , متسائلة في نفسها ماذا افعل هنا وما الذي قادني للسير في هذا المجهول , وأخذت تراقب سذاجتي التي اعتادت عليها منذ زرعها القدر في دربي .
كنت أبحث هناك عن بعض الفرح أو الحزن , عن بعض الذكريات والأفكار التي ساهمت في تكوين أجزائي , أبحث عن شي ما, لا يهم ما هو , عن كثير من الذكريات التي أضاعتها ذاتي مع مرور الوقت, بقيت أتأمل لسنين طويلة وابحث عن نافذة في جدار الأمل الباقي من حياتي , لتريني ما قد يعيد لي الرمق لسنين أخرى بقيت أبحث وأتأمل وأنظر حتى استوقفني الوهم مرتديا ثياب رثة محاكة بأشواك الماضي الموحش , ضاحكا في وجهي ساخرا من بحثي عن الفرح , وقال : ما بالك تضني نفسك بالبحث ألم أكن رفيق دربك دائما , حيثما بنيت أهدم , و كلما أحببت أزرع الشك في نفسك ألم أسر بك في دروب أيامك الموحشة , جاعلا أصوات الإنجازات الخادعة تسقيك كأس النجاح , فتسكر و تعود لجحرك رافعا أنفك فوق الجميع ألم تكن هذه حياتك , إذن عما تبحث.
- فصرخت من أعماقي به فتلاشى خلف إصراري بخيوط سوداء غاصت في أعماق الأرض .
وبعد قليل استوقفني الحلم وقال ألست أنا الذي يأتيك في النهار وفي لليل , وكنت رفيق أرادتك الهشة التي إكتفت بي , وأحطك بشباكي لتبتعد عن كل ما يغني ويفيد فلم تضني نفسك بالبحث عن أشياء غير موجودة , من قال لك أنّه يوجد في العالم إله غيري .
فقلت له سيجيبك الوهم رفيقك إرحل عني فسفينة قدري تسير في سكك أخرى غير التي صنعتها شباكك .
فستوقفني الرعب متسرعا بلهيب من نار ودخان فتراجعت للخلف من رائحته النتنة ومن الخوف الذي لبسني , وجعلت وجهي نحو السماء ساجدا قبل أن يبدأ حواره متضرعا للآلهة أن ترسل جيوشها لتبعده عني فاستجابت .
وهناك بين الحشائش و وريقات الشجر , انحنيت باكيا على أيامي والعشب ينحني قربي ويبكي لتتساقط دموعه الأولى على جسدي العاري , وفي شدة انحنائي هناك على حافة هذا السكون السرمدي , سمعت صوتا صارخ في البرية يناديني , لم أدرك في البداية ما اسمع , وعادت الصرخات تتالى في ذاكرتي وفي هذا السكون , لم تستجب مداركي في البداية بل استجابت حبيبات الدمع التي تركتها الحشائش علي , سارت أمامي متجهة نحو مصدر الصوت , متقاربة من بعضها تقبل بعضها الأخرى , تبتسم حينا وتبكي حينا أخرى , أخذت تقودني نحو أو نسيمات الريح التي نفخها الرب في هذا الكون تحرك أرواحي السبعة وأوراق الشجر في ذات الحين , وإذ الصوت يناديني ويخاطب أرواحي ويقول :
إن فرحك هو ترحك ساخرا والبئر التي تسقي ضحكاتك الطفولية قد طالما ملئت بسخين مدامعك , أليست الخوابي التي تحفظ خمرك هي ذاتها التي أحرقت في أتون الخزاف أم القيثارة التي تزيد طمأنينتك هي نفسها الخشب التي قطعت بالمدى والفؤوس ؟
قد يخال لنفسك أن الفرح أعظم من الحزن ولكنهما توأمان لا ينفصلان يأتيان معا ويذهبان معا وإذا جلس أحدهما على مائدتك فلا يغب عن ذهنك أن رفيقه يتربع على سريرك *.
حين إذ سقطت القشور عن عيني بماء حكمته , وتفتح على نهار جديد ليعود ويرافقني الفرح والحزن ويشاركاني فلكي و رحلتي الباقية . -------------------------------------
طارق القحط - خاص بوهيميا |
الثلاثاء, 08 ابريل, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










