|
حسام عدنان صادق ـ الجزيرة توك ـ كلجاري ـ كندا
لم أنسَ بعد تلك الحكاية التي روتها لي أمي ذات يوم .. ذلك الرجل الحكيم الذي جمع أبناءه وهو على فراش الموت .. وطلب منهم أن يأتوا له بعصى صغيرة .. وكسروها أمامه بأقل جهد وأدنى قوة .. وطلب بعدها رزمة من العصي مجتمعة .. ولم يقدر أحدٌ منهم على كسرها .. كانت أمي تحكيها لي كي يتشبع عقلي وكياني كيف أنَّ في الإتحاد والتعاون قوة وكيف أنَّ في الفُرقةِ ضعف !! .. ويبدو أنها نجحت - على الأقل - في إيصالي للنقطة التي من خلالها أستطيع أن أرى – وبوضوح – إتحاد وتعاون الأمم من فرقتها ..قد كان من الصعب عليَّ فعلاً في بادئ الأمر هنا أنْ أجدَ منزلاً صغيراً يناسبني .. أن يكون في مكان قريب من الجامعة وحوله أماكن لشراء ما قد احتاجه دون الاضطرار إلى شراء سيارة في أول شهوري هنا على أقل تقدير..
وفعلاً .. بعد أكثر من أسبوعين .. وجدتُ بيتاً صغيراً في قلب المدينة ..ولكن ما فاجأني وقتها أنَّ المنطقة تُسمى (China Town) أو "الحي الصيني" ..
كانت كل اللوحات على المحلات التجارية وحتى لوحات أرقام الشوارع مكتوبةٌ باللغة الصينية !! ..
والناس الذين يسكنون هذه المنطقة ويرتادونها أغلبهم من الصين .. والعجيب جداً أن هذه المنطقة في قلب ووسط مدينة كلجاري!! .. في الداون تاون ..

لم أكن أدري بعد كم هم منتشرون.. وكم عددهم هنا.. وكيف أتوا وكيف وصل بهم الحال إلى أن يكون لهم منطقة كبيرة كهذه باسم بلدهم "الصين" !! .. إنهم منظومة متكاملة ..
وبعد سنة تقريباً .. اكتشفتُ أنَّ الأمر لا يقتصر على كلجاري فقط .. بل إنهم موجودون وبكثافة في كل مدن كندا .. والحي الصيني هذا يوجد في قلب كل مدينة كندية تقريباً .. بل سمعتُ أيضاً .. أنَّ في مدينة فانكوفر (Vancouver) عددهم يفوق الوصف والتخيل !! ..

إنَّ المنظومة الصينية والتكاتف فيما بينهم ملفت جداً في كندا .. لقد رأيت كيف يهتمون بأمور بعضهم البعض ويساعدون بعضهم البعض .. حتى أنَّ أي قادم جديد إلى هنا يستقبله مجموعة من الصينيين في المطار كي يوفروا له مكان إقامة وعمل وكل شيء يحتاجه ليبدأ حياته هنا ..
كما أنَّ تجارهم يجتمعون ويضعون رؤوس أموالٍ ضخمة لبناء مجمعات تجارية ومحلات كبيرة تبيع وتروج صناعاتهم ومنتجاتهم .. إنهم يشجعون ويروجون لبلادهم وهم هنا منذ سنين طويلة ..
والغريب أيضاً .. أنك تسمعهم يتخاطبون فيما بينهم باللغة الصينية.. ليس كغيرهم من المهاجرين الذين يتكلمون فيما بينهم بالإنجليزية ولا يستخدمون لغتهم الأم إلا قليلاً ..
لا أدري كيف أعبر لكم عن إعجابي بهم .. عن تقديري لتعاونهم وتكاتفهم .. عن مدى أصالتهم وتمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم .. عن مدى اعتزازهم بصناعاتهم وإخلاصهم في ترويجها وتسويقها ..
إنهم فعلاً .. شعبٌ قوي وعزيز .. وشعبٌ حتى وإن هاجر .. لا ينسى أنَّ لوطنه حقاً عليه .. شعبٌ لم تختلط عليه الثقافات ولم تمسخه المدخلات من كل مكان ..
ما قد يحززني فعلاً .. أن ترى المهاجرين العرب هنا قد تخلوا عن كثيرٍ من ملامح عروبتهم وعاداتهم وتقاليدهم .. تنكروا لأوطانهم ولغتهم ..
والمؤسف أكثر .. أننا أصبحنا نرى ذلك في أوطاننا وبلادنا العربية .. فالكثير من الشباب والفتيات تقنعوا بقناع غربي وتبنوا أفكارهم وعاداتهم وحتى أنهم لا يلبسون إلا مثلهم ولا يأكلون إلا من أكلهم !! .. إنها غربة وتغريبة في آنٍ واحد !! ..
إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) !!
وهذا ليس كل شيء .. بل أنهم هنا وهناك .. لم يكن الإتحاد فيما بينهم غاية – أقصد العرب طبعاً - ولا مراد يسعون إليه .. لا تكاتف ولا تعاون ولا تكافل .. شعوب وأممٌ منفصلة .. بهمومها .. وأهدافها .. ومشاكلها .. وطموحاتها وكل شيء ..
كلٌّ في واد .. ونسوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ..
|
اشكرك جزيل الشكر اخي الكريم على هذا المقال وانا من اشد المعجبين بهذه البلاد ةاميزها عن غيرها من البدول في العالم لانهم شعب رائع كما ذكرت في مقالك واتنمى ان تزودنا اكثر عن ثقافة هذه البلاد الرائعة، وانا من الاشخاص الذين يتمنون زيارة الصين لكي اتمعن في ثقافة وحضارة هذا البلد العريق ، وشكرا لك مرة اخرى