|
هل نحن أمام نظام دولي .. ''آخر''؟! |
|
|
|
03/10/2008 |
محمود أبو بكر - الجزيرة توك
لم تكن ''أزمة جورجيا'' المستجدة وحدها التي بعثت الحديث عن عودة الحرب الباردة، بعد أن ظل طرح هذا المفهوم يعد ''ضربا من الجنون'' لأكثر من عقد ونيف، انجرف خلالها الكثير من المحللين خلف ''شعارات سياسية'' دون إيلاء أية من الأهمية التي يستحقها ''البحث العلمي'' سيما لدى تناوله لقضايا ذات أبعاد فكرية وسياسية تتعلق بالقواعد التي تحكم المجتمع الإنساني ككل!
بل إن هناك الكثير من الشواهد -منذ البدء-كانت تشير إلى استحالة فرض ''نمط سياسي واقتصادي أحادي'' الاتجاه، في عالم متعدد المشارب والموارد والامتدادات الثقافية والاجتماعية، وبالتالي تتنبأ بفشل ''النموذج الأحادي'' -إن لم نقل بنهايته- وليس ''نهاية التاريخ'' كما نظر له ''فوكو''، باعتبار أن الفكر الإنساني قد نضب بعد ''النظرية الاقتصادية والسياسية الليبرالية'' بالشكل الذي يريدها المنتصرون في الحرب الباردة·
إذن هناك عودة جديدة ''للحرب الباردة'' على الأقل من خلال نبرة تصريحات المسؤولين، فضلا عن الأعمدة الصحفية التي أزالت أخيرا عن أذهانها العقدة التي بدت أكثر خطورة من ''الهولوكيست''، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن ''البدائل'' الممكنة للنظام السياسي والاقتصادي العالمي السائد··
والحديث عن ''حرب باردة'' أو سجال فكري وسياسي واقتصادي كوني هو الذي يطرح بالضرورة، فكرة التعدد والبدائل·· ولذلك احتلت مفردات ''النزاع والحرب·· الخ'' الحيز الأوفر في مساحات النقاش، حول ما يشهده العالم اليوم (من وقائع) وبعد مضي نحو عقدين من الزمن، كانت كافية لإثبات أن هذا النظام لم يكن سوى ''نظام أحادي مبتز'' وأن ما تم التبشير به من مفاهيم ''العولمة- والكوكبة··'' لم تكن أكثر من ''وهم إيدولوجي''، تم تسويقه لتحقيق مآرب أخرى·
أزمة جورجيا إذن قد نقلت السجال من وسائله الناعمة نحو السطح، وبدا العالم كما لو أنه عاد عقدين من الزمن نحو الخلف·· وعندما يقف فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الروسي (وريث الاتحاد السوفيتي السابق) في مقر الحكومة على مشارف موسكو ويقول: ''نحن مستعدون تماما للنظر في إمكانية العمل في مجال الطاقة الذرية السلمية لصالح فنزويلا''·· ثم يضيف ''إن علاقات روسية مع دول أمريكا اللاتينية تستحوذ الآن على المكانة الأهم في السياسة الخارجية الروسية''، حتما إن الأمر يدعو للعودة إلى التاريخ القريب·· لتأكيد أن هناك عودة واضحة لمسار سابق، اعتقد البعض أنه قد طوي تماما·
وعندما ترى شافيز بقميصه الأحمر في أعالي جبال الأورال جنوبي روسيا يشرف رفقة نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف على مناورة عسكرية رئيسة تهدف لإظهار إمكانيات القوات المسلحة الروسية·· في ذات الوقت الذي تبحر فيه أربع سفن حربية روسية نحو فنزويلا للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة بالبحر الكاريبي، وكذلك في أعقاب وصول قاذفتين روسيتين طراز اتي·يو - 160ب يمكنهما حمل قنابل نووية إلى فنزويلا في وقت سابق''· أمام كل ذلك، فإنك حتما لن تتردد في عد ذلك ضمن التجليات المستجدة في الساحة الدولية -إن لم نقل أكثر-·
لكن الأمر الأكثر أهمية في رأيي، هو الهزيمة الكبرى الذي مني بها الاقتصاد العالمي نتيجة الأزمة المالية المهولة التي عرفها القطاع في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي دفع ''الإدارة الرسمية'' إلى التكالب للتدخل في السوق من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه!
الأمر الذي طرح مدى واقعية ما يعرف بـ''اقتصاد السوق الحر'' ليس للنقاش الموضوعي فحسب، بل للنقد اللاذع من قبل مسؤولين في الغرب نفسه، فهاهو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يقول ''إن حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمات أسواق المال الأمريكية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر''!، ويضيف ''أن تصورا معينا عن العولمة يقترب من نهايته مع أفول رأسمالية مالية فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره وساهمت في انحراف مساره'' وفي جزئية مهمة من التحليل يستطرد ساركو بالقول ''إن فكرة القوة المطلقة للأسواق ووجوب عدم تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة، وفكرة أن الأسواق دائما على الحق كانت فكرة مجنونة أيضا''!
وإذا ما سلمنا بواقع الأزمات المستعصية التي يشهدها العالم نتيجة هذا النظام الاقتصادي فضلا عن النزاعات والحروب التي أضحت جزءا من الاستثمارات الأمريكية في العالم في إطار ما يسمي ''بالفوضي الخلاقة'' وهو في الأساس مفهوم اقتصادي رأسمالي عرف بـ''التدمير الخلاق'' وقبل إدخاله في السياسة والحروب بالصيغة الجديدة··
كل ذلك لا محالة يؤكد حقائق واضحة، أننا أمام سجال كوني جديد·· قد يكون باردا أو ساخنا لكن حتما انه إعلان لبداية أفول بعض معالم ''النيو - ليبرالية المُنفلتة''
|