
حين سئلت الشاعرة نعومى شهاب ناي: لماذا تكتبين؟ قالت "أعرف لماذا أتوق إلى أن أكتب. إن جوعى الأول كل يوم هو أن أدع الكلمات تأتى من خلالى بطريقة ما، ولا أشعر دائماً أننى أنجح فى عمل ذلك وفى بعض الأحيان أشعر أننى مجرد جمهور لكلمات تطفو حولى وداخلى ولكن الاحتمالات تبدو غير قابلة للنفاد، لا أعرف أى قصة سوف تنبثق من بئر التجربة العميقة هذه. ويدهشنى دائماً كيف ان هناك شيئاً لأعمل به كل صباح.
الشعر هو محادثة مع العالم، الشعر محادثة مع الكلمات على الصفحة التى تسمح فيها للكلمات بأن ترد عليك، والشعر محادثة مع نفسك".
الشاعرة نعومى شهاب ناى ولدت عام 1952 لأب فلسطينى وأم أمريكية "أمريكية من أصل فلسطيني" لذلك كانت قضية فلسطين الشاغل الأول للشاعرة لسنوات طويلة. وقد كتبت فى مقدمة مجموعتها "تسعة عشر صنفا من الغزلان: قصائد الشرق الأوسط" الصادر العام 2002، "فكرت طوال حياتى فى الشرق الأوسط وكتبت عنه وتساءلت عنه وعشت فيه وزرته وشعرت بالقلق نحوه وأحببته".
هكذا إذاً، تأتى أنتَ وهذه الخرائط فى رأسكَ /وآتى أنا وأصوات تعنّفنى كى أنطق بلسان حال شعبي/ونغذى السير من حولنا كحرّاس ذاكرة/حتى نجد الرجل على الكرسى الواطئ الذى يصنع المكانس/إبهام فوق إبهام، قشّة فوق قشّة، لن ينظرَ إلينا/ فى زاويته الحجرية، بالكاد ثمة متسع لسلالٍ وخيط /وبقدر أقل بكثير لثقل وجهينا المحدّقين إليه من الشارع/ما خسره أو لم يخسره لهُوَ سرّه /أنتَ تقول إنه مثل كل الرجال/الرجل الذى يبيع الفستق، الرجل الذى ينشر بُسُطه/أكبر سناً الآن، أنتَ تجد قداسة فى كل شيء يدوم، حلماً بعد حلم.
تتميز قصائد نعومى بحميميتها وخصوصيتها قاموسها اليومى الذى يشكل مفردات نصها المغرى لى بالقراءة، العام الفائت وأنا ابحث عبر الشبكة العنكبوتية قرأت حوارا معها أعجبتنى ردودها ووجدت شيئا يربطنى بالمقاطع الشعرية الواردة مع الحوار فقلت فى نفسى هذه النصوص تقترب من نصى الشعري.
فبدأت أتحدث عنها لأصدقائي، أتحدث عن المكنسة والبصلة والقفازات وعروات الأزرار والبكرات وخشبة تقطيع الخضار وبن القهوة ونكهة الطعام وغيرها من المفردات التى تمنحها الشاعرة روحا وحضورا مختلفين.
وعن ذلك تقول الشاعرة نعومى شهاب ناى "هذه الأشياء الملموسة الصغيرة هى ما أعيش معه. أنا مشدودة إليها. هى نقاط جاذبية. مذ كنت طفلة صغيرة، شعرت أن الأشياء الجماد حكيمة جداً، تنطوى على نوعها الخاص من الحكمة، على شيء تلقننى إياه فقط حينما أرعيها اهتمامى المناسب. قصائد وليام ستافورد وقصائد العديد من الشعراء الآخرين التى أحببتها فى حياتي، تعيدنا إلى أشياء العالم، الأشياء التى غالباً ما يُغفل عنها، هذه القصائد كلها تقول: "توقّف قليلاً، سجّلْ ملاحظة، ثمة حكاية تُقصّ عبر هذا الشيء".
لا أنظر إلى أى شيء فى وصفه ثانوياً. أعتقد أن هذه هى هبة أخرى للشعر أغفل عنها. أحياناً كثيرة، يتصّور الناس أن الشعراء ينتظرون تجربة ما، عارمة، تهزّهم، لكنى أعتقد أن اللحظات الأصغر هى الأكثر روعة. هذه هى الحكمة التى كل هذه الأشياء الصغيرة تعلمها".
ففى قصيدة البصلة المرتحلة تقول:
عندما أفكّر كم من المسافات قطعت البصلة/ فقط لتدخل حسائى اليومي، أستطيع أن أركع وأمجّد/كل المعجزات الصغيرة المنسية/ورق هشّ يتقشّر على لوح التجفيف/طبقات لؤلؤية فى انسجام ودّي/فى الطريقة التى فيها تباشرُ سكينٌ بصلة/فيما البصلة تنفرط على خشبة الفرْم/إنما تاريخاً ينكشف /ولن أعيبَ البصلة أبداً لتسبّبها بالدمع /من العدل أن تنهمر الدموع لأجل شيء صغيرٍ ومنسي/ كيف وقت الطعام نجلس لنأكل/منوّهين بنوعية اللحم، أو بالنكهة العشبية/لكن أبداً ليس بشفافية البصل/الليّن الآن، المتفرّق الآن/أو برسالته المهنية المشرّفة تقليدياً فى سبيل الآخرين/يتلاشى.
وعندما سئلت نعومى عن حكاية قصيدة البصلة المرتحلة قالت "البصلة كليّة الوجود عبر ظهورها فى أمكنة عدة وفى وصفات طعام مختلفة.هذا الاقتباس الذى تُستهل به القصيدة، مأخوذ من \'كتاب الطبخ لأجل حياة أفضل\'. لقد أحببت الطريقة التى مجّد فيها تاريخ البصلة. لقد جعلها تبدو أنها تنقلّت فى كل مكان كى تصل إلى البلدان الموجودة فيها الآن، تاريخ البصلة بدا كأنه واحد من تلك الأشياء التى فعلاً لم يأتِِ على ذكرها أحد.
الناس يتحدثون عن الطعام عندما يتناولون وجبة شهيّة، لكن كم من المرات يثنون على بصلة؟! ثم كيف البصلة مبنيّة- عظمتها، توليف طبقاتها- لقد قرأت العديد من القصائد الرائعة التى يلجأ فيها الشعراء إلى استخدام البصلة كاستعارة متقنة، متأنقة، للدلالة على البشر، الحياة، الزمن، ومع ذلك فإنها شيء شبه منسى فى ذاتها وبسبب منها. البصلة تتلاشى لتضحى جزءاً من طعامنا، فنحن لا نجلس لنأكل بصلة وحسب".
يقول أحد النقاد ان البساطة والعمق هما ما يمنحان شعرها دفئاً رحمياً آمناً، وبعداً ميتافيزيقياً تكاد لا تخلو منه مفردة حياة واحدة فى قصائدها مهما بدت سطحية.
لأشعارها روح مائية، تتعدى ملكاتها الشفافيّة والصفاء والترشّح والجريان، إلى القدرة على التسرّب غفلةً إلى أعمق المشاعر.
أيام جدتى خبز/من رق مستدير وخبز وئيد/تقف بجانب الفرن وترقب سيارة غريبة/تجوب الشوارع. لربما كانت تقل ابنها/الذى غادرها إلى أميركا - الأغلب أنها تحمل سواحا/ًيركعون وينتحبون عند أضرحة غامضة/تدرك جدتى كم مرة يأتى البريد/وتدرك أنه قلما تصلها رسالة/حين تصل واحدة، تعلن أن معجزة قد وقعت/وتصغى لها تتلى مرة تلو مرة/فى ضوء المساء الخافت/صوت جدتى يقول/لا شيء يثير دهشتها.
ونذكّر انه صدر للشاعرة نعومى شهاب ناى عدد من المؤلفات فى مجال الشعر والرواية وأدب الأطفال هي:"قفاز أصفر"، "أنت ولك"، "كلمات تحت الكلمات"، "حقيبة حمراء"، "وقود"، "تسعة عشر صنفا من الغزلان: قصائد الشرق الأوسط"، "حبيبي"، "مركب الأغنيات"، "هذه السماء نفسها"، "قصائد ولوحات من تكساس".
ثمة امرأة تفتح نافذة ما ـ هنا وهنا وهنا ـ/واضعة مزهرية من الزهور الزرقاء على قماش برتقالى وأنا أتبعها/إنها تعمل حساء مما كانت قد تركته فى القدر/ لقد ذوبت الثوم، وطهت الفاصولياء/إنها لا تترك شيئا خارجا.
الاثنين, 28 يوليو, 2008
الشاعرة نعومى شهاب:الشعر حوار مع العالم ومع الكلمات
الشاعرة نعومى شهاب ناي
الشاعرة نعومى شهاب:الشعر حوار مع العالم ومع الكلمات
العرب أونلاين : خلود الفلاح
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















