ما زلت أذكر تلك المحاضرة العصماء التي تشدق بها أحد مدرائي السابقين في وظيفتي السابقة، وذلك إثر معركة "سلطوية" نشبت بينه وبين موظف كان يعد "رأسا" من رؤوس العمل، أفضت في النهاية إلى انتصار المدير الداهية – ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا – ثم تنحية المدير من منصبه بعد سلسلة متتالية من المذابح الإدارية. ترن في أذني إحدى الجمل، وتغمرني سخرية مرة وأنا أذكر محاضرته التي لم يكن يهدف من خلالها إلا "وضع النقط على الحروف" – على طريقته لا على طريقة بوسي سمير – واستعراض عضلاته الإدارية علينا. حينها انشغلت بحساب المرات التي قال فيها لازمته الشهيرة: "يعني..". تقريبا.. أكثر من 120 مرة في أقل من ساعة ونصف. ببساطة كان يردد: "ما أدري ليش الواحد منكم مستعجل على عمره".. ثم يعيد ويكرر: "يعني مستعجل على رزقه.. يعني مستعجل على حياته..." إلخ من تفسيرات وتوضيحات.. ثم يعيد ويكرر: "يعني.. لو فكر فيكم الواحد إن الرزق اللي تاخذه معناه إنك نقصت من رزقك المكتوب والمقدر لك، يعني.. حياتك قاربت على النهاية.. يعني ما تريد تستمتع بحياتك ويعني تريدها تمضي بسرعة بلمح البرق دون ما تشعر بيها".. إلخ سلسلة الـ"يعنياااات" التي ذكرها. رغم أني لم أكن المعنية وقتها بتلك الـ"نغزات".. إلا أنني في مرحلة ما كنت إحدى ضحايا مذابح المدير.. ولكن بطريقة أخرى، حيث مثل لي حجر عثرة أمام إتمام دراستي العليا وسفري للخارج بناء على مكيدة مدبرة، لم يمتلك الشجاعة الكافية – أو لربما ظنها حقا مكتسبا – ليواجهني بها حينها، وتركت الأيام تكشفها لي تباعا بعد ذلك. الآن.. حين أعيد ترتيب أوراقي مرة أخرى، أجد أنني لم أحزن إلى درجة المرض، أو أبتئس وأفقد كل صلة لي بالحياة بسبب تعثر تحقيق أحد مشاريعي الطموحة حينها. أذكر أنني عندما أخبرت صديقتي وزميلتي في العمل بإقصائي عن المنحة الدراسية.. بكت هي، في حين لم أبك أنا من التأثر بالموقف..!!! أكتشف بعد هذه الفترة من تجارب الحواجز والعوائق التي تعترضنا في سبيلنا نحو تحقيق طموحاتنا وأهدافنا أنها لا تعد حواجز بقدر ما تعد فرصا لتغيير طريقنا.. فرصا لإعادة النظر في أحلامنا.. فرصا إما للتريث والانتظار لنحظى بفرصتنا الحقيقية.. أو لنتجاوز خطوة سيئة كان يمكن أن تدمرنا لو أننا لم نجد ذلك الحاجز الذي يصدنا عنها. في كل مرة يزداد إيماني بـ"لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع".. وفي كل مرة أقدس الآية القرآنية التي تقول: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". هذا يعني أنك في كل مرة تصطدم بها بحاجز ما.. لا تلعن الحاجز، ولا تسخط، ولا تغضب، ولا تحزن.. بل أعد التفكير، وتأكد أن وراء هذا الحاجز قدر ينتظرك، وأن ذلك الثقب الذي يأخذ في الاتساع رويدا رويدا ما هو إلا البراااااااااح الذي سوف تركض وتركض وتركض بعده وصولا إلى غايتك وهدفك الحقيقي. قد تكون طرقنا التي نسلكها في سبيل تحقيق طموحاتنا مضللة.. مزيفة.. ضبابية.. قد تكون وسائلنا في الوصول إلى أهدافنا مغلوطة.. معكوسة.. عمياء.. هذا الحاجز.. هذا العائق الذي يقف أمامك ليس ليثنيك عن عزيمتك.. بل هو الحقيقة التي أغفلتها، والكذبة التي عشتها، وآن لك أن تواجهها بنفسك، وتتجاوزها. في فترة ما.. كنت "مستعجلة على عمري" – كما حللها هذا المدير الفطحل – ولكن ليس عن طريق الظلم والعدوان كما فعل.. بل على طريقة الجيل الشاب الطموح الراغب في تجاوز القطار.. أو كما كان يقول عميد كليتي عندما يراني أدرس مواد أعلى من سنتي الدراسية لأتخرج في فترة أقصر من غيري: "يا أمل.. كل الناس تنتظر معا لتركب القطار محطة محطة.. إلا أنت.. تريدين أن تسبقي الركاب والقطار وتركبي في محطات لم يصلها أصلا!!" فإذن.. أنت الآن أكثر اتزانا.. أكثر هدوءا.. خذ نفسا عميقا أمام هذا الحاجز الذي يعترضك.. حاوره اطرقه بهدووووء لتسمع صدى طرقاتك تتسلل إلى أعماقه.. تخيل ما ينتظرك خلفه.. ستدرك أن ما من حاجز وضع أمامك إلا لحكمة.
أضف تعليقا
من لإمارات العربية المتحدة
سعيد هو ، من حل في داخله سلام حتى يقول:
أيها الغد هات أسوأ ما عندك
حسبي أني قد عشت هذا اليوم.
"جون درايدن"
من البحرين
السلام عليكم
الجدران في حياتنا كثيرة
وفي حين يموت البعض على الجدار
كثيرون يهربون منه ويبحثون عن طرق أسلم وإن كانت أطول وقد توصل لأهداف مختلفة تماما.
وإن كنا من هذا النوع أو ذاك.. لن يحدث لنا إلا ما كتب الله لنا
والله لا يريد لعبده إلا الخير
شكرا لك يا أمل على هذه الشحنةالتي شحنتيني بها من الصبر والعزم.
تحياتي..
من لإمارات العربية المتحدة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله عز وجل( عسى تحبوا شيئا وشرا لكم وتكرهوا شيئا وهو خير لكم والله يعمل وأنتم لا تعلمون)
لقد عشت هذه الآية ونتقاسم نفس التجربة.
إن الله يحمينا من أنفسنا!!!
تحياتي وألف مبروك
مبرووووووووووووووووووووووووووك
من لإمارات العربية المتحدة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الله عز وجل يحمينا من أنفسنا كثيرا ولكن نعتقد أنها منع عنا ما نحب
وإن المنع هو عين العطاء
ألف مبروك ياصديقتي العزيزة
تحياتي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية




























من فلسطين
سلااام يا أمل:
هذا حدث معي شخصيا و أدى لانتقالي لوظيفة أفضل و الحمد لله...
لا أدري سبب هذا الخوف من المستقبل و لكن أمس مضى و اليوم حي و المستقبل لم يحدث بعد..
سلام للجميع و أرجو أن تعجبك لوحة برق
http://eassasaleh.jeeran.com/archive/2008/3/511552.html