عبد الوهاب المسيري..الإنسان، وذلك اللقاء اليتيم

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

عبد الوهاب المسيري

مشاعر كثيرة ومختلطة تلك التي اعترتني بعد سماعي لخبر وفاة الدكتور والمفكر الكبير والقامة العلمية السامقة عبد الوهاب المسيري رحمه الله، فرغم أن المرض الخطير الذي أنهكه لأكثر من ثماني سنوات جعل صموده حتى اليوم أشبه بالمعجزة إلا أن من يلحظ تلك الروح الوثابة النشطة من عقال الظلم والطغيان لا يشك للحظة أن صاحبها سيرحل في قمة عطائه الفكري والعلمي خصوصا وأن ذلك المرض السرطاني لم يقعده في بيته ويلزمه سريره -رغم أنه معذور- بل إن سني هذا المرض شهدت مرحلة إنتقال الدكتور المسيري من التنظير والتقعيد الفكري وتأليف الموسوعات إلى العمل والنزول في الشارع وتطبيق أفكاره التي لطالما نادى بها وتبناها.. تلك الأفكار التي شهدت على أننا بحقيقة يمكن أن نطلق لقب مفكر وفيلسوف على الدكتور المسيري وقلة من يستحقون هذا اللقب في عالمنا العربي وكثيرة من يتشدقون به ويزينون به أسمائهم على غير وجه حق.

النيل - القاهرة

ما أثار مشاعري أكثر هو مرور عام إلا أيام قليلة على لقائي الأول والأخير بالدكتور الإنسان عبد الوهاب المسيري رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته- فعندما عزمت للمرة الأولى الصيف الماضي على زيارة مصر لم يكن في خطتي زيارة الدكتور المسيري -وإن كنت أتمنى ذلك - لكنني كنت عقدت العزم على التوجه إلى أقرب دار نشر أو مكتبة وشراء كتابه الجامع وسيرة حياته الفكرية (سيرة غير ذاتية غير موضوعية- رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار) مهما علا ثمنه بعد أن سمعت وقرأت الكثير عن هذا الكتاب وتشوقت لقراءة قصة حياة ذلك المفكر العظيم الذي أفنى حياته بالعلم والقراءة وبوضع أسس نظرية جديدة ومفاهيم فلسفية يمكنني القول إنها الأولى منذ قرون ولا أبالغ إن قلت أن المسيري هو أول فيلسوف ومفكر حقيقي يمكننا أن نضعه بجانب قاماتنا التاريخية الأخرى كابن رشد وابن خلدون وابن طفيل والشاطبي وابن سينا وأبو حامد الغزالي وغيرهم ممن أثروا فكرنا وتراثنا العربي والإسلامي.

دار الشروق

إلا أن القدر كان يخبئ لي أمور أخرى في تلك الرحلة الجميلة إلى أم الدنيا وعز العرب والمسلمين. فبعد لقائي المخطط له بالأستاذ والصحفي حسام تمام في نقابة الصحفيين بوسط القاهرة وبعد أن أغدق علينا الأستاذ حسام من كرمه الصعيدي الشيء الكثير طلبت منه أن يرشح لي شخصيات ويحدد لي مواعيد للإلتقاء بها سويا أو بمفردي لعلي أخرج بفائدة من زيارتي السياحية هذه.

حسام تمام

تداولنا عدد من الأسماء ثم نظر لي بإبتسامة وقال ما رأيك(بالإنسان المسيري)، وافقت على الفور فاتصل به ولكنه لم يرد، بعد دقائق عاد المسيري واتصل به ورحب بزيارتنا رغم أنه للتو خرج من انتكاسة صحية استمرت بضعة عشر يوما، قبل ذلك أسرعت إلى دار الشروق لشراء كتاب المسيري (سيرة غير ذاتية) واصطحبته معي إلى منزل الدكتور المسيري ، حيث توجهنا من زحام وسط القاهرة الخانق إلى تلك المنطقة الهادئة والراقية (مصر الجديدة أو هيلوبوليس) ، وهناك وبالقرب من قصر رئيس الجمهورية يقع منزل الدكتور المسيري وعائلته ذلك المنزل الجميل أو كما يعرف هناك بـ (ديوان المديرية 1870) نسبة إلى لوحة رخامية اشتراها المسيري من أحد محلات بولاق القديمة -حيث يعرف عنه اهتمامه بالآثار والتراث العربي والإسلامي- فعندما تدلف إلى ذلك المنزل تشعر بإنتقالك إلى عالم آخر تم تشكيله وزخرفته بإشراف مباشر من الدكتور المسيري فحيثما إلتفت يمينا أو يسار بدئا من السلم الضيق الصاعد إلى مختلف أنحاء الشقة سترى لوحة فنية عالمية أو زخرفة إسلامية أو فسيفساء عربية أو منحوتات عالمية جميلة وهناك المشربيات والزهور والأوراق الشجرية كل هذا يدلك على الذوق الرفيع والإهتمام بالجمال الفني لدى الدكتور المسيري فمن وحي هذا الجمال المنزلي ينطلق الإبداع والتفكير السليم ومن هنا خرجت أفكار وقواعد وأسس نظرية لم يخرج مثلها في القرن العشرين على الأقل.

نقابة الصحفيين

استقبلتنا زوجة المسيري الدكتورة هدى حجازي بكل ترحاب وقادتنا إلى الغرفة المكتبية الصغيرة لزوجها الذي رحب بنا واعتذر منا على تناوله لوجبته الأولى بعد أربعة عشر يوما من انتكاسة صحية لم يأكل فيها شيئا! تأملت تلك المكتبة وتلك الكتب الكثيرة أثناء دخول حفيده أدهم علينا وأدركت حينها أن من يغرق في تلك الأوراق يحق له أن يقضي أكثر من اثني عشر ساعة يوميا في القراءة أو البحث أو قرابة ثمانية عشر ساعة يوميا أثناء تأليفه للموسوعة لدرجة إحساسه بالغربة عن المجتمع والناس كما يخبر عن ذلك بنفسه في سيرته غير الذاتية.

النيل - القاهرة

انتقلنا بعد ذلك إلى غرفة الجلوس وشاركتنا الدكتور هدى حجازي المجلس وربما زوجة ابنه ياسر وكان الحديث في أغلبه عن أوضاع مصر الداخلية ومشاكلها ومسامرات حول بعض تلاميذه وعن رحلة الأستاذ حسام تمام القادمة إلى موريتانيا وغير ذلك، ولم يكن الوضع يحتمل جلسة طويلة أو أسئلة كثيرة للدكتور المسيري لحالته المُتعبة حتى أنني أشفقت عليه من مجرد التوقيع على كتابه الذي ابتعته للتو..

الأزهر

انتهى المجلس بقيام المسيري للنوم ،حرصت على أن أصحافه بحرارة عند توديعه على امل لقاء آخر أدركت وأنا أهبط درجات السلم أنه سيكون اللقاء الأخير فلا أنا من سيقوم بزيارة أخرى قريبة إلى مصر ولا حالة الدكتور المسيري الصحية تبعث على الإطمئنان.

المسيري

بعد عودتي من مصر حرصت على السؤال عن أحوال الدكتور الصحية وتتبع أخباره من الأستاذ حسام تمام. وكنت قد أعددت قائمة طويلة من الأسئلة للدكتور المسيري على أمل وصوله إليه بالبريد من شخص زاره ذات يوم ويرغب بمعرفة المزيد عن فكره وحياته.

لم أوفق بالإهتداء إلى طريقة تصل بها الأسئلة تحديدا إلى الدكتور المسيري ثم أهملت الأمر وبقيت أتتبع الأخبار المفرحة بتحسن حالة الدكتور المسيري الصحية ثم بدئه بموسوعة جديدة عن اليهود ونشاطاته الأخرى وروحه التي لا تكل ولا تمل في المشاركة والحديث والتأليف، إلى أن جاء خبر وفاته المحزن اليوم، فرحمه الله كم فقد العالم العربي والإسلامي قامة كبرى برحيله.

رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار

أما عن ذلك الكتاب الجامع والآسر (رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار - سيرة غير ذاتية غير موضوعية) فهو بحق يعد أعظم ما أُلف في أدب السيرة الذاتية والفكرية ولا تتوقع أن تجد تفاصيل الحياة الشخصية للمسيري إلا لماما فهذا الكتاب مخصص لحياته وتطوره الفكري وما أثر على ذلك من مواقف وأحداث فالتقسيم هنا موضوعي بحت وليس تاريخي يبدأ من ولادة الدكتور، والمواضيع التي ستقابلك هناك رغم خوضها الفكري والفلسفي إلا أن لها متعة لا توصف ومايحدث عند قرائتك لهذا الكتاب هو عصف فكري ضخم وتوليد كبير لأفكار جديدة وكأن الدكتور يشاركك النقاش والأخذ والرد، لذلك قضيت من أسبوع إلى عشرة أيام في قرائتي عفوا -ليس قرائتي فقط بل تأملي وتفكيري بسطور الدكتور في هذا الكتاب إلى أن عزمت على قرائته مرة ثانية وثالثة وأكثر ولم أفعل للأسف إلى الآن- وكم تهيبت أن أكتب مراجعتي ورؤيتي لهذا الكتاب منذ قرائتي له قبل عام ولم أفعل إلى الآن فأنا لا أستطيع أن أكتب على هذا السفر الضخم (أكثر من سبعمائة صفحة) في بضع صفحات إلكترونية، بل الأمر يحتاج إلى حلقات كثيرة من الرؤى والمراجعات لههذ المواضيع الغنية والدسمة في ذلك الكتاب.

عقبة مشوح

إنه حقا مما يفرح أن الدكتور المسيري انتقل من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية في رحلته الفكرية الطويلة تلك وفي مراجعاته العديدة ومراحل تطوره الفكري ما ينبئك عن شخصية فذة لا تخجل من الإعتراف بالخطأ بل إن همها الدائم ودأبه المنقطع هو في البحث عن الحقيقة والحقيقة فقط حتى أنه قضى منعزلا ثلاثة أيام بلياليهن للتفكير في الإجابة عن سؤال سمعه حول أحد نظرياته أو أفكاره!

جنازة المسيري

لقد ترك المسيري مشروعا فكريا ضخما وفريدا يحتاج إلى العناية والدراسة والنشر والمناقشة والعديد من النظريات (لعل أبرزها : النماذج المركبة في التحليل، والجماعات الوظيفية وغيرها) وهذا مايتيح للعديد من الباحثين الفرصة للخروج بأفكار ومؤلفات وأعمال قديرة اعتمادا على ماتركه المسيري من إنتاج ضخم ومهم أتمنى ألا يهمل كما أهمل النظام المصري المسيري وإنتاجه وحياته حتى إنه غاب عن جنازته ولله الحمد..

للمسيري الرحمة إن شاء الله ولنا كل الحزن والألم على غياب شخصية علمية وفكرية فذة من النادر أن تجد منها في عالمنا وعصرنا.

====

في حضرة عبد الوهاب المسيري - حسام تمام:

http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1660

مواضيع متعلقة

وسوم: , , , , ,

التعليقات 6 على “عبد الوهاب المسيري..الإنسان، وذلك اللقاء اليتيم”

  1. مدونة .. أروى عبد العزيز » أرشيف المدونة » .. عبد الوهاب المسيري : شوكةٌ في حلق الصهاينة .؟! علق:

    [...] لم ألتقي به .. إلا أنني سمعت عنه الكثير من أخي : ” متابعات عقبة ” العام المنصرم .. أثناء زيارتنا لأرض الكنانة و ” [...]

  2. Jassass علق:

    Test

  3. ميس داغر علق:

    هنيئا ً لمن عرف المسيري ” الإنسان ” عن قرب ..
    ما أرجوه هو أن يعطي موت المسيري الحافز الكافي لولادة عشرات ٍ منه بعده ..

  4. Okbah علق:

    ما زال فكر المسيري بحاجة إلى جهود جبارة للإستفادة منه وتطبيقه..

    إن ماأنتجه هذا الرجل كاف لإعادة صياغة العقل العربي والتقدم به نحو التحضر والرقي والنجاح

    رحمه الله وغفر له

  5. عقبة علق:

    شكرا أخي متابع على تعليقك الجميل..
    قرأت هذا الكتاب في أسبوع واستمتعت أيما استمتاع به فهو أعظم ما قرات في مجال السير الذاتية أو غير الذاتية التي ابتدع طريقتها المسيري رحمه الله..
    وكما قرات بالأمس سيترجم هذا الكتاب إلى الإنجليزية والفرنسية وسيوزع هناك..
    رحم الله المسيري ورزقنا بمثله علما وفكرا وأدبا..

  6. متابع علق:

    كما سرني جداً الخبر الذي ذكرته أن الكتاب سترجم إلى الأنجليزية والفرنسية .إلا أننى أخشى الا تنقل الترجمة أفكار الدكتور كما أراد .
    لذا أتمنى حقيقة إن كان لك صلة أو علاقة بعائلة المسيري أو من لهم صلة فكرية بهم لكي تشرف العائلة (زوجتة ) أو (ابنته) أن تشرف على هذه الترجمة حتى تنقل ذات الأفكار ، وإن كان بالإمكان أن تقوم (ابنته نور) شخصياً بهذه الترجمة فهو الأفضل لأنها ستكون الأجدر والأقدر على نقل أفكار والدها ، كما أن لها تجربة سابقة ذكرها الدكتور في كتابه عندما أشترط على أحد دور النشر في أمريكا أن تكون المترجمة هي أبنته لتلك النصوص التي ألفها عن القضية الفلسطينية ورغبت بعض دور النشر في نشرها هناك .

أضف تعليقاً


Creative Commons License