|
"أيو"..عربية في قلب الصين! |
|
|
|
14/05/2008 |
فضل القاهر فضل الهادي ـ الجزيرة توك ـ أيو - الصين
صوت أم كلثوم يأتي من مكان ليس ببعيد وهي تشدو "أروح لمين..وأقول لمين، ينصفني منك"..تتبعت الصوت كالطفل الصغير الذي لا يميز شئ في الدنيا إلا صوت أمه..وصلت إلى مصدر الصوت حيث "مقهى يوسف" هنا في "ايو" أكبر المراكز التجارية في الصين، كان لصوت أم كلثوم إحساس آخر وطعم آخر ووقع آخر، فأن تسمع أم كلثوم خارج الوطن، غير أن تسمعه داخله، ففي هذه اللحظات يجسد صوت أم كلثوم أمام عينيك الوطن والحبيبة والأصدقاء.
أولى المفاجآت
ساعتين بالطائرة هي مدة الرحلة التي قطعتها من العاصمة الصينية بكين إلى مدينة "أيو" بمقاطعة تشه جيانغ.
وصلتها في المساء فرأيتها لا تختلف عن بقية المدن الصينية، حيث تستطيع تحديد ملامحها بشكل دقيق، ولكن بعد وصولي للفندق، كانت أولى المفاجآت..لافتة في الناحية المقابلة كتب عليها باللغة العربية "مطعم الفردوس العربي".
لم يكن الجوع هو السبب الوحيد الذي دعاني للذهاب إلى المطعم فورا دون أي تفكير، ولكن السبب الأهم كان الوطن الذي تجسد في حروف الأبجدية العربية، عندما ذهبت لم أحس بوجودي غريبا، فالجميع هنا عرب، حتى القنوات التليفزيونية، اللغة العربية التي يتحدث بها الجميع تطربك بعد غيابك عنها فترة ليست بالطويلة، بالإضافة إلى كل ذلك كان المطبخ العربي الذي طالما افتقدته هنا ولم أجد بديلا سوى الاستسلام للمطبخ الصيني.
بعد ليلتي الأولى في "ايو" لم أجد أي عناء في تحديد ملامح المدينة، ففي الصباح بدأ كل شيء يظهر على حقيقته، في ايو من الطبيعي جدا أن تجد لافتات المحلات والمصانع والفنادق وغيرها مكتوبة باللغة العربية جنبا إلى جنب مع اللغة الصينية، ولن يكون غريبا أبدا أن تجد العديد من أبناء المدينة أو الذين أتوا إليها من مدن أخرى بغرض العمل يعرفون بعض الكلمات العربية أو على الأقل الأرقام و"كيف حالك ؟"، فالعربية لغة الـ "ألابو" أي "العرب" الذين أتوا إلى المدينة من كافة أرجاء وطننا العربي بغرض التجارة.
في "ايو" لن تشعر أبدا أنك أجنبي، فأينما تولي وجهك ستجد عربا، أتوا إلى هنا من كل قطر عربي يبحثون عن الرزق، يجوبون الأسواق نهارا حتى الساعة الخامسة وقت انتهاء العمل، بعدها يلتقون في المطاعم والمقاهي العربية التي تمتلئ بها المدينة.
"سبأ"، "بغداد"، "يوسف"، "الكابتن"، "الفردوس العربي"، "العربي"، "أربيل"، "العراقي"، "الأهرام" كلها أسماء مطاعم و مقاهي عربية في "ايو"، ويوجد غيرها الكثيرين ولكن أكبر و أقدم هذه المطاعم و المقاهي هو "المائدة"، الذي يكتسب شهرة واسعة هنا، لدرجة أنك إذا كنت تسكن في مكان قريب من "المائدة"، و لم يفهم منك سائق التاكسي المكان المطلوب، ما عليك أن تقول له "مائدة"، حتى ينطلق بك فورا إلى هناك.
سوق الفوتيان
أكبر الأسواق في "ايو" هو سوق الفوتيان، وهو سوق تجاري كبير يحتوي على أكثر من 40 ألف متجر، وهو مكون من أربعة طوابق، لم يبنى الفوتيان كمجرد سوق يحتوي على محلات تجارية، وإنما بني كأنه قطعة فنية ساحرة من حيث الشكل والديكور والتنظيم، والفوتيان مقسم إلى عدة أقسام مرتبة بالحروف الأبجدية الإنجليزية، كل قسم منها يحتوي على نوع معين من أنواع البضائع، فمثلا تجد بداخله سوق الملابس، سوق الإليكترونيات، سوق الألعاب..
المساحة المقام عليها هذا السوق ليست بالبسيطة، لدرجة أنك إذا أردت أن تنتقل بداخله من قسم إلى آخر فعليك أن تستقل تاكسي، أو "التوك توك"، أو الأتوبيس الذي توفره الحكومة الصينية لخدمة زوار الفوتيان، و ذلك برغم أن جميع أقسام الفوتيان مرتبطة بعضها البعض.
كل منطقة هنا في "ايو" بنيت على طراز واحد، الشكل واحد، اللون واحد، عدد الطوابق واحد، شوارعها واسعة جدا، تحتوي على طريقين للسيارات، وطريقين للموتوسيكلات و"التوك توك" والدراجات، حتى مواقف السيارات فلها أماكنها المحددة في الشوارع، وستجد الأرض فيها مقسمة إلى مستطيلات رسمت باللون الأبيض كل مستطيل منهم مكانا لسيارة، وإلى جانب السيارات والإسفلت ستجد الخضرة والأشجار والبحيرات، التي يرتادها سكان المدينة بعد انتهاء عملهم يوميا.
الطبيعة الساحرة
في "ايو" الحدائق العامة التي تحس بمجرد دخولك إليها أنك في كوكب آخر لا شيء فيه سوى هذه الطبيعة الساحرة، يتوسطها دائما بحيرة كبيرة يسبح فيها سرب من البط البري، وإلى جانب هذه الحدائق العامة ستجد هذا النهر الذي يشق المدينة إلى نصفين ويحيط به من الطرفين "كورنيش" كبير يصل عرضه في بعض المناطق إلى حوالي 500 متر، وقد تزيد المساحة في مناطق أخرى، حتى "الكورنيش" في الصين له شكل آخر، وهو أفضل الأماكن لتتمتع بجمال الطبيعة.
بدورها لم تفسد الحكومة الصينية هذا الجمال الطبيعي بألواح من الجرانيت والبلاط، وإنما أحاطت النهر بحديقة كبيرة، اللون الأخضر فيها هو سيد الموقف، يزينه ألوان الزهور الزاهية التي زرعت بعناية شديدة وكأنها في تنسيقها للألوان لوحة فنية بارعة، ويتوسط هذه المساحات الخضراء مجرى مائي صغير تمر من فوقه بعض القناطر الخشبية الصغيرة لتزيد الجمال جمالا.
الجبال هنا في "ايو" جمالها يسلب العقول، لن يظهر لك فيها سوى اللون الأخضر، تحتوي على عدد من الممرات الملتوية يمينا ويسارا و بين كل مسافة وأخرى ستجد بعض الكراسي التي تستطيع الجلوس عليها لتأخذ قسطا من الراحة، وقد صممت بشكل فني يتلائم مع الطبيعة المحيطة بها، و تمتد الطرق فيها من سفح الجبل حتى قمته التي تستطيع من خلالها أن ترى المدينة كاملة.
ولما كانت الطبيعة هنا بهذا السحر، فمن الطبيعي أن تجد لها عشاقها، هؤلاء الذين يذهبون يوميا للتمتع بها بعد عملهم، ستجد عدد كبير منهم مقسمين إلى مجموعات من الأصدقاء يحضرون كل ليلة هنا في الحديقة التي تحيط بالنهر ومعهم "دي جي" يرقصون أو يمارسون رياضة خفيفة على أنغام الموسيقى.
حرية المعتقدات
هنا..الناس لا تؤمن فقط بحرية المعتقد وإنما تحترم هذا المعتقد، من أجمل المناظر التي رأيتها في حياتي، عندما كنت أسير في أحد شوارع سوق الفوتيان، ووجدت أمامي شخص مسلم يصلي في وسط الشارع عرفت فيما بعد أنه فلسطيني، لم أرى في عين أي شخص منهم نظرة امتعاض أو استغراب، الكل أفسح له الطريق حتى انتهى من صلاته في كل هدوء، وفي إحدى المرات ذهبت إلى السوبر ماركت لأشتري "بلوبيف"، وعندما اخترت إحدى العلب لأشتريها سألني العامل هناك أنت مسلم؟، فقلت له نعم، فقال لي بكل هدوء "هذا ليس لك لأنه يحتوي على لحم خنزير"، وأعطاني نوعا آخر.
وأنا في ايو علمت أن الحكومة الصينية قد قررت هذه الأيام ترميم أقدم نسخة محفوظة من القرآن في الصين والمخطوطة بخط اليد، والتي وصلت الصين منذ أكثر من 700 سنة، وذلك بمبلغ 55 ألف دولار أمريكي.
المراكز التجارية
"ايو"..هي النموذج المصغر للمعجزة الصينية، فالمدينة التي يطلق عليها الآن "المدينة التجارية الدولية"، كانت منذ ست سنوات فقط قرية صغيرة، لا يسمع عنها أحد حتى في الصين نفسها، ولكنها الآن أصبحت من أكبر المراكز التجارية في العالم، ويجري العمل فيها حاليا لبناء مطار دولي من مطارات العالم إلى "ايو" مباشرة.
إرادة الإنسان تتجسد في ايو، إنسان آمن بقوته ولم يعرف للمستحيل طريقا، فنفذ في سنوات لم تتعدى أصابع اليد ما تعجز أنظمتنا أن تنفذ منه 1% طوال فترات حكمها التي تمتد أو تزيد عن ربع قرن من الزمان، وإذا كان هذا التنين الأحمر الذي يعمل في صمت قد وصل لهذة القوة بعد حوالي 60 عاما من ثورته، فإنه وبكل تأكيد سيكون هو التنين الأحمر الذي سيسود العالم في الفترة المقبلة.
|
عندما قرأت المقال عدت بذاكرتي الى الوراء حيث زرت هذه المدينة ومع كل كلمة كانت تعود بي الذكريات الى كل مكان ذكر في هذا المقال .
و لكن لا بد من كلمة او نصيحة لكل من اراد التجارة من خلال هذه المدينة :
- اختيار المترجم الثقة و الحمد لله اثناء زيارتي لهذه المدينة و فقني الله بمترجم صيني مسلم كان خير دليل و رفيق .
- التأكدمن البضاعة جيداً عند استلامها
- الانتباه من سائقي التاكسي ( فسمعتهم سيئة في مدينة ايو بخلاف بقية المدن)
و شكرا لكاتب المقال .