طيارة ورق

Friday, July 11, 2008

البحبوحة .. والغضاضة




هو
لم يكن يحيا في بحبوحة من العيش .. لكنه كان يعيش .. يدرك جيدا كيف يهرول جوار الأوتوبيس حتي تتساوي السرعتان فيقفز قفزة علوية جانبية تؤهله للركوب .. وكان يدرك جيدا كيف يعقد صفقة مع بائع الصحف فيشتري صحيفة واحدة من حر ماله ويتصفح طيلة الأسبوع أو يؤجر مجلة بربع جنيه علي أن يعيدها لم تمس قبل موعد سيارة المرتجع .. وكان يدرك جيدا فائدة عصير القصب للكلي والعرقسوس للمثانة ولبان الدكر للكحة .. ولم يجد غضاضة يوما في أن يملأ جوفه بالخبز الحاف وينام

هو آخر
لم يشعر من حوله يوما أنه يرحب بوجود بحبوحة فكرية كما يصرح دوما مناديا بتشجيعه للحريات .. فهو نفسه مغلق كخزانة حديدية فقدت أرقامها السرية .. لم يتزحزح عن فكرة ثبت انتهاء صلاحيتها ولم يتنازل عن معتقد تيبس بفعل الزمن .. استأسد من داخله وأحس أنه يحق له الاختلاف .. لم يجد غضاضة أبدا في التيقن من أنه علي صواب وباقي أحياء الكوكب علي خطأ

هو الأولاني
أحس -بداعي الغباء- أنه أصبح في بحبوحة من الحرية فبدأ في التجرؤ علي تصفح صحف مستقلة بعد اختفاء صحف المعارضة وأنشأ لنفسه مدونة من خلال النت كافيه المجاور الذي يعيره كابلا بجنيهات قليلة يصله بكمبيوتر مستعمل أخذه تخليص حق من تاجر خدعه في تليفزيون محترق المكونات الداخلية .. ولم يجد غضاضة في أن يفك عن نفسه ويكتب : أنا مخنوق ومحبط في أم بلد لا تبالي بالأغلبية المتسولة .. رأي كثيرين يفعلون مثله ولم يجرؤ علي مواساتهم كما لم يفعلوا هم فظلت صفحة التعليقات لديه خاوية بيضاء .. يرتاد في وقت فراغه الطويل لبطالته المزمنة مقهي قذر يتناول به فنجان قهوة سبق تقديمه لأحدهم .. ولا يجد غضاضة في مشاهدة توك شو يهاجم فسادا يستشعره ويحيا عفونته .. كنوع من التنفيس الذي أتاحته البحبوحة

هو الآخر
يحيا في صراع مع شيئين : الزمن والصعاليك الأغبياء .. يؤرقه مجرد تخيل وجود ناقد فاشل موتور علي غير هواه .. فهو يري نفسه ركن من أركان هذه الصفوة الفاهمة التي أصابها تكليف -وليس تشريف- إحكام السيطرة علي الغوغاء .. تضايقه البحبوحة التي يظن أنه منحها للآخرين فيقرر
حرمانهم منها


وطبعا .. لم يجد غضاضة في ذلك فلربما لجهلهم أساءوا استخدامها وهو قطعا أقدر منهم علي معرفة مصلحتهم .. إنهم لا يعون حجم معاناته وضخامة مسئولياته .. عليهم أن يصمتوا ليدعوه يعمل في صمت .. ويخلق لهم فرص للحياة .. لكنهم معنيون فقط بالانتقاد .. سحقا للصعاليك

هو الأولاني تاني
يصحو صباحا مفتقدا البحبوحة .. يشعر أنه تم نشل محفظته الخاوية .. ينزل مسرعا ليجد بائع الصحف يبيع لبانا فقط .. يشتري واحدة بطعم المر يلوكها بصمت وهو يجري بجوار الأوتوبيس حتي تتساوي السرعتان .. يصل إلي صديق ملقي في المقهي منذ زمن فيتبادلا سلام الجرذان .. ولا يشاهدا غير ماهو مسموح به في المقهي .. فيديو كليب فاجر .. يقرر العودة ليري ان كان أحدهم قد ترك تعليقا في مدونته .. فيجد النت كافيه قد غير نشاطه إلي بيع الملابس الرياضية .. يلجأ إلي الدايل أب فيتذكر أن تليفونه مرفوع لعدم سداد الاشتراك .. لا يجد غضاضة في الهرب نوما فيغمض عينيه وينام لتطالعه صورة لصفحة تعليقاته البيضاء دوما وبها تعليق وحيد .. هو سؤال في حقيقته .. كتبه غير معرف قائلا

أنت عبيط ياض
‏?‏?!!

‏*‏**

تعريفات
هو الأولاني : واحد من الأغلبية العايشة والسلام
هو الآخر : واحد من الأقلية العايشة للالتهام





Labels:


Posted by بثينــــــة :: 2:00 AM :: 13 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------