|
عندما يتحول "الكباريهّ " إلى منبر دعوة |
|
|
|
07/08/2008 |
(قصة الفلم السينمائي الصادم )
محمود أبو بكر - الجزيرة توك - الجزائر
 "كباريه'' اسم يحمل مدلولا معينا لدى ملامسة إيقاعه لشبكة السمع، فتنسدل الصورة الجاهزة عن المكان واقعا وذاكرة، ومخزون ''حكائي''·· لكن هذه المرة تحوّل الاسم إلى عمل درامي عصري، يختزل الكثير من المفارقات المهمة عن ''المكان'' الذي غالبا ما يرتبط بمفهوم سلبي لدى العامة، أو يشير بشكل أو بآخر إلى ''أحكام أخلاقية'' قد لا تكون موضوعية تجاه هذا ''الحيز المكاني'' بما يحويه من عوالم وشخوص مختلفة ومتفرقة بل ومتناقضة أحيانا·
''الكباريه'' هذه المرة بالفعل تحوّل إلى ذاكرة عوالم تختلف عن تلك المختزنة في الذاكرة·· لوحة تناقض صور ''الدهاليز الملتوية التي لا تتسع سوى للساهرين من أجل تحقيق نزقهم ونزواتهم لتعبُر نحو أبعاد أخرى أكثر عمقا وملامسة لواقع تلك العوالم المبهمة بكل تناقضاتها ومفارقاتها·
''الفيلم'' الذي يشاهد الآن في دور العرض القاهرية يبدو مختلفا لأنه في البدء يحمل رسالة صادمة للصور النمطية، في محاولة لكسر القوالب الجاهزة لدى الوعي / اللاوعي الجمعي، وبذلك يقود المشاهد نحو اكتشاف ''العوالم السرية للأشياء'' وللشخوص التي يموج بها المكان، بين باحث عن إشباع رغباته الذاتية وبين تائه خلف لقمة ''خبزه الحافي'' في رحاب سراديب المكان الذي يضج بأصواته وتعبيراته الجسدية والإيحائية وبتناقضاته الكثيرة التي قد لا تكون سلبية ''على طول الخط''·
وبالرغم من بعض ''الضعف'' الذي قد يلاحظه المشاهد على مستوى البناء المنهجي لفكرة الفيلم الصادم، فإن الاشتغال الحثيث (الذي يبدو واضحا) على الرسالة المركزية قد يجعل المشاهد مُعرضا عن تلك المناطق التي يتبدى فيها الضعف، -إن صح القول-·
الفكرة الجوهرية في هذا العمل الدرامي -كما يبدو لي- تتمثل في مواجهة ''التطرف'' الذي كاد أن يصبح هو ''القاعدة'' ضمن الظواهر المستحدثة في العالم العربي الإسلامي لظروف تاريخية معروفة·
المجابهة هنا تتجاوز الرهان الأمني وتحاول تقديم مقاربة فكرية واضحة في تعاطيها مع الآخر (المتطرف) مبدية مواضع الضعف التي تقود نحو استقطاب تلك الجماعات للفئات الأكثر فقرا من المجتمع·
الشاب الذي يجد نفسه حائرا بين تلبية حاجياته وبين بقائه مكتوف اليدين على الرصيف (بالرغم من الشهادة الجامعية التي يحملها) فيصبح لقمة سائغة في أيدي الجماعات المتطرفة التي تستغل ''ضعفه'' فتشعل في دواخله قناديل التمرد على الوضع القائم مبشرة إياه بمتع الآخرة الذي لا يتحقق -وفقها- إلا على ركام جريمة تستهدف مكانا عاما·
الفكرة هنا وإن بدت مستهلكة، وبديهية فإن عبقرية المعالجة تبدو فريدة ومتجاوزة لما سبق تقديمه في الأعمال الدرامية الأخرى، لا سيما في المواقف والمفارقات التي يتضمنها العمل خاصة عندما يفشل ''الشاب'' المكلف بتفجير الكباريه عن أداء مهمته لعطل فني في الحزام الناسف الذي يلتف حول خصره·
فيرميه السخط على فشل المهمة نحو أقصى الخيارات، ليجد نفسه ثملا يترنح بين سراديب المكان الضاج بشخوص متباينة الرغبات·· فيقوده ''نادل'' الكباريه نحو الغرفة الخاصة بالعمال، حتى يستفيق من حالته، وبموقف ''الشهم'' يحاول النادل تقديم رعاية خاصة لهذا ''الزبون'' القادم من محيط مختلف·
ثم ينحي جانبا ليؤدي فريضته (صلاة الفجر)·· هنا يعرف الموقف الدرامي منعرجا مختلفا في الأداء والفكرة· ليبدأ الحوار الصاخب بين ''الإرهابي السابق'' وبين نادل الكباريه (المصلي)·· مفارقة مفعمة بالمعاني الرامزة والعميقة ·
حوار آخر من نوع خاص نعيشه بين ''فتاة ليل'' مخضرمة، رمت بها ظروف الحياة نحو هذا العالم، بعد أن يئست من إيجاد عمل كريم يوفر فاتورة العلاج لوالدتها التي لزمت الفراش، وبين ''شابة'' حديثة تتخبط لتجد عملا مجديا يضمن لها الحياة الكريمة، قبل أن تقع في شباك ثري ''خليجي'' يحاول -دون جدوى-استدراجها نحو عالمه الخاص، و الذي لا يتجاوز إشباع رغباته الجنسية··
مفارقات كثيرة نحاول التقاط تفاصيلها في إيقاع صاخب من الأحداث المتلاحقة لعل أهمها الحوار القائم بين (المتطرف والنادل) الذي خلص إلى ترك النادل لوظيفته أملا في إيجاد عمل لائق، واقتناع (الإرهابي السابق) بجدوى التحاور عوض التفجير والدمار··
لتبدأ اللحظة الفاصلة عندما تلجأ ''الجماعة المتطرفة'' إلى عضو ''حديث'' لتعويض مكان ''التائب الجديد''· فنشهد حوارا جادا وقويا بين العضويين (السابق واللاحق) قبل أن يفجر الأخير نفسه في رحاب ''الكباريه'' ويحوّل المكان إلى دمار تام لحظات قبل خروج صاحب ''الكباريه'' في رحلته نحو الأراضي المقدسة لأداء العمرة.
· ويتحوّل الموقف الدرامي إلى أقصى تراجيديته عندما تقف ''سيارة الجنائز'' حاملة والدة ''فتاة الليل'' المخضرمة، حيث توفيت الأم ساعات قبل الانفجار·· فنشاهد هستيريا البكاء الحاد، قبل أن تلج ''الفتاة'' مرة أخرى الكباريه، بحثا عن رداء تستر به جسدها المرمري، لتجد نفسها في حضن التفجير المهول
|