أزمة الشاعرِ العامّي
لم يستطع الشعر العامي التعايش مع التطور الذي عاشته الجزيرة العربية في القرن الأخير، معتقداً أنه مازال ذلك الذي أشعلت النار على علم احتفاء بمولده، ولهذا فدوره لابد ان يقوم ب”رد الجميل” للقبيلة، ليقف منافحاً عنها، وشاهراً سيف قوافيه ونبال كلماته لترسيخ مآثرها وبطولاتها، وأصبح شاعر القبيلة ضرباً من الفروسية النادرة التي تنتقل من جيل لجيل، وكل يمشي على خطى من سبقه ليكون كفؤا بحمل هذا اللقب ذي البريق الذي ربما لايتهيأ للفارس- وبالطبع أكثر أماناً- فكان من الطبيعي أن يكون الشاعر تابعاً لذائقة ووصاية القبيلة.
وأداة القبيلة النقدية فقط أن يكون بمستوى من سبقوه، ولهذا وجد الشاعر حصانة ضد التطور والوعي ربما، فهو مطالب بأشياء مؤطرة بسياج واضح، لهذا وجد نفسه-لاشعورياً- يكتب لذائقة محددة يعرفها سلفاً، ويتجلى مؤرخاً أكثر من كونه شاعراً.
وهذا الجو العام حوله جعله بحالة ركود في وقت كان المجتمع/القبيلة يتطور بشكل متسارع نحو المدنية، حتى انصهرت بشكل مجتمعات أذابت التطرف القبلي، إضافة إلى أن الفرد لم يعد جزءا من تكتل قبلي ضيق، وتفتت تحت مظلة وطن كبير، أو حتى إقليم .
وأصبح شاعر القبيلة يحاول التشبث ببقايا مجده من خلال محاولة ربط الأرض كموطن قبلي محاولاً تجاهل مايحدث من تطور بمفهوم الانتماء، لكن الأرض أقنعته أن صدرها الحاني يتسع للجميع بإيمان، وفشل- الشاعر- في استجداء أطرافها المتفرقة، ولم يستطع صوته أن يصل لكل الأرجاء فقد كان اتساع الوطن يتجاوز ضيق أفقه، ووجد نفسه محصوراً في قصيدة سمر عابرة تلتقط كلماته قلة من تنشد من فرائده شجن وصبابة، لكنه مازال يحلم بذلك المجد وتلك السطوة، من خلال توسل يائس للقبيلة التي انصهرت وشكلت روابط أعمق من عشيرة، ولأنه ذو وعي محدود لم يحاول أن يمضي باتجاه المجتمع المتحضر، بل بقي ينتظر نكوصاً اجتماعياً يعيد له وهجه/فروسيته .
وحتى عندما أتت له التقنية وهيأت له المنابر التي توصله لأكثر من سمع القبيلة ظل حالماً بعودة”اللابة” ومحاولة تمرير استجدائه حتى لو كان ذلك من خلال قصيدة غارقة في الحب والهيام .
حتى لو كان ذلك لايجلب سوى صرخة مراهق أو هبة من رجل أعمال اكتشف فجأه ان أجداده الأوائل كانوا أسياد الدنيا، وكل ذلك لانه غير قادر على مسايرة- ولا اقول خدمة- مجتمعه الذي تجاوزه بكثير من المعرفة والوعي، لهذا لا أفاجأ كثيراً بالسؤال عن كثرة الشعراء وتناسخهم بشكل عجيب و”مخي…” أقصد مخيف بالطبع!
هل نقول أن كثرتهم بسبب نقص الوعي؟.. أليس الوعي قتل من قبل ذوق المغني؟
أعتقد ان الوعي لو حصل للشاعر الموضحة ملامحه أعلاه فأن ذلك كفيلاً بقتل- ليس ذوق- بل شعر الأغلبية!
يقول شاعراً لا أعرفه- والله- ولا أدري من يقصد:
إذا فخرت بآباءٍ ذوي نسب………….. لقد صدفت، ولكن بئس مانسلوا!
الكاتب: فهيد العديم
المصدر: جريدة الشرق
مواضيع ذات صلة
- عيوب القصيدة النبطية (9)
- اعتيادية الساحة الأدبية في قطر (9)
- الشعراء الشعبيين والأمية الفكرية (10)
- السياط لشعراء الهياط (17)
- قراءة تشريحية في نص خطّاب لـ فالح العجلان (5)