فَشُدَّ المئزر..

..

 

وهلَّت نفحات الشهر الحبيب.. وها هو يحلّ ضيفاً علينا وأيّ ضيف.. تتوق للقائه القلوب المؤمنة الموحِّدة وتجتهد في أيامه ولياليه باغية القرب من الله جلّ في علاه والارتقاء نحو المعالي.. فتعيش بين خوفٍ ورجاء وكثرة طاعات وذكر وتهليل وتسبيح وتلاوة القرآن الكريم.. وتتحرّى الأرواح ليلة القدر إذ تُعتَقُ فيها الرقاب.. ويرضى ربُّ الأرباب..

كان السلف رضوان الله عليهم يدعون الله جلّ وعلا ستة أشهر أن يبلِّغهم رمضان ويبقون ستة أشهر بعده يدعونه جلّ وعلا أن يتقبّل منهم صيامهم وقيامهم وطاعاتهم.. فإن كان هذا حال السلف وهم على ما كانوا عليه من التقوى والزهد فكيف بنا نحن في زمنٍ غرق الناس فيه بالماديات والشهوات حتى بات الذنب يُرى أصغر من الحصى وهو عند الله كبير..

كم يطيب للنفس أن تضع منهاجاً تتّبعه في رمضان حتى لا يفوتها شيء من الخير فيتم تقسيم الوقت بدقّة ودراسة فهذا وقت العمل ثم الصلاة ثم القيلولة ليتقوى بها المرء على قيام الليل ثم العبادة فالإفطار والتراويح فالنوم بعدها مباشرة من دون تضييعٍ للأوقات فيما لا يُغني خاصة حضور المسلسلات والبرامج التي يدّعون بهتاناً أنها من أجل شهر رمضان المبارك! ولو أدركوا ما في هذا الشهر من خيراتٍ وغنائم لقطعوا البث عن أغلب الفضائيات التي تسمِّم أفكار الشباب وتهيِّج شهواتهم وتُبعِدهم عن الله جل وعلا وتقرِّبهم من الضلال!

ولعلّ من أفضل أعمال المرء في بداية هذا الشهر أن يحدِّد له هدفاً يركِّز عليه.. كأن يتعهّد القرآن الكريم فيراجع ما نُسِّيَ منه ويُكثِر من تلاوته أو ينكب على قراءة كتاب يجلو القلب ككتاب طب القلوب لابن القيِّم الجوزية أو يتوغّل في أحداث السيرة ليعيش مع الحبيب عليه الصلاة والسلام أو يُكثِر من الصلاة والسلام عليه بأبي هو وأمّي.. أو يساهم في خدمة مجتمعه فيما يراه مناسباً أو يُفطِر الصائمين ويعود المرضى ويصِل الأرحام.. هي ألوان كثيرة للخيرات.. والأجر مضاعف والربُّ أكرم.. ومن فضله علينا أن نوَّع في الطاعات فتتناول النفس ما تجد لذتها فيه دون تغاضٍ عن الفرائض..

وإن كان المسلم يعاني من عادة سيئة يصعب عليه تركها فهذا الشهر الفضيل هو أفضل مناسبة لأن يغيِّر من عاداته التي تحكّمت وأصبحت طباعاً متأصِّلة فيه وهي بغيضة.. على أن يعزم عزماً أكيداً على التغيير ولا يتواكل ويتمنى على الله الأماني من دون جهدٍ منه يُذكَر “إنَّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسِهم”..

فإن كان يعاني مثلاً من آفات اللسان كالغيبة والنميمة والكذب والسب واللعن فإنّه خلال هذا الشهر الكريم إن استطاع الامتناع عن هذه الآفات وترويض لسانه على عدم النطق إلا بما يُرضي الله جل وعلا بغية رضاه سبحانه فيكون قد خرج من رمضان وقد انتفع منه وحقَّق هدف الصيام الذي لا يتوقف عن الامتناع عن الطعام والشراب وإنما الامتناع عن كل ما يغضب الله جل وعلا وكبح لجام النفس عن الشهوات والمعاصي والآفات.. وليتذكّر حين توسوس له نفسه التكلّم بما لا يرضي الله جل وعلا حديث الحبيب عليه الصلاة والسلام “الصيام جُنَّة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يجهل ولا يرفث فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم”.. ومثل آفات اللسان كذلك يكون الأمر في البُعد عن آفات القلب كالحسد والكِبِر والغفلة وطول الأمل.. وآفات الجوارح جميعها كإطلاق البصر والسمع ومعلومٌ أن الجوارح تصلح إن صلُح القلب فهي جنود القلب تطيعه فيما يأمر.. فليحرص المؤمن على معالجة قلبه ابتداءً فهي المضغة الأساس في هذا الجسد الفاني..

إذاً بتحديد الإنسان للهدف الذي يريده في التغيير وبوضعه لما يحفِّزه من أحاديث وآيات تعينه على حسن المسير وبالدعاء الخاشع والخضوع والتذلل لله جل وعلا وحسن التوكل عليه سبحانه يتحقق مراده بإذنه تعالى..

فرمضان فرصة للتغيير الحقيقي إذ فيه تُصفَّد الشياطين وتضعف النفس بانقطاعها عن الطعام والشراب.. يقول صاحب الإحياء الإمام الغزالي رحمه الله جل وعلا “ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى. وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت؛ زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها. فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور…”

ففي الصوم كفٌّ وتركٌ وقهرٌ لعدو الله كما قال أيضاً.. فليتنا نكون ممّن يصومون صيام خواص الخواص.. ولا نكتفي بصيامنا عن الكفّ عن الطعام والشراب والقلب بغير الله قد انشغل!

فلنهجر العلائق ولنجدِّد التوبة ولنَسْعَ للعتق من النار بكل طاقاتنا ولنكثِر من الدعاء للمسلمين والمجاهدين والأسرى.. ولنعِش زمن الانتصارات في رمضان.. بدر وفتح مكة وغيرهما.. ولنتوغّل في التفكير بأسباب هذه الانتصارات التي حققها الصحابة رضوان الله عليه.. لعلنا نقتبس من تلك الإضاءات ما يعيننا على المسير والسعي لعودة البريق إلى أمّةٍ أخفقنا في الحفاظ على أمجادها حين بعدنا عن ربّنا جل وعلا وآثرنا دنيا دنيّة..

ولتكن لنا خلوات للتفكّر والتأمّل والتذكّر.. فننظر في ملكوت الله جل وعلا وفي آلائه.. وفي أنفسنا علّنا نُبصِر.. وفي السماوات والأرض والفضاءات الرحبة فكلها من صنع القادر المبدِع..  

هي أيام قلائل.. فيها من الخير الكثير.. فلا أقلّ من استغلالها بكل دقائقها.. واغتنام الأوقات جميعها في فعل الطاعات.. لعلّ الله جلّ وعلا يكرم عباده الطائعين برحمة منه واسعة ويدخلهم جنّاته العليا..

وطوبى لمن طوى في هذا الشهر فراشه.. وشد مئزره وأسرج قنديله.. وتبتّل!

رمضان كريم..

..

مواضيع ذات صِلة..

وسوم: , , , , ,

أرسل هذا الموضوع الى صديق أرسل هذا الموضوع الى صديق
اطبع الموضوع اطبع الموضوع

الآثار 12 على “فَشُدَّ المئزر..”

  1. إسلام ناجح علق:

    جزاكِ الله خيرًا أستاذة سحر على كلماتكِ الطيبة
    وفقنا الله وإياكِ لصيام نهار رمضان وقيام ليله
    وتقبل منا … وكتب لنا ما نتمنى وجعله في رضاه
    “طوبى لمن طوى في هذا الشهر فراشه.. وشد مئزره وأسرج قنديله.. وتبتّل!”

    دعواتكِ
    :’(

  2. محمد الصالح علق:

    مرحبا أختي

    في رمضان .. تجدد روح الإنسان بلقاء الرحمن .. والعودة إلى جنان الدنيا ..

    أكثر ما علينا الاهتمام به .. عدم الإقدام الغير منضبط نحو الطاعة .. بعضهم يأتي بكل ما عنده من قوة في أول أسبوع .. فيخفت نوره .. حتى لا يكاد أن يصلي ليلة القدر بعد ذلك !

    تقديري وجزيل احترامي لك ..

  3. بابا علي علق:

    السلام عليكم سحر
    بارك الله فيكم وأعزكم وتقبل منا ومنكم وأعاننا وإياكم في هذا الشهر الكريم
    ولكني أود طرح أقلقني جدا بالأمس حيث لم استشعر تلك الروح افيمانية التي كنت أحسها سابقا في أول ليالي رمضان حتى أني لما صليت القيام ليلة الأمس لم أجد ذلك الشعور وللحق فإني في قلق منذ الأمس
    ألهذه الدرجة لم أستطع الفكاك من اسر الذنوب أم هو الاتحدار افيماني أم هو عدم الاستعداد أم هو وأعوذ بالله أن يكون غضب من ربنا تبارك أم هو انشغالنا بالدنيا الفانية ـ احترت
    اللهم إنك حليم كريم عفو تحب العفو فاعفو عنا

  4. أبو بسمة علق:

    الســلام عليكم ورحــمة الله وبركاته
    كل عام وأنت من الله أقرب وعلى طاعته أدوّم…..تقبل الله منا ومنك والقراء صالح الأعمال …اللهم آمين.

  5. سحر المصري علق:

    هلا أخي إسلام.. بوركتَ وجعلك الله ممّن يحب ويرضى..

    تقبل الله منا ومنك أخي الكريم..

    هل طويت فراشك؟ 0:)

  6. سحر المصري علق:

    حيا الله أخي الصالح.. سعيدة جداً بحضورك إلى الظلال..

    نعم صدقت أخي.. لربما كان هناك مَن يسارع في العبادات فيصِل الى آخر الشهر منهك القوى..

    شخصياً لا أعرف كيف دخل الشهر لينساب من بين أيامنا مهرولاً.. وكم أود لو كان شهرين أو أكثر.. ولكنها حكمة الله جلّ في علاه.. ولعله كان شهراً فقط لنقتات من نفحاته ولا نمَل!

    شرّفتني أيها الصالح..

    أختك..

  7. سحر المصري علق:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أهلا علي كيف الأحوال طمئني عنكم جميعاً :)

    تقبل الله منا ومنكم.. وجعلنا من المقبولين..

    علي.. أعرف جيداً أنك مضغوط ومشغول ذهنياً بالكثير من الأمور التي حدّثتني عنها سابقاً.. وهذا من شأنه أن يسرق بعض الوهج من رمضان لأنك متعب! وقد لا تستشِفّ المعاني الايمانية الراقية في بدايته بسبب هذا التعب ولكنك ستقطف ثمار الطاعة قريباً أخي..

    أرى أن تُقبِل بكلّيّتك على الطاعات.. وتسأل الله الفرج القريب.. وتمرِّغ الجبين حتى لو لم تشعر بروحانيات عالية.. فكم من الزهّاد من كابد الليل عشرين عاماً فاستلذ بعدها عشرين أُخَر..

    ابقَ ايجابياً.. ولا تحمِّل نفسك فوق طاقتها.. ولا تسمح لأي خاطرة أو وسوسة أن تعكِّر عليك صفو رمضانك.. واياك والعجز واليأس.. فاللهُ غفور رحيم وبإذن الله تعالى لن يكون غضبان عليك..

    تفاءل بالخير.. واسأل ربي جل وعلا الانشراح بذكره وطاعته.. وستجد بإذن الله تعالى ما تطمح اليه من قُرب وارتقاء..

    حفظك ربي وجعلك ممّن يحب ويرضى وكما يحب ويرضى ..

    أختك

  8. سحر المصري علق:

    الأخ الفاضل أبو بسمة.. وعليكم السلام والرحمة والإكرام

    تقبل الله منا ومنك أخي الكبير.. وجعلنا من عتقاء رمضان..

    افتقدناك في الأيام الخالية.. :)

    هل ما زلت هناك أم عدت إلى هنا؟

    دعواتكم الطيبة أخي

  9. أبو بسمة علق:

    سيدة الكلمات… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أنا من افتقد الظلال كثيراً…وعيب في أني لا أحب مقاهي النت…وستستمر أجازتي إلى مابعد العيد إن شاء الله…لعلي أجد وسيلة أفضل للتواصل…دمت بخير أختي في الله…

  10. سحر المصري علق:

    هل تكلمني اخي أبو بسمة؟ :)

    من هذه سيدة الكلمات؟ غفر الله لي..

    ثمّ هو ليس عيبٌ فيك أن لا تحب مقاهي النت.. لأني لم أنسَ بعد تلك الساعات التي كنتُ أضطر للجلوس في مقهى للنت مع أنه محترم جداً وليس فيه صخب الشباب.. ولكن كان يكفي صوت الموسيقى العالي!

    بارك الله بك أخي الفاضل.. وعسى أيامكم بين الأهل تكون عامرة بالأفراح والرضا..

    أختكم

  11. طلال (أبو صهيب) علق:

    شكرا سحر على هذا الموضوع الرائع
    نعم.. كم نحن في حاجة لشدّ المئزر
    مئزر للإسراف في الطعام
    وآخر لآفات اللسان
    وآخر للقنوات الفضائية
    وآخر لقطيعة الرحم
    وآخرللتراخي في العمل
    وآخر
    وآخر
    وآخر
    نحن في حاجة لثقافة شدّ المئزر
    إنها ثقافة حميدة سوادنا الأعظم أمّيون فيها
    لم يفكوا حتى حروفها

  12. سحر المصري علق:

    الأخ الفاضل أبو صهيب.. حياك الرحمن وطاعة مقبولة ان شاء الله تعالى

    صدقت أخي.. فكم من مآزرٍ علينا شدّها..

    بارك الله بأنفاس عمرك ولا حرمنا حضورك العطِر..

    لا تنسانا من صالح الدعاء أخي الفاضل

    أختك في الله

اترك أثراًً

0:) )|( )( :D :zzz: (* *|* :)* :bee: :hug: :hhh: :love: :))) :loveB: :star: :cry: :vs: :) :hot: more »