عذب الكلام
ساحة للتأمل والحوار الراقي والقيم السامية

دمعة الأربعاء -

 
دمعة الأربعاء -
نجيب محفوظ: عميد الرواية العربية المتوج بجائزة نوبل

احمد دحبور
بين الحادي عشر من كانون الأول، ديسمبر 1911، والتاسع والعشرين من آب، أغسطس 2006، تمتد خمس وتسعون سنة الا اربعة ومئة يوم.. قرن من الزمان مقترن بتاريخ من العطاء تشكل فتألق فشاع، فإذا هو نجيب محفوظ..

كان هذا الرجل رواية في حياته كما هي شخصياته في أدبه، فقد ظل أربعين سنة او تزيد، مضرب المثل في دقة مواعيده، حتى صدق فيه قول صديقه المرحوم محمد عفيفي انك تستطيع ان تضبط ساعتك على مواعيد ظهور نجيب محفوظ ومغادرته. وقد تخرج باجازة الفلسفة عام 1934 من كلية الآداب في جامعة القاهرة. وكان قد أصدر قبل عامين من هذا التاريخ كتابه الأول "مصر القديمة"، وهو ليس مجموعة قصصية كما يظن الكثيرون خطأ، بل كتاب ثقافي شبه سياحي من تأليف جيمس بيكي، وقد نقله الاستاذ نجيب الى العربية وهو في الحادية والعشرين من العمر، ولم يطبعه مرة ثانية الا عام 1988 عندما عثر الكاتب الفلسطيني المرحوم احمد عمر شاهين على نسخة منه، مصادفة، عند سور الأزبكية..

عمل نجيب محفوظ سكرتيرا برلمانيا لوزير الأوقاف حتى سنة 1950. فكان كما يقول تلميذه وصديقه محمد جبريل: "يخرج من بيته - 10 شارع رضوان شكري بالعباسية، في موعد محدد. يمشي على قدميه، ولا يأخذ المواصلات الا نادرا، حتى يصل الى ديوان وزارة الاوقاف في الثامنة تماما، يظل في مكتبه الى الثانية، فيعود من الطريق نفسه في اطار نظام صارم يحرص عليه، فهو يقرأ ويكتب ويشاهد التلفزيون وينام ويستيقظ في مواعيد محددة، وقد ظل موظفا حكوميا حتى أحيل الى المعاش.."، وكان قد التحق بوزارة الثقافية منذ ان كان اسمها وزارة الارشاد القومي، وانضم الى هيئة تحرير مؤسسة الأهرام عام 1971.

افتتح نجيب محفوظ ملفه الابداعي بمجموعة همس الجنون عام 1938، ليباشر ثلاثيته الفرعونية بعد ذلك عام 1939 وهي >عبث الأقدار - راد وبيس - كفاح طيبة". ثم توالت اعماله الادبية، الا من انقطاع عن النشر منذ 1949 عندما أصدر روايته "بداية ونهاية" حتى عام 1956 عندما استأنف نشاطه فنشر الرواية الاولى من ثلاثيته الشهيرة "بين القصرين - قصر الشوق – السكرية" وتواصلت كتبه بلا انقطاع حتى وصلت عام 1988 الى ثمانية واربعين. وفي ذلك العام تهلل الوطن العربي على وقع النبأ السعيد، فقد أعلنت اللجنة الملكية السويدية نبأ فوز كاتبنا الكبير بجائزة نوبل للآداب، ليكون بذلك اول عربي، فضلا عن انه المسلم الوحيد الذي يفوز بهذه الجائزة الأدبية الاولى على مستوى العالم.

وقد واصل نجيب محفوظ انتاجه، فأصدر رواية "قشتمر" ومجموعة "الفجر الكاذب" و"اصداء السيرة الذاتية" ومجموعة "القرار الأخير" وقد جمع له اصدقاؤه ومريدوه من بين قصصه المبكرة التي لم تظهر في كتاب مجموعة بعنوان "فتوة العطوف"، ليبلغ عدد كتبه ثلاثة وخمسين بين رواية ومجموعة قصصية، الا اننا نستطيع ان نفرد منها "مصر القديمة" الذي هو رواية مترجمة كما اشرت، و"امام العرش" الذي لم يكن الا قراءة تاريخية على طريقة نجيب محفوظ وصفها بأنها حوار بين الحكام، ويقصد حكام مصر عبر التاريخ، و"اصداء السيرة الذاتية" الذي لم يكن سيرة ذاتية كما ظن بعضهم خطأ بل هو شذرات فلسفية وتأملات فكرية. وقد نستطيع ان نرفع رقم كتب الاستاذ نجيب الى اربعة وخمسين اذا اضفنا الى نتاجه مجموعة "صدى النسيان" التي اختار لها محمد جبريل هذا العنوان، ليرتفع الرقم الى خمسة وخمسين اذا اعتبرنا كتاب "نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته" من اعماله الأدبية وهو كتاب أعده رجاء النقاش من حوارات طويلة أجراها مع أديبنا الكبير بلغت صفحاتها ستين وثلاثمئة صفحة من القطع الكبير. وهو ليس الكتاب الوحيد المكرس لحوارات نجيب محفوظ ولكنه الأشمل، فقد نقرأ كتابا بعنوان "ثرثرة مع نجيب محفوظ< وهو حوارات صحفية في الشأن العام أجرتها معه سهام ذهني.

وليس هذا كل انتاج أديبنا العالمي، فقد كتب كثيرا للسينما مما سنفرد له فقرة خاصة.
تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال عام 1994 من شاب متعصب رداً على روايته "اولاد حارتنا" التي نشرها على حلقات في جريدة الأهرام قبل زهاء نصف قرن ونشرتها دار الآداب، لأول مرة في كتاب مستقل، عام 1973. وكان لنجيب محفوظ شلة من الاصدقاء الحميمين يطلقون على أنفسهم اسم الحرافيش، وبعد محاولة الاغتيال كادت تقتصر سهراته على هؤلاء الأصدقاء، الا ما يرتبه له مريدوه من مواعيد يوافق عليها.

من الحرافيش كان الممثل المرحوم احمد مظهر والمخرج توفيق صالح، ومن المحبين المريديين ظل جمال الغيطاني ويوسف القعيد، الروائيان المعروفان، يلازمانه حتى ايامه الأخيرة.

تزوج نجيب محفوظ عام 1954، من رفيقة عمره عطية الله، التي انجبت له أم كلثوم وفاطمة، واسمه الكامل نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم احمد الباشا، فنجيب محفوظ هو اسمه الاول المركب الذي كان يكتفي به، حتى تراءى لكثيرين ان اسم محفوظ كنية له، بينما هو في الحقيقة جزء من اسمه الصغير او الأول.

 
الروايات التاريخية
ننحي رواية "مصر القديمة" جانبا، فهي ليست من تأليفه، وان كانت الكتاب الوحيد الذي أقدم على نقله الى العربية. ويلفتنا، في رواياته الاولى - وهي ثلاث، انها ذات صبغة تاريخية تدور احداثها في زمن الفراعنة، وقد عاد الى هذا الزمن فكتب رواية رابعة بعنوان "العائش في الحقيقة"، واذا كانت الروايات الثلاث الاولى صدرت تباعا بين 1939 و1944، فقد تأخرت الرواية الرابعة حتى صدرت عام 1985.

كان لدى نجيب محفوظ طموح أسرّ به لبعض جلسائه، في أن يؤرخ روائيا لمصر القديمة والجديدة على حد سواء، على غرار مشروع الكاتب الانكليزي سير وولتر سكوت. لكن نزعته الفلسفية التأملية - كما أعتقد - سببت لمشروعه حالة من الانزياح، فانعطف بعد الرواية الثالثة الى عالم "القاهرة الجديدة". وهذه النزعة نلمسها في روايته التاريخية الاولى >عبث الأقدار< عندما رصد مسيرة الفرعون الذي أراد ان يغالط النبوءة فيقتل من أخبره العرافون بأنه قاتله لا محالة، واذا بسعيه الى قتل غريمه يتسبب له بالموت قتلا على يد ذلك الغريم. وهو ما يفسر العنوان من حيث هو عبث الأقدار. واذا كان نجيب محفوظ قد اعطى الأقدار حقها في العبث، فهو لم يغفل عن أن الإنسان مسؤول عن أقداره، فلولا سعي الفرعون لما كان موت هذا الفرعون أكيدا. وهو ما قالته كلاسيكيات سابقة مثل مأساة اوديبوس.

اما الرواية التاريخية الثانية، رادوبيس، فهي خطوة مبكرة من الأديب العالمي على طريق الحداثة، عندما جعل الفرعون إنساناً قبل ان يكون صاحب الصورة المقدسة التي رسمها له الشعب، فقد أحب الغانية رادوبيس مضحيا بقداسته وهيبته الملكية. لتكون المفاجأة الدرامية عند امرأة الفرعون التي تفهمت ضعفه الانساني حتى انها غفرت له كل شيء، بما في ذلك طلبه القاسي الأخير ان يموت في حضن الغانية رادوبيس بدلا من القصر الملكي، وكان له ذلك.. إن ما فعله نجيب محفوظ هو ان فهم الانساني في الانسان واعطاه الغلبة على الصورة المقررة حتى لو كانت مقدسة، لأن البشر هم الذين يمنحون القداسة وهم الذين ينزعونها ولو ادى ذلك الى قتل الفرعون.

اما الرواية الثالثة، كفاح طيبة، فتسجل بالفخر والاعتزاز، فصلا من تاريخ مصر الكفاحي من أجل الاستقلال. وعندما نتذكر انه كتبها عام 1944، يظل في حسابنا ان قلمه كان ينبض بايقاع مصر التي استجمعت قواها للمطالبة بالاستقلال بعد ان تضعضع المحتلون البريطانيون في اعقاب الحرب العالمية الثانية.

وقد نتلكأ حتى نضيف رواية "العائش في الحقيقة" المكتوبة بعد واحد واربعين سنة من آخر رواية تاريخية لنجيب محفوظ. فهو في هذه الرواية يجمل عبث الأقدار، والتمرد، وأنسنة الفرعون، في ضوء الوعي الذي اكتسبه الكاتب الكبير بجهد أربعة عقود من المعرفة والتعمق في فهم المحيط والوجود.

 
القاهرة الجديدة
نستطيع القول ان مشروع الرواية الواقعية قد ظهر في أدب نجيب محفوظ مباشرة بعد روايته التاريخية "كفاح طيبة – 1944" فقد اصدر في العام التالي رواية "القاهرة الجديدة" التي شدت الأنظار اليه بقوة. والطريف ان هذه الرواية قد أخذت اسم "القاهرة 30" عندما اخرجها للسينما صلاح ابو سيف. وهذا طبيعي ما دام ظهرها في السينما كان عام 19.

كان نجيب محفوظ يمقت الانتهازية ويعتبرها مساوية لبيع النفس. ومع ذلك لا نراه يتدخل في مصير محجوب عبد الدايم، بل يترك لاختيار هذا المأفون ان يصل به الى حيث يجب ان يصل. فالباشا قاسم فهمي يلم الفتاة المتسولة احسان شحاتة من الشارع ويزوجها من محجوب ليتمكن من زيارتها متى تسنح له الظروف. ومحجوب راض بذلك انطلاقا من ان الحياة في نظره لا تستحق اكثر من كلمة طظ.. وحين يكتشف ابو محجوب فضيحة ابنه يعتبره في عداد الأموات. وبالفعل كان الكاتب قد حكم بالموت الاجتماعي على هذا الانموذج البشري الطالع من قاع المجتمع، المتطلع الى الطبقة المتوسطة لكنه لم يحافظ على موقعه الاجتماعي الا مشوبا بالخزي محاطا بالعار.

سيختلف الأمر في رواية "خان الخليلي" التي يلوح فيها أحمد عاكف، ابن هذه الطبقة مضحيا لأخيه الذي يموت في شرخ الشباب، وتعبره الحرب العالمية الثانية كأنه غير موجود، ولسان حاله: "ملعون ابو الدنيا" يعادل من هذه الناحية شعار "طظ" الذي اطلقه محجوب عبد الدايم، مع فارق ان محجوبا يقدم تنازلات مهينا بينما قدم أحمد عاكف تضحية لم تلق ثوابها الطيب من الحياة..

اما رواية "زقاق المدق" فهي اول عمل لنجيب محفوظ يعج بالحياة، حيث نرى اخلاطا من البشر، تبدأ بالرجل التقي رضوان الحسيني ولا تنتهي بالمنكود زايطة صانع العاهات، وتغري المدرسة الطبيعية كاتبنا بتقديم شخصية المعلم كرشة الشاذ جنسي، فيما يتعامل ابنه مع الواقع بنفعية تتنافى مع القيم. اما عباس الحلو، الحلاق فهو الشاب الخائب الذي لا يعرف حتى كيف يفسد للحصول على حميدة، الفتاة الفقيرة الطموح التي تقع في شر أوهامها.. ولسوف تصبح رواية "زقاق المدق" دليل عمل لنجيب محفوظ في روايات له لاحقة من حيث تعدد النماذج البشرية المتناقضة..

وتبلغ هذه المرحلة - وما زلنا في عام 1949 - ذروتها برواية"بداية ونهاية" التي ترصد طموحا لا حد له عند حسنين الذي يدوس على القيم جميعها مقابل ان يصبح ضابطا، وفيما هو سكران بنشوة تحقيق حلمه يفاجئه الواقع بالقبض على شقيقته نفيسة في وكر دعارة، وكانت تمنحه المال الذي تحصل عليه من البغاء، ليكون اول رد فعل له امام هذه الفضيحة هو ان يسألها: هل عروفك؟.. بمعنى انه ظل حريصا على سمعته اكثر من الحرص على الشرف الحقيقي.. لقد كانت هذه الرواية محاكمة قاسية للطبقة الوسطى على تطلعاتها في ظل مجتمع عدم تكافؤ الفرص.

وفي هذا الزحام، يكتب نجيب محفوظ رواية >السراب< لتشكل خروجا على سياق مشروعه الواقعي النقدي، فهي رواية فرويدية اذا جاز التعبير، ولكن ما يربطها بغيرها هو واقع المدينة. فنجيب محفوظ هو روائي المدينة المصرية بامتياز. والقاهرة تحديدا. وهو ما سيتيح له ان يفجر معجزته الروائية في الثلاثية وما تلاها..

 
ثلاثيتان لا واحدة
قد لا يعرف الكثيرون ان ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة - بين القصرين، قصر الشوك، السكرية - لم تكن ثلاثية في الأصل، بل كتبها دفعة واحدة، لكنه اضطر، لأسباب فنية، الى التنسيق مع صديقه الناشر، لاصدارها في ثلاث روايات كما ظهرت للجمهور خلال العامين 1956 و1957. فكان علينا ان نتعامل معها كما فرضت نفسها على الذائقة العربية بوصفها ثلاثية.

وفي هذا العمل الكبير يطالعنا السيد احمد عبد الجواد، التاجر المهيب الذي يحكم قبضته على اسرته، المكونة من زوجه المطيعة أمينة، وابنتيه خديجة وعائشة، وشقيقتهما فهمي وكمال، اما الأخ الثالث ياسين، وهو الأكبر، فهو أخ غير شقيق من أم طلقها سي السيد احمد عبد الجواد فانطلقت مزواجة لعوبا حتى ادركها الأجل.

وسي السيد يعيش حياتين متناقضتين. فهو الأب الصارم القاسي، لكن الكريم، الذي لا يقطع فرضا ولا يتأخر عن صيام. وهو، بين اصدقائه التجار، ذلك المتهتك السكير زير النساء. لم تمتنع امرأة عن سي السيد الا زنوبة، صبية الراقصة العالمية، فتزوجها ابنه ياسين الذي كان وريث أبيه في المجون. اما فهمي فهو الذي شق عصا الطاعة على أبيه واشترك في العمل الوطني ليستشهد برصاص الانكليز. ويجمع النقاد على ان شخصية كمال مشتقة من شخصية نجيب مفحوظ نفسه، في قلقه الفلسفي وحيرته الوجودية. وكان له صديق مسيحي هو رياض قلدس يجسد في صداقته وحدة عنصري الشعب المصري. اما عائشة فيحبطها ابوها برفض يد من تقدم لها خوفا من ان يكون قد أحبها. والحب ممنوع على البنات، لتفرض عليه صديقة شركسية للأسرة زواجها من ابن لها، وفي الطريق يتزوج ابنها الآخر من خديجة العاطلة عن الجمال. وتموت عائشة وأسرتها بالوباء، فيما تنجب خديجة زحمد الشيوعي وعبد المنعم الأخ المسلم، اما ياسين وزينب فينجبان رضوان الشاذ جنسيا.

وهكذا يجمل نجيب محفوظ في روايته متابعة ثلاثة اجيال من المصريين، بالنضال الوطني، بالبيئة المحافظة يقابلها التهتك، بالورع والشذوذ، بالمآسي والمسرّات، بالتقاليد والتمرد والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة، فكأن الثلاثية هي ملحمة مصر الحديثة.

على ان لنجيب محفوظ ثلاثية ثانية، وإن لم يكن بينها رابط مباشر وهي "اللص والكلاب - السمان والخريف – الطريق" فاللص والكلاب ترصد اشكالية الانسان مع المجتمع، والسمان والخريف تتابع صراع المصري مع الوضع السياسي في ظل تحولات ما بعد الثورة عام 1952. والطريق هي قراءة لعلاقة الانسان مع الميتافيزيقا. ويجمع بين ابطال هذه الروايات انهم شخصيات مهزومة لا تصل في بحثها الا الى بصيص غامض قد يهتدي به عيسى الدباغ بطل السمان والخريف.

والواقع ان الكاتب قد جعل من الثلاثيتين مدخلا الى التنقيب عن خفايا الطبقة المتوسطة المصرية في ست عشرة رواية، هي "الشحاذ - ثرثرة فوق النيل - ميرامار - المرايا - الحب تحت المطر - الكرنك - قلب الليل - حضرة المحترم - عصر الحب - افراح القبة - ليالي ألف ليلة - الباقي من الزمن ساعة - رحلة ابن فطومة - يوم قتل الزعيم - حديث الصباح والمساء – قشتمر".
وكل رواية من هذا السجل الحافل - كما هو الأمر مع كل عمل لنجيب محفوظ - يستحق دراسة، بل دراسات مفصلة.

 
العالم حارتنا
بين أعمال نجيب محفوظ، تقف رواية "اولاد حارتنا" ملحمة اليغورية تحاكي نشوء العالم حسب الرواية الدينية، من آدم الى الأنبياء موسى والمسيح ومحمد وصولا الى العلم بمستوييه الفلسفي المعرفي والتقني. فقد بنى الكاتب رؤية العالم من حجارة حارتنا، بمعنى انه استلهم التاريخ في ضوء تقاليدنا وثقافتنا وبعض تاريخنا، وجعل لكل نبي معادلاً موضوعياً يعبر عنه ويقتفي الحوادث المشهورة في حياته. فهذا آدم يحاكيه أدهم منذ الخطوة السماوية الى المعاناة على الأرض واقدام أحد ولديه على قتل شقيقه. ورفاعة يحاكي شخصية السيد المسيح، فيما تنطبع صورة قاسم بصورة النبي محمد. وكان موسى قد أخذ دوره في هذه الملحمة من خلال شخصية جبل. وقد اختلف النقاد على مغزى ظهور عرفة - ممثل العلم الحديث - مع موت الجبلاوي. فمنهم من اعتبر العلاقة مع الله هي علاقة ايمان وبحث، وليس الجبلاوي تجسيدا بل هو رمز للعلاقة التي استمرت لدى البشر في البحث عن كراسة عرفة. بينما أصر آخرون، وهم الكثرة، على أن في الجبلاوي تجسيدا يدفع بفكرة نجيب محفوظ الى الزندقة. وعلى أي حال فقد ختم الكاتب حياته مؤكدا ايمانه الذي عبر عنه غير مرة، ولا سيما في تلاوة آيات من سورة الرحمن على امتداد رواية ميرامار.

سيواصل نجيب محفوظ متابعة جدلية العالم من خلال الحارة بملحمة الحرافيش التي بناها على مبدأ الصراع بين الخير والشر، الاقوياء والضعفاء، من يملكون ومن لا يملكون، راصدا جوانب الضعف البشري وخضوع الانسان للنزوات الغريزية من غير ان ييأس من الجانب المضيء في البشر.

هذا ما يظهر ايضا في رواية "حكايات حارتنا" التي انتخب من خلالها شخصيات متنوعة، كما فعل في رواية المرايا، للتعبير عن طباع ومصالح وطبقات وأفكار مختلفة في الحياة.
ان جوهر حارتنا موجود في بقية اعمال نجيب محفوظ، لكن تقريب المسافة بين الفكرة المطلقة والمستوى المحلي، جاء استجابة لنزعة الكاتب الشعبية الشرقية.

 
القصص القصيرة
حين حقق نجيب محفوظ شهرته الروائية الكاسحة، اوقع من حيث لا يدري ظلما بشهرة قصصه القصيرة، حتى ان كثيرين لا يعرفون ان هذا الكاتب الكبير قد ضرب رقما قياسيا في مجموعاته القصصية التي بلغت سبع عشرة مجموعة، وعندما نتذكر ان مجموعات زكريا تامر لا تتجاوز التسع، وهو الذي لم يكتب الا القصة القصيرة، فاننا ندرك ان ما قدمه نجيب محفوظ يشكل احراجا، حتى في العدد، لكل من كتب القصة القصيرة العربية. ومجموعات الاستاذ نجيب محفوظ هي "همس الجنون - دنيا الله - بيت سيىء السمعة - خمارة القط الأسود - تحت المظلة - حكاية بلا بداية ولا نهاية - شهر العسل - الجريمة - الحب فوق هضبة الهرم - الشيطان يعظ - رأيت فيما يرى النائم - التنظيم السري - صباح الورد - الفجر الكاذب - القرار الأخير - صدى النسيان - فتوة العطوف" هذا عدا القصص القديمة التي نشرت في بعض الدوريات ولم يجمعها الباحثون والمعنيون حتى الآن.

واللافت أن هذا الكاتب النوعي كان حساسا لصالح الجديد منذ البدايات. ففي مجموعته الاولى "همس الجنون" التي اصدرها عام 1938، نقف عند قصة الشاب الذي يرخي العنان لجنونه في الشارع احتجاجا على الثقافة التقليدية التي تعتبر الحياء والسلبية عين العقل. وفي هذه المجموعة تستيقظ المومياء الفرعونية لتخسف الارض بالمتغربين عن وطنهم المتعالين عليه.

اما مجموعته الثانية "دنيا الله" ففيها قصة زعبلاوي الشهيرة التي اعتبرها النقاد اولى خطوات نجيب محفوظ في متاهة البحث الميتافيزيقي.

وقد مرت قصة نجيب محفوظ القصيرة بأطوار مختلفة. فقد بدأت أشبه بالرواية المخلصة او المضغوطة من حيث كثافة الوقائع، بل ان بعض قصصه القصيرة المبكرة قد تحولت فيما بعد الى روايات، مثل قصة "القيء" التي سنجدها مفصلة في رواية "القاهرة الجديدة".

ثم كتب القصة الرمزية، من نوع "قسمتي ونصيبي" التي تسرد حكاية ولدين سياميين ولدا ملتصقين، فأعطاهما الأب هذين الاسمين الغريبين: قسمتي ونصيبي، ليكون أحدهما شريرا والآخر صالحا، وعندما يموت الشرير يظل ملتصقا بالصالح لأنه جزء عضوي منه، في اشارة الى ان الشر والخير يلازمان الانسان.

وكتب القصة الوجودية التي تختزل الزمن فترسلنا مع الطفل الى المدرسة الابتدائية ليعود الى البيت منهكا فنكتشف انه اصبح في >نصف يوم< - وهذا عنوان القصة - شيخا عجوزا.

وأخطر ما في قصص نجيب محفوظ القصيرة، اضافة الى توزعها بين الواقعي والرمزي والتعبيري والانطباعي والطبيعي، انها متعددة الموضوعات حتى لتعجب من قدرة الكاتب الفذة على استخلاص القصة من أي شيء. وهو في قصصه جميعا يظل ابن البلد، حارس البيئة الشعبية، المؤمن بالعدل والشرف، المندد بالاستغلال والغدر والخيانة. وذلك بأسلوب شفاف يسمي الأشياء بأسمائها ولا يقع في السطحية او التفاؤل الساذج.

 
دوره في السينما
اصبح معروفا ان اسهام نجيب محفوظ في العمل السينمائي، يفوق اسهام اي اديب عربي، عددا ونوعا. ومن قرأ كتيب هاشم النحاس "نجيب محفوظ في السينما المصرية"، الصادر عام 1989 عن المركز القومي للسينما في القاهرة، يفاجأ بحجم الحضور النوعي لأديبنا الكبير في هذا المجال، حيث يؤكد الاستاذ النحاس، بالوثيقة والعنوان، ان اديبنا الكبير هو اول اديب عربي يكتب للسينما، فقد بدأ عام 1945 عندما كتب سيناريو فيلم "مغامرات عنتر وعبلة" الذي اخرجه الراحل صلاح ابو سيف. ونجيب محفوظ هو أكثر الأدباء العرب أعمالا في السينما، ويحصي له الاستاذ النحاس تسعة وخمسين فيلما حتى عام 1988، وأظن ان العدد أكبر من ذلك، فهو لم يذكر، مثلا، في قائمة اعمال نجيب محفوظ السينمائية، فيلم "دنيا الله" الذي اخرجه ابراهيم الصحن في ثلاثية شملت قصتين ليوسف ادريس ويحيى حقي.

ونجيب محفوظ هو الأديب الوحيد الذي ارتبطت وظيفته مباشرة بالسينما، منذ عام 1959 حتى احالته على المعاش عام 1971. وتحتل الأفلام المأخوذة عن اعماله او التي كتب لها السيناريو او شارك فيها مكانة خاصة في تاريخ السينما، وقد احصى سعد الدين توفيق - في كتابه قصة السينما في مصر - سبعة عشر فيلما من اعمال نجيب محفوظ، او له علاقة بها، بين اهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
واسهامات نجيب محفوظ السينمائية، كانت إما من روايات وقصص منشورة له من قبل. وإما سيناريوهات كتبها منفردا او بمشاركة آخرين. والطريف انه لم يقم شخصيا بكتابة سيناريو لأي من رواياته او قصصه المنشورة، بل كتبها له آخرون، مثل لطفي الخولي الذي كتب سيناريو فيلم "القاهرة 30" المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة". ولكن أديبنا الكبير قد أعد بعض روايات زملائه الآداب للسينما، كما عمل، مثلا، في رواية احسان عبد القدوس "انا حرة".

ويمكن القول بلا مبالغة ان الافلام المأخوذة عن ملحمة الحرافيش وحدها - وهي من أهم اعمال نجيب محفوظ الأدبية - قد وفرت نكهة خاصة للسينما العربية وأثرت في اسلوب المخرجين الشباب. فمن هذه الملحمة وحدها تم تقديم ستة أفلام هي "الحرافيش - الجوع - شهد الملكة - المطارد - التوت والنبوت - اصدقاء الشيطان" بل ان بعض افلامه قد أعيد انتاجها غير مرة، كما حدث مثلا مع روايته "الطريق".
وقد انشغل المسرح كذلك ببعض رواياته، والمسلسلات الاذاعية. وما كان ذلك ليتم لولا ما تتميز به اعمال هذا الكاتب الكبير، من قوة الحدث وحيوية السرد، وامكان صنع المشاهد. ولا عجب فنحن ازاء كاتب مملتىء بالحياة.
 
 

 

 
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية