رحلة مع مخطوط “سمرقند” لـ [أمين معلوف]
[ 14 ] [ أبريل ] [ 2008 ] | كتب [ عدد المارّين من هنا 898 ]

أذكر أني قرأت عن هذه الرواية من منتديات إيثار المغلقة حالياً، فقد كان الحديث عنها جميلاً، حتى أنهم رفعوها إلكترونياً كعادتهم عندما يكون اكتاب جميلاً.. أقتنيت الرواية منذ فترة، واقتنيت روايات أخرى لأمين معلوف لأني توقعت كما سمعت أنه رائع وجميل.
كانت بداية رحلتي مع مخطوط سمرقند حينما قررت أن انتظم بالقراءة بعد أن اصابني ما أصابني من خمول وكسل وابتعاد عن القراءة، فمررت ذات يوم من أمام الرف وقلبت الكتب لأقرأ شيئاً يعيد النشاط والحيوية،، مددت يدي إليه وقلبته، وفتحت الكتاب، كنت في هذه الفترة راحلاً مع الشعر والقصائد والشعراء، فما إن رأيت الخيّام فيها، حتى أخذتها مباشرة وبدأت أقرأ الرواية، وعلى مهل، حتى قرأتها في قرابة الاسبوعين، أكثر الأوقات قراءة كانت بعد صلاة الفجر، فهو أفضل الأوقات لدي للقراءة، كيث يكون الفكر صافياً لم يتشوش بعد من اعمالنا اليومية، فقرائتي في هذه الفترة لها متعة خاصة، لاتضاهيها أي متعة.
غلاف الرواية جاء حاملاً صورة تدل على شيء مما في الرواية، قافلة تسير، ورجال راكبين، وكأنني أرى الشاعر عمر الخيّام بينهم. تبدأ الرواية بإهداء من المؤلف إلى والده، ثم يقول كجملة تقديمية للرواية (والآن أجل بصرك في سمرقند! أليست ملكة الدنيا؟ مزهوّة على جميع المدن، وفي يديها مصائرهن؟) [ادغار ألان بو].
صفحتان قبل بداية الكتاب الأول، تعرض مصير المخطوط المفقود “سمرقند” ففي أعماق المحيط الأطلسي يرقد هذا المخطوط، بعد أن ابحر في التايتنك عام 1912م. حمله من آسيا بنجامين ع لوساج، يلوم نفسه على أن أخذه من آسياً ليضيعه في أعمال المحيط.
قسمت الرواية إلى أربعة كتب، فالكتاب الأول (شعراء وعشاق) والكتاب الثاني (فردوس الحشّاشين) والكتاب الثالث (نهاية الأعوام الألف) والكتاب الرابع (شاعر تائه). يستفتح كل كتاب من الكتب الأربعة بأبيات من رباعيات الخيام.
الكتاب الأول، شعراء وعشاق، يُستهل بالأبيات:
إلهي قل لي من خلا من خطيئة
وكيف تُرى عاش البريء من الذنب
إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله
فما الفرق مابيني وبينك ياربي؟
في هذا الكتاب الأول تكون الولادة الأولى لمخطوط سمرقند، ففي صيف 1072م كان عمر الخيام في سمرقند وكان عمره اربعة وعشرين عاماً، كان ذلك اليوم يتجول في أنحاء سمرقند، فمن السوق للحانات للساحات العامة، (استوقفه تجمهر الناس حول رجل عجوز طويل الاطراف هزيل الجسم، ملقى على الأرض حاسر الرأس وشعره الأبيض مشعث فوق جمجمة مسفوعة؛ لم تكن صيحاته الناجمة عن الغضب والذعر سوى نجيب مستطيل، وكانت عيناه تضرعان إلى أول قادم. كان حول المسكين زهاء عشرين شخصاً تهتزّ لحاهم في الهواء، وتتشفى هراواتهم، وعلى بعدٍ منهم حلقة من المشاهدين المغتبطين، وإذ لاحظ أحدهم أحدهم سحنة الخيّام المستنكره فقد ألقى إليه بنبرة أشد ماتطون تطميناً: “ليس في الأمر مايزعج، إنه ليس غير جابر الطويل”) تدخل الخيّام بطريقة لإنقاذ جابر مما وقع فيه، وعرف أنه إنما وضعه في هذا الموضع غير نبذهم له بالسُكر والكفر والفلسفة. وهم لايريدون في سمرقند فيلسوفاً. ولفظة فيلسوف لاتدل في نظرهم إلا على المهتم عن كثب بعلوم الأغريق المنافية للدين، وبصورة أعمّ، بكل ماليس ديناً ولا أدبا. وكان عمر، وعلى رغم صغر سنه فيلسوفاً بارزاً. ناقشه قائد العصابة التي نفذت العقاب على جابر الفيلسوف المسكين وقد عرف فيما بعد أنه عمر الخيّام، فاستخف به أمام الجمهور، وعمر متماسك يخشى سطوة الجهل والجهلة عليه، فسألة ألست القائل:
كسرت يارب إبريق المدام كما
سددت لي باب عيشي حيثما كانا
أنا شربت وتبدي أنت عربدة
ليت الثرى بفمي، هل كنتَ نشوانا؟
فانكر عمر، وقال بأنه يسمع هذا الكلام من فمة للمرة الأولى. وهكذا تسير الأحداث ويلتقي بـ”جهان” وتتكون بينهما علاقة ثم عشق، ولقاء.. كثيراً من الأحداث السياسية والتاريخية تمرّ عرضاً خلال القراءة، لقاء حسن الصباح ومعرفته عن قرب، والوساطة له.
اما الكتاب الثاني والذي يحمل عنوان “فردوس الحشاشين” فيبدأ بمقولة لعمر الخيام (الجنة والنار هما في ذات نفسك). الصورة الأولى شاعرية أكثر من أي شيء آخر، مائدة منصوبة تحت عريشة العنب، إبريق طويل العنق لأجود نبيذ أبيض في شيراز، نبيذ ممسك بقدر، وحوله وليمة من مئة صحفة صغيرة.. هبوب ريح خفيفة قادمة من الجبال الصفراء عبر البساتين المزهرة، تتناول جهان عوداً وتنقر على أوتاره.. يعود حسن الصباح مرة أخرى إلى عمر بعد طرده وابعاده، ويدعوه غلى عقيدته، حسن الذي ينتمي لأسرة شيعية عريقة، وقد تحول إلى الإسماعيلية بعد مناقشة له مع أحد دعاة الإسماعيلية، زهد في الدنيا ولبس ثياب الصوفية. كون أتباعه، وأخذ من “ألموت” حصناً ومكاناً آمنا له ولأتباعه، بعد ضعف الدولة. أتباع حسن الصباح يواجهون الموت بالابتسام، يقال أنهم يدخنون الحشيش، ويقال بأن حسن رباهم على القوة والمدافعة عن العقيدة وحشيشهم الحقيقي هو إيمان لا يتلون، يعزز على الدوام أحكم التعاليم وانجع التنظيمات وأدق توزيع للمهمات. عدة اغتيالات دبرها الإمام الأعظم حسن الصباح واتباعه. وعمر الخيام يحافظ على مخطوطة محافظة شديدة، يأخذ اتباع حسن المخطوط ويودعونه في “ألموت” عند حسن في محاولة لإستدراج صاحبة، يحزن عمر حزناً شديداً، ويغادر مرو إلى مسقط رأسه ليرتاح من عناء الترحال والتنقل. توفي عمر في 1131م. والمخطوط محفوظ في قلعة حسن. بعد موت حسن ومجيء الوريث بعده وقد سمي بالمخلص، ليخلصهم من الدنيا كما يعتقدون، فدنياهم عندما كانوا في عهد حسن، اما الآن فهم في الجنة، يقول المخلص في كلمة له: “يا أمة الثقلين إن إمام الزمان يبارككم ويغفر ماتقدم من ذنوبكم وما تأخر، ويبلغكم أن الشريعة قد بطلت لأن ساعة الحشر قد حانت،،، وكل ماكان محرما أصبح محللاً وكل ماكان فرضاً أصبح محرماً. ويتابع ويقول: حرمت الصلوت الخمس لأننا الآن في الجنة..
يأمر المخلص بإجلال مخطوط سمرقند بوصفه كتاباً عظيما من كتب الحكمة. بعد ذلك تسقط هذه القلعة بعد الضياع.
في الكتاب الثالث “نهاية الأعوام الألف” يبدأ الحديث عن بنيامين عُ. لوساج. وهو مواطن أمريكي ولد في انابولس، من أصول فرنسية. سمي بـ بنيامين عُ. فحرف ع كناية عن عمر، لإعجاب والده بعمر بعد ترجمة الرباعيات إلى عدة لغات وحيث أصبح الكتاب من كتب الحكمة. وهكذا رحل بحثاً عن المخطوط، من شخص إلى شخص إلى آخر. رحل حتى وصل إلى أرض فارس وهناك عاش الحروب والثورات، وألتقى بشيرين، التي من الاسرة الحاكمة في فارس، وكانت العلاقة، كل ذلك من اجل المخطوط الذي كان بحوزتها..
اما الكتاب الرابع من هذه الرواية “شاعر تائه” فيبدا برباعية للخيام:
غدونا لذي الأفلاك ألعاب لاعب
أقول مقالا لست فيه بكاذب
على نطع هذا الكون قد لعبت بنا
وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقب.
حروب وقتال في فارس، وخصوصا في العاصمة تبريز،، لقاء بنيامين بشيرين وقراءة مخطوط سمرقند سوياً ” لقد صمت المخطوط في القرن الثالث عشر الميلادي وتلقاه جمال الدين هدية في القرن التاسع عشر، فماذا ترى حدث في هذه الأثناء؟” قال بنيامين هذا الكلام مخاطباً شيرين، قالت: “سبات طويل، قيلولة شرقية، ثم صحوة مجفلة بين ذراعي ذلك المجنون ميرزا رضا”.
الكثير من الأحداث السياسية في تلك الفترة، شيرين وبنيامين والمخطوط راحلين، ركبوا التايتنك، قرأوا جميعاً من المخطوط كثيراً في التايتنك. عندما اصطدمت التايتنك بالجبل الجليدي، وفزع الناس، ركبوا القوارب، النساء والأولاد قبل الرجل، بنيامين ركب أحد القوارب كي يجدف بهم.. غرقت التايتنك وغرق معها المخطوط، وغرقت أحلام بنيامين وشيرين، فقد كان المخطوط بالنسبة لهما درة وجوهرة ثمينة. لم تتفوه شيرين بكلمة بعد الحادثه، أتت سفن الإنقاذ، اخذهم على شاطئ نيويورك، وعندما وصلوا كانت الصحافة والضجة بانتظارهم، انشغل بنيامين مع أحد الصحفيين، وتوارت شيرين واختفت، بحث عنها كثيراً كثيراً، ولا أثر..
(تلك سمرقند التي ارتحلت مع بنجامين ع.لوساج في مخطوط انتزعه من مسقط رأسه آسيا، وأبحرت في أمتعته على متن التيتانيك… في رحلته الأبدية… لتغرق في حضن الزمان… وتكون حاضرة بعد حين بسطورها بين يدي خيال مترع ألبسها حللاً فغدت سمرقند الخيام حاضرة في الأذهان… وبعد… رباعيات الخيام على الـ”تيتانيك” زهرة الشرق تحملها زهيرة الغرب… ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كتب لنا أن نحياها.)
وعلى الغلاف الأخير:
لقد انتظرت طويلا اشارة من شيرين، ولكنها لم تجئ قط. ولم تكتب لي. ولا ذكر احد قط اسمها امامي.
وانا اتساءل اليوم.. هل وجدت يا ترى؟ هل كانت شيئا غير كونها ثمرة كوابيس الشرقية؟ وفي الليل، وفي وحدتي، في غرفتي الفسيحة، عندما يداهمني الشك، عندما تتشوش ذاكرتي، عندما اشعر بان عقلي يترنح، انهض فاشعل جميع الاضواء واجري فاستعيد رسائلها الماضية التي اتظاهر بفضها وكأني تلقيتها لتوي فاستنشق عطرها واقرأ منها اسطرا؛ بل ان برودة نبرتها بالذات تشد من ازري وتسبغ علي وهم العيش مجددا في حب وليد. وعندها فقد اعيد ترتيبها وقد استعدت هدوئي واغوص من جديد في الظلام مستعدا لترك نفسي بلا وجل لانبهاراتالماضي: عبارة اطلقت في صالون من صالونات القسطنطينية، ليلتان بلا نوم في تبريز، كانون نار في شتاء “زرقندة” ومن رحلتنا الاخيرة هذا المشهد: كنا قد صعدنا الى رواق الاستراحة وتبادلنا في زاوية معتمة خالية قبلة طويلة. وكنت قد وضعت “المخطوط” مسطحا على احدى صوى الرسو لكي امسك وجهها بيدي. وعندما لمحته شيرين انفجرت ضاحكة، وابتعدت ثم قالت للسماء في حركة مسرحية:
- رباعيات الخيام على الـ “تيتانيك”! زهرة الشرق تحملها زهيرة الغرب! ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كتب لنا ان نحياها!
أخيراً، الرواية من أروع الروايات التاريخية، الشعرية، قد تكون مملة قليلاً في بعض اجزائها، ولكنها رائعة وثرية بالمعلومات، التاريخية والسياسية والفكرية.. قد تكون ذات حظوة عندي لأنها تتحدث عن رحلة كتاب، وسيرة مخطوط أكثر من كونها رحلة لأي شيء آخر. فيها الكثير من محاولة فهم الفكر الشرقي، وخصوصاً عندما نركز على حسن الصباح واتباعه، ونقاشه مع عمر الخيام.
الكتاب: سمرقند. Samarcande
المؤلف: أمين معلوف.
ترجمة: د.عفيف دمشقية.
الطبعة: الثانية 2001، دار الفارابي.
الصفحات: 376 صفحة.
شراء الرواية: النيل والفرات. أدب وفن.
تحميل الرواية: من هنا. أو هنا. أيضاً من هنا
عدد التعليقات 11 على الموضوع: رحلة مع مخطوط “سمرقند” لـ [أمين معلوف]
جميل جداً …مشوق حديثك عنها
كنت مترددة من قراتها …الكثير يحكى عن امين معلوف لكن عن سمرقند
قليل من أعجبتهم الروايه …
أيضا أود أشكرك على الكتب اللتي ترفعها …أستفدت من بعضها
لك جزيل الشكر
جاري تحميل الرواية . . .
شكراً يا قلم . .
17 أبريل 2008
قرأت عن الرواية الكثير وهي في القائمة هي و ليون الافريقي
من عدة شهور قرأت للروائي أمين معلوف القرن الأول بعد بياتريس
لا أتوقع أنها بمستوى سمرقند ولكنها ممتعة وجميلة وغريبة
تحياتي
سمرقند رواية رائعة وكانت أختيار رائع لما شريتها أنت وأنا !
قرأت لأمين معلوف لاحقا ً صخرة طانيوس وهي عكس سابقتها تفتقر لكثير من المعلومات و أردت أن أسأل ماذا أبتعت أيضا ً لأمين معلوف وكيف هي ؟؟
أخطط لأشتري ليون الأفريقي وأريد أنطباعات لشخص قرأها وبالتحديد عن ثراء المعلومات ..
19 أبريل 2008
أستميحكم عذرا أن أضع المدونة ضمن المفضلة ،
مرور سريع خاطف هنا ، و لي مرور أطول و أطول
شكرا جزيلا ![]()
ود ،
قرأتها قبل سنه تقريباً أتفق معك أمين معلوف رائع ![]()
كلام:
أهلاً ومرحباً بك.
إذا كنت من محبي الشعر فأنصحك بأن لاتفوتك هذه الرواية، وبالنسبة لمعلوف فلم أقرأ له إلا هذه الرواية فلا استطيع أن أحكم بحكم عام عنه.
شكراً لك، وأشكرك على تفاعلك مع ما أرفع.
مثقف عربي:
أهلاً ومرحباً
موفق أخي الكريم
شكراً لك.
……:
أهلاً ومرحباً بك.
في الحقيقة أن هذه الرواية رائعة، في نظري ![]()
أتمنى أن أقرأ باقي رواياته، لأنه وكما يُذكر؛ رائع.
Green Storm:
أهلاً بك..
ومرحباً
لم اقرأ له إلا هذه للأسف، واتمنى أن أقرأ غيرها..
من مقتنياتي سابقاً واحدة من رواياته ولكني نسيت اسمها ، هل هي رحلة بالداسار ام ليون الافريقي، نسيت والله ![]()
ولكني لم أقرأها حتى الآن.
صاحب مشاعر:
أهلاً ومرحباً بك.
أشكرك على تفضلك هنا، ولطفك الجميل.
دم بخير.
مشاعل:
أهلاً ومرحباً..
نعم هو رائع
شكراً لكم جميعاً
20 مايو 2008
عبقري ذلك الرجل،لامثيل له ،لله دره.
ولد بلقاسم:
أهلاً ومرحباً بك.
نعم ذكي جداً..
سأقرأ له أكثر
11 يوليو 2008
حقيقة امين معلوف رائع و يجعلك تطفو بخيالك فوق السحاب و قد قرات له ليون الافريقي-
جميل جدا. لعلك لاحظت في مدونتي أنني أقرأ حاليا “صخرة طانيوس”. في الحقيقة إنتهيت من قراءتها قبل مدة لكن أنتظر البدء بكتاب جديد حتى أزيلها.
تبدو سمرقند فريدة، لكن لدي إستفسار. قلت أنها رواية تاريخية، فهل الأحداث فيها حقيقية أم مجرد رواية تجري أحداثها في التاريخ.
أحب القراءة جدا عن التاريخ الإسلامي، فهل تقدم الرواية معلومات وفيرة عن الحقبات التاريخية الماضية؟
أتمنى أن أجد الإجابة منك و لي عودة إن شاء الله ![]()



16 أبريل 2008