نسيم نجد » الأرشيف » يوميات مسافر - 7 -


الزوار



البـحـث

يوميات مسافر - 7 -

8 April, 2008 بواسطة : نسيم نجد

الحلقة السابعة : رحلتي إلى بلاد السند و الهند
كان حديث صاحبي – صاحب المكتب – يوحي إلي أن لديه من سعة الصدر ما يجعله يستمر بالحديث إلى الغد , و كان تململي من حديثه يوحي لأقل الناس فطنة أن ليس لدي وقت لمثل هذه الثرثرة . فتنبهت بفضل الله إلى هذه النقطة مبكراً . لذا بدأت بقيادة تنظيم أوقات الاجتماع كلها . و كتبت تفويضاً و استصدرت قراراً رسمي من نفسي لنفسي بهذا الأمر . لم يستغرق استصدار هذا القرار الكثير من الوقت , بل هي كلمة واحدة فقط . فلقد بدأت بالأوامر المباشرة..فقلت له يجب أن لا نبقى بالمكتب كثيراً . بل يجب أن نقابل العمالة الذين نريد أن نختبرهم , فنحن هنا من أجل هذا الأمر . فقال ألا تريد أن تسترخي قليلاً ثم نذهب . فقلت له أريد أن استرخي في فندقي الجديد و لكن ليس الآن بل بالمساء , و هذا تلميح مني مضمن بأنني لازلت مصراً على مسألة تغيير الفندق . فواصلت حديثي معه و قلت : أما الآن فعلينا أن نبدأ العمل , فقال إذاً نذهب إلى المكان الآخر الذي يجتمع فيه العمال للاختبار . نهضت قبل أن يكمل بقية كلمته الأخيرة . بل استدرت إلى اتجاه المخرج معلناً أن القرار قد بدأنا بتنفيذه .كان مكان اختبار العمالة متواضعاً و الطريق إليه يحتاج الكثير من الحذر لمن أراد أن تبقى ملابسه نضيفه . حاولت أن أقفز من فوق المستنقعات التي خلفتها أمطار الليلة الماضية , و لكن لا نجاة من آثار الطين الذي قد أغرقته تلك المياه إلا برفع البنطال أو ثنيه حتى يصل منتصف الساق , كانت هذه الخطوة موفقة لأن تخرج ملابسي من تلك الأزقة سالمة , و لكن لم يكن هناك بدٌ من أن يصيب جزمتي تضخم مضاعف في حجمها من أثر الطين الذي كان لي بالمرصاد بعد كل قفزة من قفزاتي الرشيقة  .
دخلت إلى مكان الاختبار , أو بمعنى أصح حوش الاختبار..فوجدت كل العيون قد انصرفت عن كل شيء و اتجهت لتنظر إلى من دلف الباب . لم أكن بحال يسر عندما رأيت كل العيون تنظر إلي . فكل العيون تنظر إلي أملاً بأن أنال رضاها , و كل العيون التي تنظر إلي تحكي عن مأساتها .. آلامها .. أحزانها . و كأنها تريد أن اقرأ اثر السنين العجاف على تلك العيون , و كأنها تحاكي هذا العربي عن مأساة عاشتها و تريد الخلاص منها. تلك العيون تعتبرني طوق النجاة , و أملها المنتظر , و شعاع الحياة الذي سوف ينقذها من فقرها , نظرتهم لي بأنني سبب قوي بعد الله بأن أمد يد العون لهم و لمن حولهم و تخليصهم من كربتهم . بدأ العمال بالعمل و بدأت تظهر الفوارق بالمهارات المهنية , و بدأت أكثر التركيز و الأسئلة على من أحس منهم إتقان لمهنتهم , فكانت شدتي  يتضح من الوهلة الأولى أنها مصطنعة , برغم ذلك  كانت تثير في قلوبهم الرعب و الخوف , و كنت لا أريدها أن تصل إلى هذا الحد …و لكن من يلومهم  . تجاهلت هذا الأمر و بدأت التركيز على العمال . أيدٍ ترتعش , أنفاس ثائرة , عيون منكسرة, جبين يقطر عرقاً ..هذا هو أثر الأختبار على العمال , أما أثره على نفسي فهو أشد قسوة فلم أكن يوماً من الأيام أريد أن أكون بمثل هذا الموقف , فلا أريد أن تكون حاجة بني آدم إلي و لا أستطيع أن أحققها . أو أرى كبير سن قد غطى البياض شعر رأسه و ذقنه ثم ينتظر مني أن أكون سبباً بتحديد مصيره , و لم أكن أريد أن يكون شاباً فتياً أمره بين يدي شاب مثله . اخترت بعض العمالة و ذلك بعد اختبارات عدة ثم دعوتهم إلى الفندق لنوقع العقد مباشرة , و كان هذا خطأ فادح هل يعقل أن أستدعيهم لمقر سكني و إقامتي و أجعلهم يدخلونه و يطلعون على كل محتوياته . لكن نقص الخبرة تتضح من مثل هذه المواقف …فمالذي جرى ؟!  ولماذا انتقلت إلى فندق آخر…أقرأ المزيد

مصنف ضمن : عام |232 عدد القراء |



4 ردود

  1. رحلة عبر المدونات يقول :

    علي الآن أن أقرأ الحلقات السابقة :)

    أحييك أخي الكريم على سمو أخلاقك، فلا يمكن أن يكون الشخص الذي يتألم لبأس الآخرين ، إلا أن يكون ذو خلق كريم ..

  2. رحيل ~ يقول :

    كنت قد قرأت حلقات الهند والسند السابقة منذ زمن
    وعدت لها لأتذكر ما وقفت عنده , لأستكمل ..
    فلقد أنسانا نعيم زيلامسي .. بؤس تفاصيل هذه الرحلة

    ويؤلمني أن نضطر الحديث عن حالٍ بئيسٍ في بعض الدول الإسلامية
    وحالٍ رغيدٍ في غيرها
    أظنه يؤلمكم أيضا ..
    لكنه الواقع ..

    التخلف الحضاري
    العوَز الإنساني
    الحزم في موطن الرحمة
    القسوة في سبيل النصح وإبراء الذمة
    كلها واقع مؤلم
    قدرٌ أن نعيشه , وأن نواجهه بإيمان ..

    أظن حدثا ينتظرنا ..
    فمتابعون ,,

  3. نسيم نجد يقول :

    أخي الفاضل / رحلة عبر المدونات
    حياك الله في صفحتي و التي هي بطعم التوابل الهندية ..
    حياك الله في ورقتي السابعة و آمل أن تعجبك بقية الوريقات..
    حياك الله وبياك و أقول…لقد أغرقتنا بجميل لطفك..

  4. نسيم نجد يقول :

    الفاضلة / رحيل ~
    أعتقد أنني تأخرت كثيراً في هذه الحلقة ..فالعذر من الجميع..

    و أعتذر أن ذهبنا بكم جميعاً إلى أرض الطبيعة ثم عدنا بكم بمثل هذه الرحلة البئيسة …

    و أعتذر إليكم مرة أخر أن كان التأخير سبباً بقطع أفكارك عن الحلقات السابقة , مما جعلك ترجعين مرة أخرى إلى حروفنا الضعيفة ..إنه كرمٌ منكم عظيم .

    أما الحديث عن حال أخوتنا في خارطة العالم الأسلامي …
    هو نبش لمقبرة المآسي…
    و هو مرثية نقرأها صبح مساء…
    و هو عزاء نقدمه لأنفسنا كل يوم …
    و لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم..
    و لن تصلح أحول الرعية حتى يصلح الراعي..و لن يصلح الراعي إلا بصلح البطانة..
    و من يتقي الله يجعل له مخرجاً..
    فنسأل الله أن يخرج الأمة من الغمة …و أن يرفع شأن الأمة ..

اضف تعليقك

ملاحظة : التعليقات تخضع للمراجعة ، وستنشر فور اطلاعنا عليها ، شكرا لكم