الطب والطب البديل : دراسات وأبحاث & abaalhasan
الصحة ليست فقط هي الخلو من المرض ولكن وجود غذاء متوازن وسلامة نفسية وعقلية واجتماعية

وداعًا… درويش ...

 
 
وداعًا… درويش

 

 
شموع فلسطين تُضاء بوداع شاعر المقاومة محمود درويش

وداعًا… درويش

تونس ـ عبد الدائم السلامي

غيب الموت مساء السبت المنقضى الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش بعد أن خضع إلى عملية جراحية فى القلب فى مشفى بالولايات المتحدة الأمريكية. وبرحيل الشاعر الكبير يفقد الشعب الفلسطينى ومعه الامتان العربية والاسلامية قامة شعرية وأدبية سامقة وواحدا من فحول الشعراء الذين أسهموا بما قدموا من ثراء فكرى ومعرفى وشعرى فى استنهاض الأمة وبعث الحياة فى وجدانها بعد ان تكالبت عليها الأمم فى لحظة مفصلية صعبة مازالت ترزح تحت وطأتها.

وكان الشاعر الكبير قد خضع صباح الأربعاء السادس من آب الجارى إلى عملية قلب مفتوح تضمنت إصلاح ما يقارب 26 سنتمرا من الشريان "الأبهرالأورطي" الذى كان قد تعرض إلى توسع شديد تجاوز درجة الأمان الطبيعية المقبولة طبيا، حيث تكللت العملية بالنجاح فى مشفى "ميموريال هيرمان" الأمريكى فى هيوستن بولاية تكساس.

ولد درويش عام 1941 فى قرية البروة قضاء عكا التى دمرت عام 1948 ليهاجر مع عائلته الى لبنان قبل أن تعود العائلة وتعيش فى الجليل. وأجبر درويش على مغادرة البلاد بعد أن اعتقل عدة مرات ثم عاد بعد التوقيع على اتفاقيات السلام المؤقتة.

ويعتبر درويش واحدا من أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين امتزج شعرهم بحب الوطن والحبيبة وتُرجمت أعماله الى ما يقرب من 22 لغة وحصل على العديد من الجوائز العالمية.

تعامل محمود درويش مع قضيّته فلسطين، فى بداية مسيرته الشعرية، تعاملاً مباشِرًا، إذْ كان العينَ التى يرى من خلالِها العالَمُ وحشية الاستعمار والغزو والتقتيل، ونقل إلى العالَم، باللغة وبالإيقاع، مأساة شعبه وأريج أرضه وأغصان الزيتون مَا أكسب فلسطين تعاطُفًا دوليًّا من قِبَلِ النُّخبِ الفكريّة العالميّة. ومع ترسّخ قدمه فى بحر الشعر، ارتقى محمود درويش بالهمّ الفلسطينى من الفرديّ إلى الكونيّ حتى صارت فلسطين فى شعره استعارةً كُبرى يمتح من مكوّناتِها أغلب المبدعين فى العالم، وفى هذه الفترة تمكّنتْ لغةُ درويش من كسر الحواجز مع الآخر وجسّرت لها سبيلاً للنفاذ إلى ثقافات العالَمِ فى شيءٍ من الحراك التفاعليّ ما أكسب درويش قيمةَ الشاعر الكونيّ، وجعل الآفاق تلهج بكلماته كلّما نشأ حيث عن أرضٍ أو وطنٍ أو إنسان. يقول فى قصيدته التى رثى فيها الطفلَ الشهيدَ محمّد الدرّة:
"محمّدْ،
يُعَشِّشُ فى حُضْنِ والِدِه طائرًا خائِفًا
مِنْ جحيمِ السماء: احْمِنى يا أبي
مِنَ الطَّيرَانِ إلى فَوق! إنّ جناحي
صغيرٌ على الرِّيحِ… والضوْءُ أسوَدْ".

وفى كلّ ما أصدر درويش من مجاميع شعريّة، يلحظ القارئ أنّها تقومُ على الصورة "الرّصاصة"، صورةٍ يبنيها درويش فى إطار من الحواريّة إمّا مع الذّات أو مع الآخر، ويُكسِبُها القدرة على النّفاذِ إلى جسومِ الكون، تخترقها وتجرحها جُرْحًا لذيذًا لا تسيل منه سوى معانى العزّة والكرامة والاحتفاء بالكائن الإنسانيّ بكلّ ما فيه من مشاعر تتخالف اختلافات الأرضِ حينًا لتتآلف ألفةَ التخييل دومًا. وقد لوّحت بالراحل محمود درويش السبلُ وساعاتُ الترقّب المُرِّ فى المطارات باتجاه المنافى المريرةِ، فنُلفيه يقول:
"الآن، فى المنفى... نعم فى البيتِ،
فى الستّينَ من عُمْرٍ سريعٍ
يُوقدون الشَّمعَ لك
فافرح، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء،
لأنَّ موتاً طائشاً ضلَّ الطريق إليك
من فرط الزحام.... وأجّلك
قمرٌ فضوليٌّ على الأطلال،
يضحك كالغبي
فلا تصدِّق أنه يدنو لكى يستقبلك
هُوَ فى وظيفته القديمة، مثل آذارَ
الجديدِ... أعادَ للأشجار أسماءَ الحنينِ
وأهمَلكْ
فلتحتفلْ مع أصدقائكَ بانكسار الكأس.
فى الستين لن تجِدَ الغَدَ الباقي
لتحملَهُ على كتِفِ النشيد... ويحملكْ
قُلْ للحياةِ، كما يليقُ بشاعرٍ متمرِّس:
سيرى ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ
وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةْ نداءُ ما خفيٌّ:
هَيْتَ لَكْ / ما أجملَكْ!
سيرى ببطءٍ، يا حياةُ ، لكى أراك
بِكامل النُقصان حولي. كم نسيتُكِ في
خضمِّكِ باحثاً عنِّى وعنكِ. وكُلَّما أدركتُ
سرًَّا منك قُلتِ بقسوةٍ: ما أَجهلَكْ!
قُلْ للغياب: نَقَصتني
وأنا حضرتُ... لأُكمِلَكْ...".

ظلّ محمود درويش عصيًّا عن مجال الفعل السياسيّ وأحابيلِه رغم انخراطه الطوعيّ فى الممارسة السياسيّة منذ صغره، ذلك أنّه يرى فى السياسة ملعَبًا مُسيَّجًا بالأشواكِ تتبارى فيه المناوراتُ ولا تتركُ منفَذًا لدخول ضوءِ المعنى الحياتيِّ الحقيقيّ، لا بل يراها مهنةَ الفارغين من أوقاتِهم، فاعتزلَها، وبنى لروحه أفقًا جيِّدًا جديدًا تمتزج فيه عناصر الأرضِ بأحلام السماء، أو هى تتزيَّا بها أحلامًا فنشيدًا فأنغامًا لها فعلُ الخمرةِ ولها فعلُ اليقينِ ولها فعل العواصِفِ فى هدوءِ الواقع وروتينيتِه ومواتِه، فيصرخ فى اللغة:

"وليكن..
لا بدّ لى أن أرفض الموتَ
وأن أحرق دمع الأغنيات الراعفه
وأعرّى شجر الزيتون من كل الغصون الزائفه
فإذا كنت أغنى للفرح
خلف أجفان العيون الخائفه
فلأنّ العاصفة
وعدتنى بنبيذ.. وبأنخاب جديده
وبأقواس قزح
ولأن العاصفه
كنست صوت العصافير البليده
والغصون المستعارة
عن جذوع الشجرات الواقفه.
وليكن..
لا بدّ لى أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة
أنت يا لوحة برق فى ليالينا الحزينة
يعبس الشارع فى وجهي
فتحمينى من الظل ونظرات الضغينة
سأغنى للفرح
خلف أجفان العيون الخائفه
منذ هبت، فى بلادي، العاصفه
وعدتنى بنبيذ، وبأقواس قزح".

رحلَ محمود درويش، ولم ترحل قصائدُه، كَمْ تمنّى أن يكتُبَ ما كتب المتنبّى "على قَلَقٍ كأنَّ الرِّيحَ تحتي..." كم تمنّى أن يكون شاعِرًا، وكان شاعِرًا، لا تقتصرُ قصائده على معاينةِ الواقع العربيّ وتعرية المسكوتِ عنه باللغة، بأرقى مفردات اللغة، بل ترقى تنفذُ إلى جوهر الإنسان، فيتشرَّبها الكونُ صلاةً للغائبين عن معانيهم الصغرى: معانى الطفولة، و"بين ريتا وعيونى بندقيّة" ومعانى التهجير والبحث عن الهُويّة فى زمنٍ أعمى لا يُجيدُ سوى التعتيمِ عن صبايا الأفكارِ وتلوينِها بما يتساوقُ وهجمة الهمجيّة التقنيةِ الشرسةِ. سنقول، ونحن نودّع شاعِرَنا الفذَّ ما كان قال "قُلْ للغياب: نَقَصتنى وأنا حضرتُ ... لأُكمِلَكْ...".
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


اشهر موقعك مجانا واربح 100 دولار
?url=http://www.google.com/ig/modules/datetime.xml&up_color=green&up_firstDay=0&synd=open&w=500&h=140&title=__MSG_title_

BannersXChange.com
toolbar powered by Conduit
TopOfBlogs