|
27/07/2008 |
|
القراءة طريقك الى الثقافة
عمر عاصي - الجزيرة توك - يافا
كعادتي عند كل زيارة لمدينة القدس العربية, أحرص ان أزور في السوق المكتبات التي أعرفها من باب تأييد الكتاب وأهله وتقديرا لعظمته وامتثالا بقول أحد الحكماء لبنيه : يا بَنيَّ لا تقوموا في الأسواقِ إلاّ على زَرَّادٍ أَو وَرَّاق .. واني والحق يقال انني منذ الصغر أحب الاسواق وزيارتها ولكن عندما عرفت مواقع الورَّاقين بت اشعر برونق خاص لهذه الاسواق فلم اعرف في الأسواق انفع من حانوت يباع فيه خير جليس , كتاب قال فيه المتنبي : اعز مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
دخلت إحدى المكتبات اسأل عن قائمة كُتبٍ تعرفت عليها عن طريق الشبكة العنكبوتية وعزمت على شرائها وما إن بدأت بذكرِ اسماءِ الكتب إستوقني البائع وقال لي : ليست عندنا هذه الكتب ..
تأثرت بعض الشيء لعدم وجود الكتب التي قصدتها وعدم وجود مكتبة على مستوى عال في بلادنا نجد فيها ما اردنا من الكتبة التراثية ذات الورق الاصفر .. لم يردعني هذا عن البحث عن كتابٍ قيل فيه :
خير المحادث والجليس كتاب .. تخلو به ان ملّك الاصحاب
لا مفشيا سرا اذا استودعته .. وتنال منه حكمة وصواب
فوقع طرفي على كتاب ارتحتُ لعيانهِ، واهتززتُ لعُنوانِهِ واستملحت غلافة .. وكأن الظفر به نعيم والنظر فيه فتح عظيم , كان كتاب يوميات مبدع الجزأ الثاني بعنوان ٍ جانبي : قفاز المهارة .. كان في العنوان جاذبية تُشعر المتأمل فيه بالابداع يتعانق والمهارة كي يكونان نتاجا عظيما لم يسبق لي ان عرفت عن مؤلف كتب والف مثل هذا المؤلـّف.
شرعت في قراءة ما كُتِب على الغلاف من كلماتٍ مشجعة في القدرات المكنونة في داخل كلٍ منا فزادني اعجابني بالمؤلف وكتابه , وفتحت الفهرس فازددت رغبة في اقتناءه . سألت البائع عن سعره فاجابني ان هذا الكتاب بجزأيه يباع بـ 25 شاقلا وازددت فرحة لمّا عرفت ان هناك جزء اخر لهذا الكتاب الذي كان لي كالماء للعطشان بمجرد معاينته .. واستطردت هذا الشعور الجميل بشعور من الاسف وكنت اقول في نفسي : سبحان الله مثل هذه الكتب تباع بمبالغ بخسةٍ وعند اليهود يبيعون الكتب البسيطة باسعار غالية نسبية تصل الى ضعفي وثلاثة اضعاف سعر كتاب يوميات مبدع بجزأيه , فكتبهم وان كانت غالية الثمن تجد الاقبال وكتب مؤلفينا تُبَاعُ بِهَذَا الثّمَن ولا تجد من يشتريها غالبا ..
تناولت الجزء الاول من الكتاب وهو : القراءة طريقك الى الثقافة , والحق يقال انني في البداية ظننته كأي كتاب يريد مؤلفه ان يقنعك بأهمية القراءة بالصورة المعهودة والمألوفة ولكن سرعان ما تغير هذا الانطباع الاول بفتحي للكتاب وتصفحي لمقدمته وخاتمته وفهرسه , انه كتاب ارشادي وعظي يتناول أداة من ادوات الثقافة الا وهي القراءة فتجد في المدارك التي ينبغي للمطالع فهمها وطرقا يحسن فيها اداءه وتسوّي اهدافه كل هذا بأسلوب عبقري يجعل المتناول للكتاب يشعر بحاجته الملحة للثقافة والتثقّف عن طريق القراءة ..
في فصله الاول يتناول موضوع الثقافة بصورة ذكية ما بين تساؤلات قد تخطر ببال اي انسان وما بين عرض لمعلومات قد يحتاجها اي قارئ ومطالع, وفي فصله الثاني يأتي دور الترغيب في القراءة ومنافعها, وفي فصله الثالث تجد الاثارة والدهشة حول ما يتعلق باستراتيجيات القراءة السريعة ومن العناوين الجذابه فيه هي : كيف تتصفح كتبا بأكملها في خمس دقائق ؟
, ويكمل في فصله الرابع بذكر طرق ووسائل لتحسين القراءة الوظيفية للامتحانات والاختبارات , اما في فصله الخامس فيذكر طرق القراءة والاغراض منها واختلاف الاساليب فيها , وعند الفصل السادس يتناول القراءة في القرن الحادي والعشرين وما يخصها من مميزات او طرق. وفي الفصل السابع والثامن يعرض عرضا تاريخيا عن الكتاب والمدارس في الاسلام وهو فصل يُشعرنا بالحسرة على ما كان من كتب عظيمة في تاريخنا كان مصيرها الحرق والنهب والاهمال بصور فظيعة , واما في الباب التاسع يعرض المؤلف قضية العزوف عن القراءة من جميع نواحيها في وسائل للتشجيع على القراءة او حب القراءة كما ويعرض بعض الاسباب لهذا العزوف , واخيرا في فصله العاشر يعرض امراض القراءة بصورة علمية ويحمل معلومات غريبة حقا !
كل هذا كان قد جعلني اقوم بتأجيل مطالعة وتصفح كتاب : قفاز المهارة الذي كان سببا في تعرفي على الجزأ الاول الى ان انتهيت من الكتب الذي وجدت في مذاقا لذيذا ونفعا جليلا..
نرى ان المؤلف محمد السعيد في مقدمته تعرض لأسئلة ملتاعة يتسائل فيها ما الثقافة وماذا قدمت لنا ؟ وهل هناك مثقف عربي ؟ وما هي ادوات الثقافة ..
ما يثير , ان ادراج مثل هذه الاسئلة وغيرها في المقدمة توحي على فكرة نيّرة ترد في الكتاب وفي العقل المدبر المؤلف لهذا الكتاب وهي ان القراءة ليست الا اداة من ادوات الثقافة وهذا هو الصواب بعينه .
لان القراءة اذا لم توصل الى الثقافة الصحيحة وشخصية المثقف المرجوة فاين النفع منها ؟ ومن الجدير ذكر تعريفا للثقافة يظهر في الصفحات الاولى من الكتاب : هي سر هذه الحضارات ونور يضيء الطريق امامها لنسير في دروب الحياة ونرى الامور بمصباح العقل وهي دعوة مستمرة للمعرفة والفهم وهي ذلك المولد الذي نحول به الاحلام والامال من خلال امكاناتنا الى انجازات.
لقد ابدع الاستاذ محمد السعيد في هذا التعريف الموجز الذي يحمل بين كلماته وما ورائها معانٍ عظيمة ودعوة راقية للشروع والنهوض نحو مستقبل واعد برعاية الوسيلة المثلى وهي الثقافة في خدمة رسالة العبودية التي وُجدنا من اجلها وهذا الكتاب كان بمثابة احسن خدمٍ للثقافة.
ان الكلام في مثل هذا الإنتاج الذي أمتع الأبصار وأتحف الأسماع يطول ويطول ولكنني اعتقد بأنني مهما قلت في حق هذا الكتاب فأنا مقصر لا محالة وذلك للنفع العظيم الذي عاد علي من خلال مطالعتي لهذا العمل الإبداعي فلن اطيل كلامي لاقنعك باهمية الكتاب عملا بمقولة السباعي رحمه الله حين قال : ليس عليك ان يقتنع الناس برأيك ولكن عليك ان تقول للناس ما تعتقد انه الحق !
وختاما نسأل الله ان يجازي المؤلف ومن أعانه على اخراج هذا المؤلّف إلى الضوء خير الجزاء والثواب .
|