أجري الحوار التالي مع الأستاذ محمد العربي الناصر عام 1993، ونشر جزء منه في العدد الثاني من جريدة الأنوار التطاونية. ونستعيد نشره اليوم كاملا توثيقا لجانب من الحياة الفكرية بمدينتنا، وتأريخا لبعض وقائعها الثقافية والسياسية.
رأيت الأستاذ محمد العربي الناصر أول مرة عام 1982 في مكتبة شقيقه السيد عبد الله الناصر بتطاون. وكنت أسأل نفسي دوما عما يسوق هذا "الماركسي" إلى مكتبة، عرفت إلى عهد قريب، كملتقى أساتذة أجلاء لهم علاقة وثيقة بميدان العمل الإسلامي أمثال الأستاذ إسماعيل الخطيب، والأستاذ محمد المنتصر الريسوني وغيرهما. ولم أجد جوابا على سؤالي، إلا بعد أن قدمني إليه الصحفي اللامع الأستاذ عبد القادر الإدريسي رئيس تحرير مجلة "دعوة الحق"، و جريدة "الرسالة" سابقا؛ فعلمت وقتها مدى فساد ما اعتقدت حول "ماركسية" الرجل، لا لشيء إلا لشبه ظاهر بينه وبين "المغربي". ولما توثقت علاقتنا، علمت أن صاحبنا من ألد أعداء ماركس والماركسية، وسبقت له مشاركة في "الغارة" على رموزها آنذاك، نشر فصولها في منابر وطنية كمجلة "دعوة الحق" في العاصمة، و صحيفة "النور" في تطاون، ومنابر عربية كمجلة "المجتمع" الكويتية. ثم جمعها في كتاب سماه "الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي"، وتلاه بنشر كتاب آخر حول "الفكر الإسلامي في مواجهة التحليل الماركسي"، وآخر عن "أطروحة الفكر التقدمي" دشن به مشروعه الفكري "الفلسفة أم العقيدة؟" وتتقوم جميع هذه الأعمال بأطروحة مركزية مفادها أن "الماركسية مسيرة نحو الغباء التام"، الشيء الذي سمح لهذا "الناصر لدين الله" –وهذا هو لقبي للرجل- إلى الحكم عليها بـ"الاندحار"، و "السقوط"، و "الانقراض". والذي يحفز على إجراء هذا الحوار مع الأستاذ الناصر، ليس اختلافنا معه، إن جزئيا أو كليا، وليس ضمانته لهذا الاختلاف برحابة صدره وتقديره لقيم الصداقة ومثله، أبدا... ما يحفز على ذلك هو بعد المسافة بين أحكام الأمس ومستحدثات اليوم. وما يضاعف قوة هذا الحافز، مضي المرء، ما وسعته قدرته في الحدس والإدراك والرصد والمتابعة والمقارنة، إلى تغيير أو تعديل جملة الأحكام والأوصاف والنعوت والأسماء التي أطلقها لأن مياها كثيرة جرت تحت قنطرة "المحنش" ! وهذا ما قد ينتظره القارئ لهذا الحوار بين طرف ينتمي إلى جيل كان عمره أربع سنوات في هزيمة 1967، وبين جيل كان عمره 25 سنة، وعاشا كلاهما متتاليات الهزيمة بوعي مختلف، ومن مواقع متنوعة. لكن حاصل الأمر ليس هذا، وفيما يلي الوقائع:
أولا: الماركسية والهزيمة
مسؤولية الاتجاه الماركسي التقدمي
سؤال: في تقديمك لكتابك عن "الفكر الإسلامي في مواجهة التحليل الماركسي"، ذكرت أن "هزيمة 1967 كانت هزيمة الاتجاه الماركسي الاشتراكي خاصة". وفي كتابك عن "الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي"، ذكرت أنه "بعد نكسة 1967 سقطت الماركسية سقوطا فجائيا وسريعا". بصرف النظر عن مدى صحة "الاندحار" و "السقوط"، لماذا هذا التخصيص للاتجاه الماركسي الاشتراكي دون غيره؛ التخصيص الذي، إن استثنى، فلا يمنع من التعميم، ومن ثم القول، كما يحلو لك أن تفعل، أن الذي "اندحر" و"سقط" لم يكن الاتجاه الماركسي الاشتراكي خاصة، ولكن بالتأكيد كافة الاتجاهات الموجودة على الساحة العربية الإسلامية عامة، ومعها واقعها وحلمها.. وأدع لك تسمية تلك الاتجاهات، ونعت ذلك الواقع، ووصف ذلك الحلم.
جواب: قلنا إن هزيمة 67 كانت هزيمة للتيار الماركسي التقدمي خاصة، لأن الاتجاه اللبيرالي كا قد أطيح به في أغلب الدول العربية، وكانت النظم العسكرية المتصدرة للأحداث تتبنى الإيديولوجية الماركسية التقدمية، وكان الاتجاه الماركسي التقدمي هو الذي يتزعم التوجه القومي العربي آنذاك، ولذلك كان مسؤولا عن الهزيمة ومساهما فيها. وتحميل تيار معين هذه المسؤولية، معناه نفيها مباشرة عن التيارات الأخرى بدون شك، وهي ثلاثة تيارات رئيسية: الإسلامي والقومي واللبيرالي. فاللبرالية استطاعت أن تحقق حلمها الديموقراطي بعد انزياح ديكتاتورية الحزب الوحيد. والقومية ظل واقعها يرتبط بشريحتها الاجتماعية العرقية، وحلمها لم يتحقق لأنه حلم فارغ من مضمونه، دون إيديولوجية أخرى تسنده. ولذلك انقسموا على أنفسهم ولم يجدوا مضمونا موحدا لقوميتهم ترضي جموعهم، وخاصة إذا أدخلنا اليهود والنصارى صانعي ومدعمي هذا التيار القومي. ولذلك تأخر حلم القوميين بسقوط الاتجاه الماركسي. أما الاتجاه الإسلامي، فقد كان حظه القمع المزدوج أو المركب لواقعهم وحلمهم وما زال…
تجذير الهزيمة في الوعي الماركسي التقدمي
سؤال: قدر لك أن تعايش هزيمة 1982، فهل تراك تزعم بصددها ذات ما زعمته عن "اندحار" و "سقوط" الماركسية عام 1967؟
جواب: إن كنت تقصد بهزيمة 1982 انسحاب الفلسطينيين من لبنان، بعد الاكتساح الإسرائيلي، فالهزيمة في الحقيقة كانت هزيمة للتيار الماركسي كذلك. فتقبل الأنظمة العربية والوعي العربي لهذا الانسحاب واعتباره انتصارا للفلسطينيين، فجر مفهوم الهزيمة من جديد، وجذرها في الوعي الماركسي التقدمي؛ كمن اكتشف مرضه فقط لحظة احتضاره، ولم يجد من وسيلة غير الإدمان والتباكي والاستسلام. ولذلك صحب ذلك الانسحاب صخب ثقافي نتيجة الوعي بالهزيمة، وكأنه لم يع أن بضاعته قد كسدت ولم يقلع عنها وظل يجترها إلى ما بعد 1991. أما الفلسطينيون المنسحبون، فلم يكن انسحابهم هزيمة لهم بل كان كشفا لطريق العودة سلميا على الصعيد السياسي.
انضمام فلول اليسار التقدمي إلى الأنظمة العربية
سؤال: أخشى أن تزعم، زعمك في المرتين السابقتين، أن عام 1991 عام هزيمة الماركسية أيضا. فقد شهدتُ، كما شهدتَ، أطوار المعركة، ولي فيها، مع كثير من أبناء جيلي، رأيا قد يختلف احتمالا عن رأيك، ومفاده أن هزيمة 1991 كانت هزيمة الأنظمة العربية أمام شعوبها، وهزيمة مجمل الشعارات الوهاجة التي تنادت بها لعقود من السنين حول "التضامن العربي"، و "الوحدة الإسلامية"؛ تلك الشعارات التي حسبها البعض من جيلك الصدق كله، والإخلاص كله، فإذا هي شعارات لوقت السلم، وأنه إذا آن الأوان لاختبارها زمن الحرب، مضى أشاوس العرب في طريق الردة، وغيض ماء الوجه، واستوت "أم الهزائم"، في نهارنا العربي والدولي، ملكة متوجة… أرغب في سماع تعقيبك.
جواب: إن كنت تقصد هزيمة صدام في "أم المعارك"، فهي كذلك؛ فتلك الهزيمة لم تكن إلا لحظة الاحتضار لكل المد التقدمي، وليس فقط لفلول الماركسية المتبقية في العالم العربي. إنه يوم إعادة كل التقدميين "الضالين المضلين" إلى حظيرة الأنظمة العربية والتضامن العربي والوحدة العربية كواقع سياسي مقرر وليس كشعارات. وكان ذلك يوم الانتصار التام لتلك الأنظمة أمام شعوبها؛ فهزيمة صدام وحدت العرب ولم تشتت صفوفهم. وهل هناك من تضامن أقوى من انضمام فلول اليسار التقدمي إلى الأنظمة العربية اليوم؟
ثانيا: الماركسية والفكر الإسلامي
سجالية المتكلم الجدالي
سؤال: حين مناقشتك لـ"أطروحة الفكر التقدمي"، أعلنت تبنيك لـ"المنهج الجدلي النقدي المتعدد الأبعاد المنفتح"، المنهج الذي يبدأ- كما تضيف- بالتحديد المسبق للنص أو المقول أو المفهوم المتداول، عن طريق بعدي الوصف والتحليل، ثم استخراج الإلزامات عن طريق وضع التساؤلات والإشكالات التي تفحم المقول". وتشير، موضحا، إلى أن هذه كانت "طريقة كلامية قديمة". وبما أن الموقف الفلسفي ينتفي عندك، فإن اختيارك يكون للموقف الأقرب إلى الموقف الكلامي. وقد أفصحت عن سبب اختيارك للموقف الأول دون الثاني، ولو أني أرى أن الطريقة البرهانية، لا الجدالية، كانت ستكون أفضل؛ سيما وأن "الجدل لم يأت بخير قط" كما حكى صاحب "الإمتاع والمؤانسة"، الأمر الذي يمكنني من القول، إنك في مناقشتك للتحليل الماركسي للفكر الإسلامي، كنت "سجاليا" وذكرتني بما يحكيه أبو حيان التوحيدي عن "الداركي" وصحبه من المتكلمين الذين "يتناظرون مستهزئين، ويتحاسدون متعصبين، ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين". وإني إذ أنزهك عن التحاسد والتخادع، فإني صدقا معك، لا أستطيع تنزيهك عن "الاستهزاء" و "التحامل" اللذان يلمسهما أي واقف على "غاراتك الكلامية" على الماركسية، فما ردك؟
جواب: يعالج المفكر فكرته، إما بالاستدلال على حقيقتها والبحث فيها، وتلك طريقة الفلسفة، وإما أن يصنفها ويحللها من خارج وهو في قطيعة معها، وتلك طريقة العالم. وإما أن يعيش الفكرة وواقعها ويصارع من داخلها، وفي هذا يكون أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة أو العلم. وفي مجال موضوعنا "العقدية الاجتماعية"، تكون الطريقة الجدالية هي الطريقة الأصح، ويكون المقصود بالجدل فيها الدخول في نقاش مع من تختلف معه في أطروحته وتواجهها. فيتم الانتقال من الفكر المجرد، إلى الواقع الفكري؛ حيث يعيش الفكر نفسه من داخله في حيويته وصراعاته بالانخراط فيه. وفي هذه الحال لا بد من السجال، فهو الذي يعبر عن الفكر في واقعيته لحظة صراعه الواقعي. وهذا النوع من التفكير هو مرحلة ومرتبة من مراتب التفكير، وليس كل مراحله ومراتبه. وقد يكون التوحيدي لم يدرك خير الجدل أو "السجال" الذي جعل منه فيلسوف الأدباء ، ولولاه لما أمتع ولا آنس الآخرين إلى يومنا هذا. وأما مسألة "الاستهزاء" و "التحامل"، فأعتقد أنها ترتبط بشعورك كقارىء متعاطف مع اليسار التقدمي يرى كل صيحة عليهم استهزاء وتحاملا؛ مع العلم أني لم أكتب للاستهزاء بهم، أو التحامل عليهم، فهاتان الصفتان ليستا من خصائص منهجي، ولا من صفاتي الشعورية.
الماركسية والمسيرة نحو الغباء التام
سؤال: "غايتنا أن نبين تهافت هذا التحليل الماركسي وتشويهه للحقائق، وسذاجة فهم المحللين لمقولات الفكر الإسلامي واتجاهاته وتطلعاته". وقد استطعت أن تبين طرفا من تشويه-كدت أقول تأويل- "مراكسة اليوم"، كما يسميهم مصطفى محمود في "أكذوبة اليسار الإسلامي"، لنظرية الفيض لأبي نصر الفارابي، بإيراد مجموعة من النصوص المأخوذة من "كتاب السياسة المدنية". وقد دعاك ذلك إلى القول إن "التحليل الماركسي للفلسفة الإسلامية مسيرة نحو الغباء التام". صنعت ذلك في "الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي"، وزدت عليه فقلت إن "الاندحار الماركسي مسيرة نحو الانقراض". وكررته في "الفكر الإسلامي في مواجهة التحليل الماركسي". ماذا يعني هذا الآن؟ وهل ما زلت على رأيك الذي يرتقي إلى عام 1979؟
جواب: ما قلته عن المسيرة نحو الغباء التام لم يكن استهزاء ولا تحاملا، وإنما كانت محاولة مني لوصف واقع الصخب التقدمي في تلك الفترات التي تلت الهزائم التي مني بها ذلك الاتجاه في دعائمه السياسية؛ فتلك الهزائم المتتالية لم تكن سوى مسيرة نحو الانقراض لهذا الاتجاه، وكانت عاملا قويا في تبديد المسيرة نحو الغباء التام. فالانهيار السياسي للماركسية أدى إلى انهيارها الإيديولوجي، وانكشف الغطاء وتناثرت كما تتناثر السحب وتتفرق، وأصبحنا نرى النور هنا وهناك يشع من بعض المثقفين الذين كشفوا الغطاء.
الغارة على المعتزلة
سؤال: في نظرك لم تكن المعتزلة "إلا فرقة من الفرق التي عملت على تقويض وانحراف الاتجاه الإسلامي في عالم الفكر، ولم تكن المعتزلة هي الأمة بأجمعها، ولم تكن هي المحرك الأساسي للمجتمع، ولم تكن هي الدافع إلى الانفتاح على العالم" (ص 76 من الفكر الإسلامي في مواجهة التحليل الماركسي"). فهل هجومك على "أصحاب العدل والتوحيد" راجع إلى أنهم عمقوا الانحراف الفكري في المجتمع الإسلامي، أم لأنهم وجدوا في "مراكسة اليوم" من يتغاض عنهم-كما تقول- ويرى فيهم تقدميين في الإطار الثقافي والاجتماعي؟
جواب: حديثي عن المعتزلة، كان من زاوية تناول التحليل الماركسي لهم باعتبارهم فرقة تقدمية عقلانية تقدم العقل على النقل. وكان ذلك أول اندفاع للخروج من المنظومة الإسلامية السلفية لأهل السنة والجماعة. وقد سميت هذا الاندفاع بـ"الانحراف الفكري" وأبرزت ما بدا لي من تشابه بينهما. وفي هذا يبدو لي من حديثي عن انحراف المعتزلة ناتج عن رؤية التقدميين لهم كفرقة "تنويرية" ونرى أن انحرافيتهم تلك كانت في تشددهم الديني.. فمن أراد أن ينور علينا ديننا فنحن من دعاة النور، ومن أراد أن يشدد علينا ديننا فديننا دين رحمة ويسر وغفران وسلم…
ثالثا: الماركسية والصراع بين الجاهلية والإسلام
مفهوم الجاهلية
سؤال: حينما تدقق في "التحليل الماركسي للفكر الإسلامي"، وتفحص مرتكزاته المنهجية- وصنيعك يحتاج بالمناسبة إلى مراجعة- ترى أن "الصراع صراع بين الجاهلية والإسلام". والملاحظ أنه منذ أن قال بمفهوم "الجاهلية "أبو الحسن الندوي" في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، وتبعه فيه الشهيد "سيد قطب" في "معالم على الطريق"، أعاد القول به بعدهما الكثيرون في أرجاء العالم العربي الإسلامي. وقد رأيت الأستاذ "عبد السلام ياسين" يستعمله في "المنهج النبوي"، ووقفت عليه لدى بعض المنابر الإسلامية في تطاون، وأحصيت له استعمالات ثلاثة له لديك في "الاندحار الماركسي" ولأسألك: هل يصف مفهوم الجاهلية واقعا معينا في الحاضر، أم واقعا مجردا أكثر انتمائه إلى الماضي. إذا كان يصف واقعا معينا فهو مفهوم ذو وظيفة علمية إجرائية، وإذا كان يصف واقعا مجردا فإنه ذو وظيفة إيديولوجية تعبوية ضد المختلف من الأفكار والعقائد والسلوكات… دعني أسألك أيهما ترى؟
جواب: مفهوم الجاهلية وصف لواقع حاضر، محكوم بـ"عقيدة اجتماعية" من وظائفها التعبئة الإيديولوجية. ومن هنا يطغى فهم المصطلح كمفهوم إيديولوجي عقائدي مجرد عن واقعه الاجتماعي. والحقيقة أنك عندما تجد نفسك أمام واقع متحالف ضمنيا ضد المسلمين، مثل تحالف الملاحدة واليهود والنصارى في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني والعراقي والبوسني والصومالي، لا يمكنك إلا أن تصفه بالجاهلية؛ وهو مفهوم يصف كل مجتمع عنيف شرس غير خاضع لشريعة الإسلام، ولا يحكم بما أنزل الله، ولا يدخل في السلم كافة.
الماركسية واليهودية
سؤال: تعتبر أن تحليلات الماركسية مجرد لعبة وخدعة لأنها ذات ذيول يهودية وبتخطيط يهودي… لم الربط بين اليهودية والماركسية؛ هذا الذي انعقد الإجماع حوله بين كثير من الكتاب الإسلاميين. هل لمجرد أن "ماركس" و"لينين" كانا يهوديان، أم أن الأمر كله ما جمعه صاحب "التاريخ السري للعلاقات بين الشيوعية والصهيونية"، أم أن الأمر، في هذا وذاك، تشغيل لمخزون المسلمين العاطفي ضد اليهود لتنفيرهم من الماركسية؟
جواب: ربط اليهودية بالماركسية هو ربط واقعي، يكشف جانبا من تحالف الجاهلية. والحديث عن هذا الربط هو كشف "اللعبة/ الخدعة" التي ما زال اليسار لم يرد أن يعيها ومصمما السير نحو الغباء التام. وتفسير ذلك أن "ماركس" و"لينين" خدما المسألة اليهودية؛ الأول نظريا، والثاني سياسيا، الأول قدم حلا للمسألة اليهودية، والثاني تحالف مع اليهود. ثم الدور التبشيري والتنظيمي الذي قام به اليهود في نشر الماركسية في العالم العربي، فاليهود لم يكن ليجدوا إيديولوجية يستطيعوا بها السيطرة على طابور المتذمرين في المجتمعات العربية غير الماركسية؛ ولذلك كانت الماركسية غطاء للسيطرة اليهودية في العالم العربي. وهذا الربط لم يكن ضروريا في أوروبا وأمريكا، فاليهود كانوا قد حطموا كل الحواجز أمامهم منذ الثورة الفرنسية باسم الإخاء والمساواة والعدالة. وهم اليوم يشاركون النصارى في السيطرة على العالم الغربي، ولا تستطيع دولة أن لا تحالف اليهودية العالمية . وأما في العالم العربي، فليس هناك من طريق غير الأحزاب الشيوعية واليسارية. ويمكنك النظر في المغرب إلى جماعة "إلى الأمام" اليسارية، وزعيمها الماركسي "السرفاتي" ومحاربتهم العنيفة للحركات الإسلامية دون غيرها من الاتجاهات الأخرى. فذلك التحالف وهذا العداء هو هو نفسه (اللعنة /الخدعة)، وهو نفسه المسيرة نحو الغباء التام لكل من ساهم في ذلك الاتجاه. وعندما نصف ذلك بالصراع بين الإسلام والجاهلية، فإننا نصف واقعا نعيش صراعه على المستوى العالمي، وليس على مستوى فرد أو فردين أو جماعة أو جماعتين من المثقفين. ومن هنا يكون أسفنا على بعض المثقفين الذين ينساقون مع هذه اللعبة /الخدعة ويساهمون في المسيرة نحو الغباء التام. وبالتالي ما نقوله ليس إثارة لمخزون عاطفي ضد اليهود لتنفير المسلمين من الماركسية.
من التسلط إلى الحوار
سؤال: تقول عن الماركسية إنها إيديولوجية "دخيلة" و "غريبة" و "متسلطة". وأنا متفق معك في حدود النظر إلى المسألة من زاوية "العودة إلى الذات" وهويتها الحضارية، كما الأمر لدى "علي شريعتي". ولكني أختلف معك في حدود النظر إلى المسالة من زاوية التلاقح الحضاري والتبادل الثقافي. وما أراك تعترض على أن "الآلة التي تصح بها التزكية ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة" كما يقول أبو الوليد في فصل المقال….فما قولك؟
جواب: في الحقيقة لا أرى دعوة "شريعتي" دعوة إلى العودة إلى الذات رغم تصريحه بها، وإنما أرى دعوته تلفيقا بين إسلام حاضر وبين ماركسية دفينة. وأما مسألة "التلاقح" و "التبادل"، فهي تتضمن حضور الآخر كخصم دائم لنا نتبعه كـ"ابن رشد" مع "أرسطو" أو "اليسار" مع "ماركس". ولا أتصور العلاقة بالغير أو بالآخر كـ"تمثل" كما يحدث في النبات أو في الهضم؛ بمعنى أن الآخر يفقد هويته الخاصة، ويدمج كليا في الذات، وينصهر فيها وتذوب معه كل خصائصه وصفاته التي تجعل منه آخر. وهذا التصور يجعل العلاقة أحادية وفاعلة، ليس فيها أية مشاركة للآخر مثل فعل "تلاقح" أو "تبادل". والشيء الذي لا يمكن أن تمثله يظل مغايرا. و"ابن رشد" عندما قال "الحق لا يضاد الحق" تصور أن هناك حقين غير متضادين، والواقع أن ليس هناك إلا حق واحد. والآلة التي تنتج بضاعة غير الحق وباطلة، لا تعد أداة صالحة. فالتحاور مع الماركسية هو تحاور لإبطالها والحق لا يتلاقح مع الباطل، بل يدمغه فإذا هو زاهق.
رابعا: خبراء الماركسية
غارودي المسيحي
سؤال: تسمي "غارودي" خبيرا مسيحيا، ولا تقول عنه "الصليبي" تحفظا. كيف ترى تسميتك للرجل الآن على ضوء مستحدثات كثيرة، خاصة وأن صاحب "ماركسية القرن العشرين" أسلم وحسن إسلامه؟
جواب: إن حكمي على "جارودي" لم يتغير إلا من كونه ترك مسيحيته واعتنق الإسلام. لكن هذا لا يبطل خبرته في الماركسية، وإن "الاتحاد الاشتراكي المصري" استدعاه ليحاضر محاضرة تنير الطريق المسدود أمام اليساريين. وذلك ما حدث فعلا حيث أبان لهم أن في الإسلام ماركسيتهم وهذا ما تسعى إليه بعض الفئات اليسارية، فتلبس الإسلام لبوس الماركسية، وتسمي نفسها بـ"اليسار الإسلامي".
رودنسون اليهودي
سؤال: "رودنسون" لديك "خبير يهودي"، و "مخطط شيوعي" ولا تقول عنه "الصهيوني" تحفظا، شأنه شأن "غارودي". كيف ترى تسميتك لصاحب "الماركسية والعالم الإسلامي" على ضوء عمر كامل من الالتزام بالفكر الماركسي، وكذا موقفه الأخير من الصهيونية ؟
جواب: حكمي عليه كخبير بالماركسية، ومن كونه يهوديا وتحفظي من صهيونيته، لم يتغير؛ فيكفي أن نفهم أنهم جعلوا منه هاديا للمسلمين. وحتى لا نقع في "اللعبة/الخدعة"، عندما استدعوه مثل "غارودي" ليحاضر باسم "الاتحاد الاشتراكي المصري"…
عمارة الماركسي الجدلي
سؤال: تنعت "محمد عمارة" بالكاتب الماركسي المادي الجدلي. ماهي قيمة حكمك الآن على الرجل بعد مشاركته في ندوة "الدين والدولة في مصر"، وتحديده لـ" معالم المنهج الإسلامي"؛ الذي وقع عليه الاختيار ليكون باكورة مشروع للنشر مشترك بين "الأزهر الشريف" و "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"؟
جواب: حكمي على "عمارة" آنذاك كان يرتبط بما كتبه متأثرا بالاتجاه التقدمي اليساري. أما اليوم وقد غير موقعه، فلم يعد من الممكن الحكم عليه بمثل ما حكمت عليه من قبل. ومع ذلك فحكمي السابق كان رهينا بتأثره بالتقدميين اليساريين.
خامسا: أطروحة الفكر التقدمي والخروج عن الذات الإسلامية
من مفهوم التقدم إلى مفهوم الديموقراطية
سؤال: الجانب الأهم في "أطروحة الفكر التقدمي"، كما تقول، هو الانتصار لمفهوم التقدم. ألا ترى أن هذا المفهوم أصبح في "الجانب المهم" وترك مكانه لمفهوم آخر، هو "الديموقراطية" لكي يحتل "الجانب الأهم"، وعيا من الفكر التقدمي أن الديموقراطية هي شرط للتقدم؟ إذا كان الجواب ببلى فإن أطروحة الفكر التقدمي الآن ليست "أطروحة الخروج من الذات الإسلامية" كما زعمت عام 1984، لأن الديموقراطية- كما لا ينبغي أن يغيب عن علمك- هي مطلب الإسلاميين، ومعهم باقي القوى الحية في المجتمع، ولكنها أطروحة "الدخول إلى الذات الإسلامية"، لأنها تعبر عن إحدى مطالب هذه الذات وحاجتها الأساسية …فما قولك؟
جواب: يمكنني القول إن من يستعمل نفس الآلة ليس بالضرورة مشاركا لنا في الملة والذات. ومفهوم الديموقراطية اليوم بالنسبة لليساريين كالآلة السياسية. وهو مفهوم يمثل الغطاء الإيديولوجي للممارسة السياسية في ظل أنظمة أصبحت تتوجه إلى التعددية الحزبية. وهي بالنسبة لليسار سياسة جديدة لتدجين أجيالهم الثورية المناضلة، وإدخالها في ظل الأنظمة العربية دخولا ديموقراطيا. وهذا الدخول في نظرنا من باب الديموقراطية، لا ينفي مفهوم الخروج عن الذات الإسلامية؛ عندما ترتبط الديموقراطية بالعلمانية، لإبعاد وإسقاط الأحزاب الإسلامية من مفهوم الديموقراطية، حيث التعدد للبعض دون الجميع. ولهذا يمكننا تسمية ذلك حصارا للذات الإسلامية، ودخولا ديموقراطيا في الأنظمة العربية.
العناصر الحية في المجتمع
سؤال: بتأكيدك المعهود، ترى أن خطأ الفكر التقدمي يكمن في محاربة العناصر الحية في المجتمع، ويعتبرها السبب الرئيسي في الهزيمة، بدل أن يحددها ويتبناها ويجعلها طريقا لحيويته. فما هي هذه العناصر الحية؟ واستباقا لجوابك، سأفترض من بين هذه العناصر، عنصر الدين لكن ليس بمعنى "أفيون الشعوب"، ولكن بمعنى "صرخة المضطهدين". أي أن يصبح الدين عامل ثورة على كافة الآفات الاجتماعية والسياسية… وتجربة لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية نموذجية في هذا المجال، ولو أنها تنتمي إلى فضاء ديني مغاير هو المسيحية. بالنسبة للعالم العربي، لاهوت التحرير الإسلامي محكوم بـ"الاستحالة" في نظر الأستاذ حيدر إبراهيم علي، ومحكوم بالإمكان في نظري. وصاحب "لاهوت التحرير في العالم الثالث" يتفق معي في الإمكان، ويختلف معي حول مجرى الواقع والتاريخ. ما رأيك في قيام لاهوت تحرير إسلامي يجمع بين الدين كهوية حضارية، والثورة كمكسب العصر من أجل النضال في سبيل مشروع الحياة بلغة "فراي بيتوا" أحد نماذج لاهوت التحرير المسيحي؟
جواب: العناصر الحية في المجتمع، وإن كان بعضها عاما، فهي تتغير من مجتمع إلى آخر، وتحتاج إلى تحديد جديد، وتنشيط جديد حسب الظروف التي تحيط بها، وتتفاعل معها. ومن المعلوم جيدا أن بعضا من التيار اليساري أدرك خطأ إغفال العنصر الديني، وضرورة التحاور معه لهدايته إلى اليسارية، أو لتفجيره من الداخل، أو لتضليل أنصاره، أو على الأقل كسب أصواتهم وتعاطفهم معه. هذا التقارب، في رأينا، لا يغير للأمر واقعا، بل يضيف تعقيدا إلى تعقيداته؛ وخاصة إذا اعتبرنا هذا التقارب هو شكل من أشكال الدخول في الأنظمة العربية. أما مسألة لاهوت التحرير، فقد تجاوزها القطار اليساري، ولم يعد يلتفت إليه بدخوله في ديموقراطية الأنظمة العربية؛ فالحديث عن الثورة اليوم أصبح يوصم من طرف اليساريين أنفسهم، وهم مبدعوه والمروجون له، بالإرهاب والعنف وأصناف أخرى من النعوت التي تدل على أن زمان الثورة والنضال قد ولى. أما لاهوت التحرير المسيحي وماركسيته، فلا يثير استغرابا لأن المسيحية في جوهرها الاقتصادي الكنسي شيوعية محض، كما أن إضافة إشارة الصليب إلى صدر الماركسي أو على حائطه، لا يغير من جوهر العلاقة بين الماركسية والمسيحية الرهبانية. وكذلك مسألة الثورة والسلاح، فهي ليست ظرفية؛ فالكنيسة كانت دائما وراء الحروب باسم المسيحية، أو على الأقل، السكوت عن المجازر التي ترتكب باسم المسيحية. كما أن الراهب ليس من الضروري أن يحمل السلاح، فيكفي مباركته لحامله.
تفجير طاقات خلاقة في الإسلام
سؤال: تأسف على ضياع طاقات أساتذة يمتازون بقدرة عقلية ونشاط ودأب في تأصيل اتجاه ماركسي يهودي يتنافى مع أصول ديننا أو مع عقليتنا الإسلامية، في حين أنه كان بإمكانها أن تفجر في الإسلام طاقات فكرية خلاقة. أما زال الأمر على حاله منذ أبديت هذا الأسف، وهل ظهر جيل جديد من الأساتذة حقق ما رغبت فيه آنذاك وخاصة في الجامعة المغربية؟ وكيف؟
جواب: فعلا ظهرت في المغرب طاقات حيوية تخلصت من أسر السير نحو الغباء التام، وفجرت طاقات حيوية حولها، ومنها "محمد عابد الجابري" و"طه عبد الرحمان" اللذان كونا مدرستين فكريتين جديدتين في الجامعة المغربية، وقبلهما "محمد عزيز الحبابي" وهناك غيرهم في شعب أخرى في الجامعة المغربية…
أجرى الحوار
محمد بلال أشمل
تطاون العامرة
كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية في 08:00 صباحاً ::
الاسم: الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية
