|
03/10/2008 |
حينما يقتل السعي وراء المال أخلاق المهنة
بدي اليدالي - الجزيرة توك - نواكشوط
يعتبر مركز الاستطباب الوطني أو (المستشفى الكبير) كما يسميه الموريتانيون أهم مرافق الصحة في موريتانيا و أقدمها على الإطلاق, وإذا كان من المفترض أن يكون قد اكتسب من المهنية والقدرة على الأداء بسبب الخبرات والكفاءات المتعاقبة عليه ما يجعله المركز الأكثر حيوية فإن الأيام و السنين المتعاقبة جعلته وكرا من أكبر أوكار الفساد وزادته تدهورا وتهالكا. لكنه لا يزال الملجأ الأول والأخير لفقراء المرضى الذين يحدوهم الأمل في حل مشاكلهم وعلاج أمراضهم .
يتسابق المرضى إلى المستشفى قبل بزوغ الفجر علهم يحصلون على أماكن متقدمة في الطابور الذي يصطف في الممرات وفي العراء لعله يخولهم فرصة لقاء الطبيب, وتبلغ الطوابير طولها ومنتهاها قبل شروق الشمس.
ويبقى المرضى المساكين ينتظرون وصول الطبيب تحت أشعة الشمس الحارقة, منهم من يستظل بكمه أو طرفه ليقي نفسه, وآخرون أكثر بؤسا منهم من بلغ من العمر عتيا , ومنهم من أصبح في وضع ميئوس منه يظلهم بعض ذويهم بشمسيات, أو قطع قماش يشدونها فوق رؤوسهم علها تقيهم بعض الحر, أما عن الذين يفترشون الأرض و يئنون من الألم دون أن يجدوا من يلقي لهم بالا فحدث ولا حرج.

يقبل الأطباء بعد أن أصبحت الشمس في كبد السماء يتبخترون في أثوابهم البيضاء يتمشون فرادى وجماعات وكأنهم جاؤوا للنزهة, لا يعبأون بطوابير المرضى التي اعتادوا رؤيتها , ولا يفكرون كيف يستغلون الوقت لاستقبال أعداد المرضى الهائلة, وربما لم يستحضروا يوما أن حالات بعضهم قد تكون خطيرة, أو لعلهم استحضروها_ الله أعلم _ لكن من لم يتسع له وقت الدوام في المستشفى صباحا سيكون مرحبا به أكثر , حيث يلقى عناية أفضل, بالطبع _في العيادة الخاصة_ ثم يدخل كل طبيب إلى مكتبه المكيف موصدا الباب خلفه ,ويكلف حارسا مفتول العضلات بمهمة تنظيم المرضى وإدخالهم, وبالطبع فالدخول غير مجاني .
أما من يتجول داخل المستشفى فسيرى ما يدمي القلب ,حيث يتكدس المرضى بالعشرات داخل غرف ضيقة تملؤها سحب من الذباب والناموس ومختلف أنواع الحشرات, وتزكم رائحتها الأنوف, و تنعدم فيها أبسط الضرورات الصحية, حيث تعجز إدارة المستشفى عن توفير المستلزمات, ويتكاسل الطاقم المشرف من الممرضين عن متابعة علاجات المرضى. فترى المريض يتصبب عرقا وذووه يستخدمون مروحة مصنوعة من الورق المقوى لتهويته, هذا هو حال المستشفى بجميع أقسامه ولا يمكن استثناء أي منها سواء كان الحالات المستعجلة أو الحجوزات المختلفة أو الانعاش .
الإهمال والفساد في المستشفى لم يقتصر على تباطؤ الإدارة وتكاسل الأطباء و عدم قيام عمال النظافة بدورهم كما ينبغي, بل تعداه إلى أبعد من ذلك فأصبح من المألوف أن ينتظر المريض أسبوعا وربما شهرا ليجري فحصا ليحدد مرضه, اللهم إلا من ركع تحت أقدام سماسرة المستشفى وقبلها ثم دفع لهم, أما من لم يرض بالذل والمهانة فلم يبق أمامه إلا العيادات الخاصة حيث يكون مرحبا به أكثر, هذا إن استطاعت عشيرته دفع تكاليف الفحوص أو العلاج التي ربما تصل إلى عشرات أضعاف المستشفيات العمومية.
وفي ظل استشراء الفساد واللامبالاة والنخاسة التي يتعرض لها المريض وذووه وما نتج عنها من أخطاء طبية متكررة فقد المواطن الموريتاني الثقة بالطبيب الذي يقابله صباحا بوجه عابس في المستشفى ويبتسم له مساء في العيادة الخاصة وبات يبذل الغالي والنفيس, و يضحي بكل ما يملك, ويتحمل أتعاب السفر وتكاليف العلاج إلى داكار أو المغرب أو تونس لعله يحتفظ بما تبقى من عمره .
|