السلام عليكم و رحمة الله
جرت العادة في الحديث بين الإخوان .. على التأكيد على نصر الله القادم ، و على الثبات و الصبر ، في انتظار هذا النصر ، و العمل عليه بتربية الصف المسلم . و مع مرور ما يزيد على الثمانين عاما من عمر الدعوة ، و ما يقترب من الستين عاما على استشهاد الأستاذ البنا رحمه الله ، ظلت دعوة الإخوان تنافح و تكافح الظلم ، و أبناءها لا يقلون إخلاصا . و على نفس الوتيرة ، بدأت مصر في مرحلة جديدة ، بعد انتهاء حرب فلسطين و تجلياتها المتمثلة في الثورة ، أو الانقلاب عام 52 ، التي خرجت من رحم الجيش ، و قادت البلاد نحو الانهيار الحقيقي ، فمع وصول الجيش إلى الحكم ، تحولت الدولة المصرية ، إلى عزبة لبعض الحاكمين ، و تأله الحاكم و تفرعن ، و غابت الفكرة وراء الشخص ، و تأكد للجميع بعد 67 أن ما كان يأخذه الشعب ، ما كانت إلا مسكنات كلامية ، و أن الزعيم ( الإله ) لم يكن سوى من ذلك النوع الفارغ ، الذي لا يصنع شيئا سوى الجعجعة و إصدار الأصوات . و مع تطور الزمن ، لم يتطور العمل الاسلامي ، الفكري - السياسي ، بالشكل الذي يتطلبه العصر ، و كان ما تطور هو بعض الاساليب الجديدة التي سعت من خلالها الحركة الاسلامية لتحقيق نفس الأهداف الفكرية ، بلا أي إضافة ، تعي متغيرات الواقع و ثوابت الفكرة الاصلية . و صار الفكر الذي رسخه الاستاذ البنا ، يكاد يكون هو المصدر الأوحد للفكر عند شباب الحركة الاسلامية ، و لم يتغير ذلك الفكر تحت الظروف المختلفة ، ما أثبت قبل كل شيء ، أن البناء الذي أنشأه البنا رحمه الله ، كان أقوى من أن يهوي في أقبية التعذيب . و مع انتهاء مرحلة التعامل الأمني الإجرامي مع الحركة الاسلامية ، و بداية عهد جديد ، اتسعت فيه نطاق التحالفات السياسية الداخلية ، لتشمل الحركة الاسلامية ، و تطور ( أسلوب) الحركة الاسلامية ، و ازداد النفوذ الاسلامي الطلابي ، و تحرك الاسلاميون ، بوسائل مستجدة نوعا ما ، نحو تحقيق نفس الأهداف ، التي وضعها الأستاذ البنا رحمه الله ، و كان العمل السياسي الطلابي في هذه المرحلة ، من أقوى ما يمكن ، و ساعد الجو المنفتح نوعا ما ، لتحقيق مزيد من الحرية لشيوخ الحركة الاسلامية ، و الدعاة ، الذين صاروا صداعا في رأس النظام المصري . و بعد مقتل السادات ، و إعلان حالة الطوارئ ، و انقلاب النظام المصري على كل الشعب ، و الإخوان على رأسه ، تراجع الإخوان عشرات الخطوات ، و تراجع الاسلوب ، و بدأوا من نقطة متأخرة للغاية عما كانوا عليه ، و انطلقوا نحو نفس الأهداف ، بنفس الوسائل . ما لا يمكن تجاهله هي الفترة بين منتصف السبعينات و منتصف الثمانينات ، و هي الفترة التي ظهر فيها معظم انتاج الاخوان الفكري التربوي مكتوبا ، نعم لم يمثل إضافة نوعية في الفكر السياسي الاسلامي ، باستثناء الإمام الغزالي رحمه الله ، لو اعتبرناه من صف الإخوان ، و لكنه كان واقعا لا يمكن إنكاره ، من حيث زيادة الكتابات الإخوانية ، ضمن المجلات او الجرائد او حتى الكتب التي كان مسموحا بتداولها بشكل كبير . و في بداية التسعينات ، و مع اتساع النشاط المالي للإخوان ، على يد المهندس خيرت الشاطر ، و الاستاذ حسن مالك ، و غيرهم من رجال الأعمال الإسلاميين ، بدأ النظام يعي خطورة التنظيم الإخواني ، و اتسعت رقعة المواجهة ، و بدأت المحاكمات العسكرية التي لم تتوقف حتى الآن . ما أعنيه من كل هذا الكلام ، أنه و بعد عشرات السنين من التطور العمري للإخوان المسلمين ، و التقادم التنظيمي لقيادتهم ، لم يحدث أي تغيير جذري على مستوى فكري ، أو سياسي ، و هو ما سببه ، انعدام الفكر المخالف داخل الجماعة ، و بالتالي ، زيادة النسخ الكربونية المستنسخة من أساتذتنا في المواقع القيادية ، فنجد شابا من مواليد الثمانينيات ، يتعامل مع الأمور ، بمنظور أربعينيات القرن الماضي ، و هو ما أدى بطبيعة الحال ، لرفض كل تجديد في فكر الحركة الاسلامية (السياسي) ، أو تغيير جذري في وسائلها . لم يتأثر الإخوان المسلمون بحركات التحرر الوطني و جماعات التغيير على مستوى العالم ، لم يتأثر الإخوان بالثورات الشعبية التي أجبرت حكومات دولها على الانصياع ، لم يتاثر الإخوان بتجرة الضغط على حكومات مثل الولايات المتحدة ، مارتن لوثر كينج مثالا ، لم يتأثر الإخوان بتجربة الثورات الملونة ، البنفسجية ، و البرتقالية ، الوردية ، و قرروا أن يلتزموا بما اعتبروه المنهج الاسلامي في التغيير ، الذي يصر على أن الطريق الوحيد ، هو الفرد و ليس سواه ، تخلوا عن التفكير الاستراتيجي الذي يضع احتمالات و فروضا و نظريات ، و يتعامل مع الواقع برؤية مستقبلية و نظرة على الماضي ، لا بنظرة على الماضي ، و اعتباره الأصل الذي لا مناص من الالتزام به ، كجسد نص و ليس كروح النص . و على الجانب الآخر ،و مع تطور الزمن ، تطور أسلوب الاحتجاج الشعبي ، و أسلوب التغيير ، فبعد أن كان ديدن المعارضين في دول العالم الثالث هي الانقلابات العسكرية ، أصبح التغيير الشعبي ، بالاعتصامات ، و التظاهرات المليونية ، و العصيان المدني ، هو البديل الوحيد ، خاصة عندما يصبح الجيش مجرد أداة في يد النظام . يرفض الإخوان على مدى عشرات السنوات ، المشاركة في ثورة شعبية ، ربما بعد تجربة انقلاب 52 ، و لا أتحدث فقط عن فترة حكم السادات و ما سمي بانتفاضة يناير ، لكنني أتحدث هنا أيضا عن فترة حكم مبارك و الحوادث التي ذاقها الشعب المصري ، و بطبيعة الحال ذاقها الاخوان المسلمين ، للدرجة التي دعت البعض للقول بأن الإخوان المسلمون و سياستهم تعد سببا رئيسا من أسباب بقاء النظام المستبد .
لكن لماذا يرفض الإخوان المسلمون المشاركة في العصيان المدني ؟ بل لا أبالغ ولا أتفاءل كثيرا إن تساءلت ، لماذا لا يدعو الإخوان الشعب المصري ، لبدء عصيان مدني ، و تهيئة الشعب المصري لذلك ، عبر كل الوسائل المتاحة ؟
--------
يفهم العديد من الإخوان ، أن المنهج الإسلامي في التغيير ، هو أن يبدأ الإنسان بنفسه ، مصلحا لمن حوله ، مؤسسا لأسرة مسلمة ، و من ثم مجتمعا مسلما ، ثم المطالبة بالحكومة ، و منها إلى الخلافة ، إنتهاء بأستاذية العالم . و يرون أن العصيان المدني ، أو الخروج على الحاكم ( سلميا ) ينافي مراحل الاسلام المتدرجة ، و الاختلاف الوحيد بين الإخوة السلفيين ( كإسلاميين يؤمنون بمنهج إسلامي في التغيير كذلك ) ، و الإخوان في هذا الأمر ، هو أن السلفيون يقولون بأن إنشاء الفرد إيمانيا و عقديا ، هو الحل لإنشاء الدولة ، على عكس الإخوان الذين يرون أن إنشاء الفرد يتضمن السياسة و الرياضة ، و الفن و الإجتماعيات ، و غيرها ، و قد يكون الاختلاف الحقيقي ، هو أن الإخوان يرون أن مراحلهم تسير سويا ، في حين أن السلفيين ينتظرون انتهاء المرحلة ( التي لن تنتهي إطلاقا ) و هي إنشاء الفرد الملتزم ، الذي سيخرج منه الحاكم الذي سيصلح الكون .
و يستدل الإخوان ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لم يفعل ذلك ، و قد كان من الممكن أن يهادن قريش ، و ينطلق من كونه ملكا متوجه أو غنيا أو سيدا أو حتى صاحب مفاتح الكعبة ( و هو عرض توجه به كبار قريش لرسول الله ) و و ينشر فكرته ، و يتجاهل الكثيرون ، أن الفرق شاسع و كبير ، بين المجتمع المسلم ، الذي نعيش فيه ، و بين مجتمع الجاهلية ، ولا أعتقد أنه ببعض كلمات الأستاذ قطب عن جاهلية المجتمع ، يمكن أن نتعامل مع مجتمعنا كتعامل الرسول مع مجتمع مكة قبل الاسلام . و يرى الإخوان ، أن أي تغيير يبدأ من رأس السلطة ، هو تغيير مؤقت ، سينتهي ببعض الحوادث ، فمثلا ، لو قام الاخوان بانقلاب عسكري ( مع مساندة الشعب ) ثم حدث لمصر ما حدث لغزة ، من حصار قاتل ، فسيخرج الشعب المصري (الذي خرج على الحاكم المجرم ) على الحركة الاسلامية ، التي لم تؤدي ما عليها بسبب الحصار . و نقرأ كلمات الأستاذ البنا ، التي يحدد فيها طريق العاملين في صف الإخوان ، و أن من استعجل الثمرة ، فليبحث عن طريق آخر ، و نفهمها بجمود المعنى ، أنه لن يحدث تغيير في طريق الإخوان ، لأن غير ذلك هو استعجال للثمرة ، و تعجل للنتيجة ، ولا نلتفت كثيرا للواقع الذي قال فيه الإمام كلماته ، حينما كانت الأمة المصرية محتلة احتلالا كاملا ، و الهزيمة محدقة بالعرب و المسلمين ، و الأحزاب مدمرة فاسدة .
ثم نتجاهل ( و هذا هو بيت القصيد ) تاريخ الحركة الاسلامية ، التي دعمت الثورة الناجحة ، بالضباط الأحرار عام 52 ، و التي دعمها معاصروا الإمام و من سمعوا منه كلمته تلك ، فهل مشاركتهم في الثورة أو الانقلاب ( لكونه عسكريا ) كان استعجالا للثمرة ، أم فهما للطريقة التي كانت سائدة في العالم الثالث للتغيير ، و هل لو كان انتظر الإخوان أعواما أخرى ، لتجهيز أنفسهم نفسيا ، أفرادا و مجتمعات ، هل كانت ستتحرر مصر من الاحتلال الانجليزي ؟ لا أحب الافتراضات من هذا النوع ، لكنني أظن أن مشاركة الإخوان في الثورة ، كانت قمة الفهم لسنة التدرج . فما حدث لم يكن اطلاقا ، تجاوزا للمراحل ، و لم يكن عبورا من ثغرة تاريخية ، و لم يكن كذلك ثقبا زمنيا نقل مصر من زمن إلى آخر ، لكنه كان اختصارا للمراحل ، كان ما حدث ( بخلاف أن انقلبت الثورة على أبنائها ) من المفترض أن يكون اختصارا لمرحلة تاريخية ، ينطلق فيها العمل الاسلامي من عقاله ، بعد اغتيال الامام البنا ، انطلاقا من الأعلى ، عبر حكومة وطنية ، و من القاعدة الشعبية المعتمد عليها الإخوان .
على كل حال ، أذكر فقط تجربة الثورة ، للدلالة أن فكر معاصري الاستاذ البنا لم يكن قائلا بأن التدرج هو الانطلاق من الصفر ، و البقاء في الصفر لأطول فترة ممكنة ، ثم الواحد و البقاء فيه لأطول فترة ، لكن من الممكن أن ننطلق من الصفر ثم نظل في النقطة رقم واحد لأقصر فترة ممكنة ، و هكذا ! أتمنى أن أكون قد استطعت التوضيح . الكثير من الاسلاميين أيضا ، و الكثير من الإخوان كذلك ، يقولون أن المنهج الاسلامي في التغيير ، ليس به ما يدل على أن العصيان المدني (جائز ) و أن الأحاديث المتواترة كثيرة ، حول أننا ينبغي أن نسمع و نطيع ، و ألا نخرج ، و لو أخذ مالنا و جلد ظهورنا ( أي الحاكم) .
أعتقد ان الدليل العقلي ينفي ذلك الكلام نفيا قاطعا ، أو أن الأحاديث إن ثبتت صحتها ، فلها موضع آخر ، إننا جميعا تعلمنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان عادلا ، و الدليل ، القصة الشهيرة ، التي قام فيها رجل يصرخ لعمر ، لا سمع ولا طاعة ، لأنه كان قد أخذ ما يفوق حصة المسلمين من الثياب . يقول الرجل أنه لن يسمع أو يطيع الخليفة ، لأن الخليفة ، ظلم المسلمين ، و أخذ أكثر مما أعطاهم . لم يقطع عمر رأسه ، و لم يعامله كمرتد ، أو كمفارق للجماعة ، شاقا لعصا الطاعة ، لكنه فسر ما حدث ، بل و حمد الله في موقف آخر ، عندما قال له أحد المسلمين أنه لو أخطأت يا عمر ، لقومناك بسيوفنا ! إذا ، فدليل نقلي على أن الطاعة لا تجوز ، في حالة الظلم ، و لمن لا يعلم من مرددي أحاديث الخضوع للحاكم ، لقد كان عمر يقيم في المسلمين الصلاة ، و لم يكن يأمرهم بمنكر أو ينهاهم عن معروف ، و رغم ذلك ، صاح الرجل أنه مستعد ليقومه بالسيف ، وألا يسمع ولا يطيع ما دام قد ظلمهم عمر من وجهة نظره . الجزء الأهم ، هو أننا نريد أن نقول ، إننا لا نريد أن نخرج على الحاكم بالسلاح ، فليس هذا منهجا ، لا إنسانيا ، و لا شرعيا أو إسلاميا في التغيير ، و ليس منطقيا حتى . أريد أن أحيلكم لموضوعين ، اهتم صاحباهما بالخروج على الحاكم في الاسلام ، بالطبع ليس كل ما ورد فيهما يلقى قبولا لدي شخصيا ، خاصة أن أحدهما يتخذ منحى تكفيريا في أدلته، وهو ما لا أؤيده ولا يؤيده أحد العاقلين إطلاقا
شرعية الخروج على مبارك العصيان المدني بين ضرورات الشريعة وإملاءات الواقع
التدوينة القادمة ان شاء الله ستكون موجهة إلى المثقفين في مصر .. لماذا لا نعلن العصيان ؟
Labels: اخوان, اسلام, المحاكمة العسكرية, سياسي, عام |
استطيع ان ارى مجهودك في كتابة هذه التدوينه فجزيت الخير
قرأتها لكن الموضوع يحتاج للقراءة ثانية على رواق اكثر،