|
زواج العربية بأجنبي منزلة بين منزلتين |
|
|
|
05/10/2008 |
ريم القمري - الجزيرة توك - تونس
الزواج المختلط ظاهرة شهدت نموا متواصلا طوال السنوات الأخيرة وخاصة في أوساط الأقلية العربية و المسلمة المقيمة في الغرب أوروبا و أمريكا ، وإذا كان زواج الفتيان المسلمين بأجنبيات أمرا شبه عادي بل طبيعي و لا يواجه معارضة من طرف العائلات المسلمة ، فإن زواج العربيات من أجانب على العكس من ذلك يظل أمرا عسيرا إذا لم يترافق مع إشهار الإسلام والانضباط الكامل للدلالة على حسن الإسلام من جانب الأزواج الأجانب .
و رغم شدة معارضة اغلب العائلات المسلمة لفكرة زواج بناتهن من الأجنبي الغير مسلم فإننا نلاحظ ارتفاعا كبيرا لنسبة هذا الزواج و إقبالا ما فتئ يتزايد من قبل الفتيات العربيات ، مع الإشارة إلى انه لا يمكننا حصر هذا الزواج فقط في صفوف العربيات المسيحيات مثلما تعتقد الغالبية الساحقة من الناس.
إذ بينت اغلب الإحصائيات أن نسبة العربيات المسلمات المتزوجات من أجانب في ارتفاع و تكاد تفوق نسبة المسيحيات ، كما أن الظاهرة لا تقتصر فقط على العربيات اللاتي ولدن و نشأن في أوروبا (الجالية العربية في المهجر ) ، بل إن نسبة كبيرة تشمل العربيات المقيمات في الوطن و لم تتسنى لهن مغادرته من قبل ، أو ممن سبق لهن الإقامة لفترة قصيرة في الخارج بسبب الدراسة و قد لا تتجاوز فترة إقامتهن في المهجر فترة زمنية طويلة قبل إقدامهن على الزواج وهو ما يدفعنا للتساؤل عن سر إقبال المرأة العربية على الزوج الأوروبي؟و ما الذي يميزه عن العربي و يجعله مرغوبا ؟.
إذا حاولنا أن نحلل الظاهرة من وجهة نظر اجتماعية خاصة فيما يتعلق بأبناء الجالية العربية في المهجر فإننا سنلاحظ أن اغلب الشباب العربي المسلم ( ذكورا و إناثا ) ، يعيشون ازدواجية حادة جدا بين مبادئ مجتمع غربي نشؤ و تربوا على قيمه و أصبحوا بحكم ارتياد مدارسه جزء لا يتجزأ منه و بين أصولهم الحقيقية التي قد لا ترتبط في أذهانهم إلا بالعطلة الصيفية التي يقضون جزء منها في" البلاد " أي الوطن الأصلي ، الذي يتحول عند العديد منهم إلى مجرد بقايا صور من أعراس و فولكلور و مناطق سياحية جميلة تظل موسمية ، و بتالي فأنه من الصعب أن نطلب من هؤلاء الشباب الانسلاخ عن قيم المجتمع الغربي الذي نشئوا فيه أو أن ننتظر منهم الالتزام بقيم مجتمع هم لا ينتمون إليه إلا صوريا من خلال الاسم و جواز السفر ، مع العلم أن اغلبهم يحملون إضافة إلي جنسياتهم العربية جنسيات أجنبية (جنسيات بلد الإقامة ) و يفضلون استعمالها غالبا أكثر من الجنسية الأصلية .
و تطرح إشكالية الزواج المختلط نفسها بقوة داخل الجالية العربية بالخارج بالخصوص في صفوف الجيل الثالث من أبناء المهاجرين و إن كانت تمر بسلام إذا تعلق الأمر بزواج" الذكور" فهي تشكل أزمة كبيرة إذا ما تعلق الأمر بزواج "الإناث" حيث تتردد الكثير من العائلات المسلمة المغتربة في تزويج إحدى بناتها لمعتنق جديد للإسلام إلى أن تتأكد من صحة إسلامه.
و إن جاز لنا هنا اعتبار أن زواج بنات المغتربين العرب من أجانب ( أوروبيين و غيرهم ) أمرا عادي بل نتيجة حتمية بحكم ارتباطهن بمجتمعاتهن الغربية كما أسلفنا الذكر فان ما يلفت الانتباه جديا هو تفاقم نسبة زواج البنات العربيات المسلمات اللاتي لم ينشأن في الغرب و أمضين أغلب مراحل حياتهن في الوطن.
و هي ظاهرة أصبحت ألاحظها شخصيا في تونس خلال السنوات الأخيرة في صفوف اغلب الفتيات من جيلي ، و تتعرف أغلبهن على الشبان الأجانب إما من خلال سفرات سياحية قصيرة للخارج أو عن طريق التشات أو من خلال الجاليات الأوروبية المقيمة في البلاد العربية من دبلوماسيين و كوادر و مستثمرين أجانب أو حتى السواح العابرين ، هذا و تبقى في تونس نسبة زواج التونسيات من فرنسيين و إيطاليين هي الأكبر مقارنة بالجنسيات الأخرى .
و تعلل اغلب المقبلات على هذا الزواج اختيارهن بجملة من الأسباب التي تكون في اغلبها منطقية عقلية و ليست عاطفية حيث يؤكدن أنهن يجدن مميزات في الرجل الغربي عديدة لا توجد في" ابن البلد" أهمها اختلاف العقلية التي تكون أكثر مرونة و انفتاح ثم عدم تطلب الزوج كثيرا مقارنة بالرجل الشرقي عموما ، كذلك نظرة الرجل الغربي للمرآة و التي تتميز بكثير من المساواة في الحقوق و الوجبات إضافة إلى الحقوق القانونية و المدنية التي تكتسبها المرآة من خلال هذا الزواج و هو ما تفتقر إليه المرآة العربية بشدة ، حيث لا تزال اغلب قوانين الطلاق و الحضانة و النفقة غير عادلة و ليست في صالح المرأة في جل الأحيان ، و إن كانت المرآة التونسية تتمتع بكل الامتيازات القانونية التي تتمتع بها المرأة الغربية فان اغلب الفتيات التونسيات يؤكدن أن ذلك لم يترافق مع وعي اجتماعي لدي الرجل التونسي الذي لا يزال في تعامله مع المرآة رجلا شرقيا بامتياز.
أيضا ظاهرة عزوف الشباب العربي عن الزواج ( أسباب اقتصادية، ارتفاع نسبة البطالة، تدني مستوى الأجور أزمة السكن ... ) و هو ما نتج عنه بالضرورة ارتفاع نسبة العنوسة ، وهذا يشكل عاملا هاما لا يجوز إغفاله خاصة و أن اغلب الشباب العرب يفضلون دائما و إن تأخر بهم سن الزواج الارتباط بفتيات يصغرهن سنا ( فارق عمري هام أحيانا ) ، و بتالي فان الفتاة التي تجاوزت الثلاثين تصبح فرصتها في الزواج ضئيلة ، في حين لا يشكل هذا العامل أي أهمية بالنسبة للرجل الغربي الذي يختلف مفهومه للزواج حيث لا يشكل السن عاملا مشجعا أو محبطا في اتخاذه قرار الارتباط نظرا لاختلاف نظرته للمرآة و للعلاقة معها بصفة عامة .
أمر آخر يجيب التنبه إليه و هو استقلال الرجل الغربي في قراره عن عائلته ، أي انه لا ينتظر موافقة أمه على زوجة المستقبل فهو صاحب القرار و حضور العائلة يكون فقط للمباركة و التهنئة ، في حين أن سلطة العائلة و خاصة الأم في مجتمعاتنا قوية جدا و قد تؤثر و إن كان بطريقة غير مباشرة على قرار الزواج إذا لم تتوفر في العروس المواصفات المطلوبة ( شكلا و مضمونا ) .
و إن كانت مجتمعاتنا العربية اليوم تعيش نوعا من الصراع الداخلي الحاد بين الانفتاح و الانغلاق فان العولمة الثقافية جعلتها تنفتح دون إرادتها على ثقافات مختلفة دخيلة غزتنا و أثرت فينا و بدأنا نشهد تدريجيا تحولا في طريقة التفكير لدى بعض الشباب و إقبالا على نمط الحياة الغربية، إلا أن هذا التحول لم يتزامن مع وعي اجتماعي شامل مما ولد نتائج سلبية جدا لعل أهمها انتشار العلاقات الغير شرعية بين صفوف الطلبة خاصة و الشباب عموما ، طبعا اغلب هذه العلاقات لا تنتهي بالزواج إلا نادرا في المقابل يحرص الشاب الذي مارس هذا النوع من العلاقات الحرة على الزواج مستقبلا من فتاة لم يسبق لها أن عاشت تجارب جنسية قبل الزواج ، أي انه يمارس نوعا من النفاق الاجتماعي دون و عي وهو في رأيي عامل هام يدفع العديد من الفتيات نحو الإقبال على الزواج من الأجنبي الذي لا يعير أي قيمة لهذا الأمر و لا يعتمده كمعيار لتقييم أخلاق و سلوكيات المرآة أي انه لا يحاسبها على ماضيها إن جاز التعبير بل يعتبره شرعيا .
و لست أدعي هنا أنني من أنصار هذا الزواج ، و لست أيضا ممن يقفون سدا منيعا في وجهه لأنني ببساطة لا املك شرعية ذلك كما إنني لست بصدد التشريع ( تحريم أو تحليل ) أو التنديد (اجتماعيا) فهذا ليس من اختصاصي ، فقط أحاول أن أفكر في أسباب و دوافع هذه الظاهرة الملفتة للانتباه ، و إن كنت اعتقد الآن أن الأسباب و الدوافع تختلف باختلاف الأشخاص و باختلاف الظروف المحيطة بهم و لا يجوز ربطها بأسباب و عوامل محددة ، و بتالي تبقى كل الأحكام التي يمكن أن نطلقها على هذه الظاهرة مطلقة النسبية ، إلا انه يتوجب علينا أن ننوه إلى أن هذا النوع من الارتباط ليس بالضرورة الحل السحري فزواج المرأة من رجل أجنبي لا يجمعها به أي تطابق بيئي أو اجتماعي أو ثقافي بالإضافة لوجود اختلاف عقائدي كبير، سينتج عنه مع الوقت فجوة بين الطرفين تحدث خللاً شديدًا في العلاقة الزوجية والحياة الأسرية بينهما، و قد لا يظهر هذا الاختلاف خلال السنة الأولى من الزواج لكن بعد سنوات ستطفو على السطح عديد المشاكل من قبيل في أي أرض يفضل كل طرف أن يعيش؟ على أرض الوطن الأصلي لهذا الطرف أم على أرض الطرف الآخر؟ مما سيخلق جوًّا من المشاحنات وعدم الاستقرار، حيث سيحن كل طرف مع تقدم السن و مرور الزمن إلى بيئته الأصلية و جذوره ، هناك أيضًا مسألة الأبناء و الإشكالية الرئيسية هنا متعلقة بتربيتهم و تنشئتهم و على أي أساس ستتم هذه التنشئة ، هل على مفاهيم وعادات الأم أم حسب مفاهيم الزوج الأجنبي؟ أم ستترك للأبناء حرية الاختيار حين يبلغون سن الرشد ؟ كل هذا سيخلق حالة صراع بين الوالدين من ناحية و بينهم و بين الأبناء من ناحية أخرى ، مع الملاحظة أن هذا ينطبق أيضا على حالات زواج الرجل العربي من أجنبية أي ليس مقتصرا على حالات زواج المرأة العربية من أجنبي و حالات الطلاق خير دليل على ذلك .
كما تشير أيضا بعض الدراسات في علم طب النفس إلى أن أكثر الأشخاص الذين يكونون عرضة للإصابة بالأمراض النفسية هم في اغلب الأحيان أولئك الذين انسلخوا عن أوطانهم محاولين التمرد عليها ( ثقافيا دينيا و اجتماعيا ) ، فأصبحوا كأنهم في منزلة بين المنزلتين لا هم قادرين على الاندماج نهائيا في مجتمعاتهم الجديدة و لا هم قادرين على التخلص من جذورهم التي تبقى راسخة في أعماقهم.
و حتى لا نعمم يجب أن نعترف بأن لكل قاعدة شواذ، والدليل على ذلك أن هناك حالات ناجحة من زيجات ارتبطت فيها نساء عربيات برجال أجانب حيث كان لدى الطرفيين استعدادا للتكيف مع وضع الطرف الآخر أينما كان بلد الإقامة و توافقا حول أسلوب الحياة و طريقة تربية الأبناء .
إن الزواج المختلط تاريخيا وجد في المجتمع العربي منذ عصر الفتوحات الأول أي انه ليس بالظاهرة الجديدة ، و إن كان المجتمع العربي قبل عصر الفتح الإسلامي مجتمعا منغلقا على ذاته حيث كان زواج الأقارب من نفس القبيلة هو الزواج المفضل عند العرب و زواج العربية من أجنبي أمرا غير مستحبا و مرفوضا ، وهو ما قد يفسر ربما بقاء قصص الحب بين العربيات والأجانب مجهولة ومهمشة في التاريخ العربي.
و إن كان الرجل العربي خلال الفتوحات الإسلامية جنح إلى الزواج من جميع الجنسيات والأديان، إلا انه ظل يقاوم فكرة زواج العربية من غير العربي حفاظا على النسب حينا أو لعدم تكافئه ، ولأنه محرم دينيا حينا آخر ، في حين أن الأمر هو انعكاس طبيعي لقيم المجتمع الذكوري الطبقي- الأبوي الذي يري في زواج بناته من رجال أجانب شبه إهانة لسمعة رجاله، وقد عزز الإسلام هذا التوجه من خلال تحريمه زواج المسلمة من غير المسلم وقصر زواج المسلمين على الكتابيات فقط، وهو ما يجعل تخلص الأسرة العربية اليوم من هذا الموروث الثقافي و الديني الذي تراكم عبر قرون أمرا بالغ الصعوبة .
و مما لا شك فيه أن الزواج هو بالأساس عامل استقرار و سكينة و هو ضرورة اجتماعية خاصة في المجتمعات العربية التي تشكل الأسرة نواتها الاجتماعية الأساسية، واختيار الشريك هو الخطوة الأولى التي قد تحدد مستقبلا مدى احتمالات النجاح أو إمكانيات الفشل، لكن يبقي لكل قاعدة شواذها في عصر اجتاحتنا فيه ثقافة العولمة و عولمة الثقافة .
|