صوتي

بين سقوط القيم .. وصعود الوعي تناقض يومي ... وصوت

الإثنين,تشرين الأول 13, 2008



 

خيري منصور

 


يقول مثل فلسطيني لو أن عكا خافت من البحر لما وقفت على الشاطئ، ولهذه المدينة العريقة بأسوارها وقلاعها تاريخ مع الغزاة، إذ طالما عادوا مدحورين أمام أسوارها.


ما جرى قبل يومين في عكا ليس جديداً أو عارضاً، إنه حلقة من مسلسل درامي طويل عمره أكثر من ستة عقود، فقد سبقته أحداث على امتداد المناطق المحتلة عام 1948 والتي يعيش فيها أكثر من مليون هم عرب العرب بامتياز وليسوا عرب اليهود أو أي من هذه التسميات الملغومة.


وكالعادة، تبدأ الحكاية من شرارة، فقد تجول شاب عربي من عكا في سيارته، في يوم يهودي اسمه “الغفران”، وقد يكون هذا الشاب قد فعل ما فعل بلا أي وازع للاستفزاز ومعاقبته على تجواله في الشوارع لا يشبهها سوى معاقبة اليهودي إذا لم يصُمْ في رمضان، وهذا أمر لم يَرِد حتى الآن على لسان أحد، لكن من أعطوا أنفسهم حق التجوال حتى في باطن الأرض والفضاء واستباحوا البر والبحر والسماء رأوا فيما أقدم عليه ذلك الشاب العربي عدواناً سافراً على طقوسهم وتناسوا بأنهم أحرقوا المسجد الأقصى وقوضوا أسسه. وذات ظهيرة حمراء حوّلوا ساحته الى بركة دم، وانتهى الأمر الى تبرئة غولد شتاين بحجة أنه مجنون.


لا نحتاج الى  مناسبة للتذكير بمئات القرى التي دمرها الاحتلال في فلسطين، ولا بآلاف الانتهاكات والمجازر التي ذهب ضحيتها مدنيون وأطفال رضع، وأشجار زيتون عمرها مئات السنين، فالجرافة كانت على الدوام توأم الدبابة، واحدة تقتل والأخرى تقلع، وتحفر قبوراً جماعية لم يسلم منها حتى الحيوان، ما حدث في عكا ليس عابراً، أو حادث سير، بحيث يطوى الملف بعد زيارة ليفني الى المدينة، لتعلن بأن على سكان عكا أن يحترموا التقاليد والطقوس اليهودية وحقيقة الأمر أن سكان عكا هم من المستوطنين أما أبناء المدينة الأصليون فهم أهل البلاد وليسوا مجرد ساكنين فيها.


قد يتكرر ما حدث في عكا التي لا تخاف الأعاصير وموج البحر والغزاة في يافا أو اللد أو الناصرة، ما دامت الكمائن الصهيونية لا تزال منصوبة، أما القتل والحصار والتشريد فهي أقانيم مشروع استيطاني عرقي لا يحتاج الى ذرائع.


لم ينس أهل عكا بأنهم عرب من صلب أسلاف كدحوا في تلك الأرض الرسولية ودفنوا في ترابها، وكل ما تفعله سلطات الاحتلال وحفيدة غولدمائير السيدة ليفني هو تذكير أهل عكا بأنهم عرب، وأن الهويات لا تباع في المزادات العلنية أو السرية وأن التقادم لا يسقط الحقوق في الذاكرة والمقابر وكل مكان ممهور ببصمات الشعب المتجذر كالسنديان في أرضه.


لقد راهنت الدولة الصهيونية على تهويد هؤلاء العرب، وغسل ذاكرتهم وثقافتهم، وتحويلهم الى حمولة خدمية فقط، لكن الرهان خسر وأسقطه الشاعر والمزارع ورجل الدين والتاجر حتى أطفال المدارس أسقطوه لأن الأبجدية مبثوثة في أجسادهم كالدم.


أما آخر ما افتضحته أحداث عكا فهو ما صدر عن واحد من أبرز المؤرخين اليهود الجدد الذين وصفوا بالاعتدال، فقد طالب بطرد المليون عربي من فلسطين، كي تكون الدولة اليهودية غير مشوبة بالجوييم.